Wednesday 18th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Apr-2022

فاطمة بين البارود والسنابل.. قراءة أوليّة

 الدستور-د. نهال عبد الله غرايبة

«فاطمة: حكاية البارود والسنابل»، للكاتب الدكتور محمد عبدالكريم الزيود، الصادرة عن دار الآن ناشرون، في عام 2021، تقع الرواية في 224 صفحة من القطع المتوسطة، ترصدقصة فاطمة البدوية، وما تخلل حياتها من معاناة وفقدان وخسارة متكررة، كمارصدت الأحداث في الفترة الواقعة بين منتصف الأربعينيات وحتى ثمانينات القرن الحالي.
وأنا أطالع واقرأ رواية فاطمة، طافت بي الذاكرة صوب أحاديث والديّ وبعض الأقارب عن ذاك الزمان القديم، وكيف كان الأهالي يكدون ويكدحون من أجل تأمين لقمة العيش. أحاديثهم عن حياة عاشوها وعاصروا فيها بعض ويلات العرب مثل النكبة وحرب الـ 67، وغيرها. إن بعض مشاهد الرواية التي وثقها الكاتب سمعتُ به وعنه، وهناك تشابه لبعض الأحداث حدثت في بلدتنا قديمًا.
وأعيد ما قاله الشاعر والكاتب الأردني حسن جلنبو في مقاله في الدستور عندما قال: منذ الصفحة الأولى للرواية، سوف تجهَّز لتذرف دمعا غزيرا، وسيتجاوز نشيجك المكان والزمان، فأنت إزاء عمل أدبي مكتوب بدمع العين ورائحة البارود وصرخات الفقد ومغلف ببياض الأكفان، وسواد ملابس الحداد.
تأتي رواية فاطمة لتسرد لنا تاريخ وطن، وسيرة حياة الأردنيين، وتروي حياة الفقد والانكسار، وتحكي حكاية وطن وشهادة. فكانت فاطمة بين البارود والسنابل، وما بينهما من حياة وموت، البارود حكاية التناقضات: (حكاية الموت والحياة، حكاية الحرب والسلم، حكاية الخير والشر)، ليأتي في مقابلها السنابل (حكاية الخير والأمل والحياة).
تُطالعنا في الرواية شخصية حمدان، شقيق فاطمة، الذي توفي في ليلة زفافه، حمدان هو حكاية الفرح المنقوص، وحكاية الأمل الذي لم يتحقق، حكاية الأحلام المكبوتة وحكاية وجع. وبعد وفاته انتقلت فاطمة للعيش في بيت خالها حسين، فرسم لنا الكاتب شخصية حسين فكانت حكاية كل رجل تقيّ وصاحب دين، حكاية شيخ جليل، وحكاية أب يعارك متاعب الحياة ليعيش الأبناء، حكاية أبي الشهيد الذي تباركت الأرض بدمائه.
أما صبحا، زوجة حسين، فحكاية المرأة المكافحة والصابرة؛ وهي حكاية كل زوجة تكدَ وتسعى وتساند زوجها، حكاية كل زوجة تتحمل مسؤولية بيتها وأبنائها، حكاية أم تخاف وتقلق على أولادها، حكاية ضعف ووهن، وحكاية أم الشهيد التي انفطر قلبها على ولدها الشاب. بينما بالمقابل لها يُظهر الكاتب شخصية سارة بصورة مختلفة، فكانت حكاية التمرد، والغرور، والأنانية، سارة الغجرية التي كان الرجال يتمنون نظرة منها تمردت على تقاليد قومها وهربت، هي حكاية كل فتاة ترغب بالتمرد والهروب من واقع أليم وتقاليد عمياء.
وفي طيات صفحات الرواية تظهر لنا شخصية علي، الشاب الصغير الذي لم يتجاوز عمره الثامنة عشرة، التحق بالجيش العربي هربًا من ضنك الحياة ومشقتها. هو حكاية الشقاء وتحمّل المسؤولية، حكاية شهيد، وحكاية بطل حقيقي أبى أن يترك رشاشه حتى فارق الحياة، دافع عن أرض فلسطين بكل حب وشغف لنيل الشهادة أو الانتصار، وتعطرت الأرض بدمه الزكي.
وتحت عنوانيّ سلمان الراعي وكهرب وحيدا،تنعكس لنا شخصية سلمان الراعي، الراعي الحزين، حكاية اليتم منذ الصغر، حكاية الوحدة والعناء والمشقة، حكاية العاشق الحزين والمكسور، وهو حكاية الموت. وداخل الرواية تظهر الشخصيات الثانوية، أهل القرية الشيخ والمختار وصاحب الدكان وغيرهم، وهم حكاية وطن وأبنائه، حكاية ماضٍ وحاضر، حكاية إثبات لهوية وطنية، حكاية الإنسانية، حكاية الأمل والإصرار والتحمل.
وتتضحلنا بين تلك الشخصيات شخصية فاطمة، مركز الرواية، حكاية آلاف النساء الأردنيات، حكاية الكد والكدح، فهي حكاية المرأة البدوية، حكاية الانكسار والفقد، حكاية اليُتْم منذ الصغر، حكاية وطن مسلوب، وحكاية حياة ونجاة، حكاية أمل متجدد، وحكاية شفاء ودواء.
قرأتُ فاطمة وأنهيتها وكان في داخلي حزن على حمدان شقيق فاطمة، وسلمان الراعي، وعلي، فكيف يموت حمدان في بداية الرواية، وهو السند الوحيد لفاطمة، لتعيش مخذولة ومكسورة، لماذا يموت في ليلة زفافه، هل كان من أولئك الأشخاص الذين لا يكتمل فرحهم، نعم هو حكاية لكل شخص فرحه منقوص، هي المفارقة التي أحدثها الكاتب وبرع فيها. وسلمان الراعي الذي عاش وحيدا دون أهل وأقارب وزوجة وأولاد، تأتي نهايته بانتحاره، أي ظلم عاشه بسبب تلك الوحدة وماذا عانى لينهي حياته ربط نفسه بأعلى الشجرة. أما علي الشاب الصغير، الذي لم يفرح جيدًا بلباسه العسكري، فسرعان ما خطفه الموت من بين رفاقه، ويده على زناد رشاشه، فارتقى شهيدا معطرا الأرض بدمائه.
لا شك بأن تأخذ هذه الرواية صدى كبيرًا وقراءات متتالية، فهي حكاية تاريخ وتوثيق لأحداث عاشها أو سمع عنها أغلب الأردنيين. فقد وردتحادثة استشهاد الملك عبدالله الأول ونكسة حزيران عام1967 وتداعياتها، من حيث النزوح والهجرة من داخل الأردن وخارجه، وكيف تشكلت الحياة الاجتماعية في مدينة الزرقاء آنذاك.
لقد برع الكاتب بسرد روايته وتقمّص شخصياتنا وشخصيات الأهالي في الماضي، ففي كل صفحة وكل حدث كنت أجد نفسي أو أجد حديثًا مشابهًا لما كنتُ أسمعه من حكايا والدتي وشقيقاتها، حكايا الماضي وكيف كان الناس يتنقلون وطبيعة أعمالهم في الزراعة والحصاد.
فاطمة حكاية الماضي والحاضر، حكاية الوطن وهويته، حكاية حياة من رحم الموت، حكاية لرحلة الشقاء المكتوبة، حكاية حزنٍ وفقر، وما يقابله من نفوس كريمة، تجود بكل ما تملك.
وكما قال الروائي هاشم غرايبة إن رواية فاطمة تنبئ بولادة روائي جديد يمتلك أدواته الكتابية والإبداعية باحتراف، حيث قدم في روايته مقطعًا تاريخيًا لبلادنا بكل تفاصيل المكان والإنسان وعظّم من بطولات جيشنا العربي وشهدائه