Thursday 2nd of February 2023 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    26-Nov-2022

ضربة فقط لمنشآت إيران النووية لن تجدي نفعا

 الغد-معاريف

الون بن دافيد
25/11/2022
 
كانت الساعة قبل الثامنة صباحا ورئيس الوزراء كان في مكتبه، غارقا في مكالمة جماعية عاصفة مع وزير الدفاع ووزير المالية. صراخ الاثنين ملأ فضاء الغرفة ورئيس الوزراء استصعب النبس بكلمة. في أثناء الليل، أقيمت خمس بؤر استيطانية أخرى في الضفة الغربية يتصدرها وزير المالية وأعضاء حزبه. الوزير نفسه أجرى هذه المرة أيضا المكالمة من رأس تلة مكشوفة في أطراف جنين نالت منذ الآن اسم “معاليه زلفا”. أصوات الغناء والرقص حوله كادت تفوق صوته حين قال بانفعال: “ها هو، إنها البلدة الخمسون التي أقمناها. في غضون نصف سنة نجحنا في تغيير خريطة بلاد إسرائيل”. بالضجيج الذي أحاطه لم يكن له أي احتمال لأن يسمع وزير الدفاع الذي صرخ بمرارة بأنه منذ ثلاثة أشهر لا يجيبون على مكالماته في البنتاغون.
لكن رئيس الوزراء سمع جيدا شكوى وزير الدفاع: “سيدي، أطلب أن تقر لي إخلاء المستوطنين بشكل فوري. فالأميركيون يعرقلون منذ خمسة أشهر إرساليات الأسلحة الدقيقة التي اشتريناها، ومخزوناتنا باتت أقل بكثير دون الخط الأحمر”. دفن رئيس الوزراء وجهه بيديه. فقد كان يعرف كيف ستنتهي المكالمة. وعندها فتح الباب.
في فتحة الباب، وقف السكرتير العسكري بوجه ينذر بالشر. “يتعين علي أن أنهي. نواصل بعد ذلك”، قال رئيس الوزراء فيما كان يعرف أن أيا من الصقرين لا يسمعه، وقطع الاتصال. “ماذا حصل؟”، سأل السكرتير العسكري. “رئيس الأركان، رئيس الموساد ورئيس أمان يتواجدون هنا”، قال السكرتير العسكري “هم مضطرون لأن يتحدثوا معك على عجل”. دون انتظار إشارة منه، دخل الأشخاص الثلاثة الى الغرفة بوجوه تمتلئ قلقا وجلسوا. “سيدي”، بدأ رئيس الموساد، “في الأيام الأخيرة تجمعت في شعبة الاستخبارات “أمان” أنباء من مصادر عدة بأن إيران استأنفت عمل مجموعة السلاح لديها. وهذه الليلة نقل لنا مصدرنا هذه الصور التي تؤكد النبأ بما لا يرتقي إليه الشك”، قال ووضع كومة من الصور على الطاولة. رئيس الوزراء مد يديه الى كومة الصور، ولكن حتى قبل أن يتمكن من النظر فيها ضج صوت رئيس الأركان: “سيدي، إيران بدأت تبني قنبلتها النووية”.
يد رئيس الوزراء الممدودة تجمدت في الهواء. منذ 25 سنة وهو يعد نفسه لهذه اللحظة، التي يهجر فيها موقف المثبت على الباب ويضفي على نفسه عباءة المخلص. على مدى ربع قرن حذر من على كل منصه ممكنة “إيران، إيران، إيران!”، والآن حانت لحظة لأن يزيل التهديد الوجودي عن شعبه وأن يسجل في تاريخ إسرائيل كزعيم بقامة توراتية.
صمت وانتظر الى أن يعلوه إحساس السمو، ولكن بدلا منه شعر ببرودة شديدة تمتد في عروقه وتجمدها. ولتهدئة إحساس الجفاف هذا في الفم أخذ رشفة من كأس القهوة أمامه الذي برد، وقال: “نحن بالطبع سنجمع كل المحافل المناسبة للبحث في هذا التطور، لكن قولوا لي ما وضعنا؟ هل نحن جاهزون؟”.
تبادل الثلاثة بينهم نظرات حرج، وبعد ثوان من الصمت كحكح رئيس الأركان حنجرته، وبدأ يقول: “أنت تعرف، يا سيدي، أنه منذ بدأ زخم الاستيطان في الضفة الغربية، ألغى الأميركيون مناوراتنا المشتركة للهجوم، علقوا إرساليات الذخيرة الدقيقة وطائرات شحن الوقود بل وغيروا الأرقام السرية للتشخيص الصديق التي أعطوها لطائراتنا في حالة اضطرارها الطيران فوق الخليج الفارسي”. وتأزر الصوت الواثق لرئيس الأركان بالشجاعة أيضا من رئيس الموساد وواصل حديثه: منذ زيارة وزير الأمن الداخلي الى الحرم حين أعلن بأنه بعد زمن غير بعيد ستختفي المساجد من هناك، قطع البعض الاتصال بنا. لا يوجد أي احتمال أن نتلقى منهم حتى موافقة صامتة للطيران في مجالهم الجوي”.
“والمشكلة الأساس، واصل الحديث رئيس شعبة الاستخبارات “أمان”، “هي أن البرنامج النووي الإيراني بات عميقا في مجال الحصانة. لا توجد لنا قدرة حقيقية لمنعهم من تخصيب اليورانيوم أو المعلومات النووية التي جمعوها. وحتى لو نجحنا في أن نؤخرهم، فسيكون هذا على مدى أشهر قليلة فقط. لا شيء مما قيل كان جديدا على سمع رئيس الوزراء، وما يزال، لسماع الأمور شعر كيف تغلق عليه حيطان الغرفة.
شد البراغي
السيناريو بالطبع خيالي، لكنه يقوم على أسس حقيقية ولا ينعدم احتمال التحقق. فالطريق المسدود الذي وصلت اليه المفاوضات على الاتفاق النووي، مضاف إليها الاضطرابات الداخلية في إيران، كفيل بأن يؤدي بالإيرانيين للخروج الى مغامرة استفزازية. قد يكون هذا تخصيب اليورانيوم الى مستوى 90 %، مثلما حذر هذا الأسبوع رئيس شعبة الاستخبارات أو ربما أيضا استئناف مجموعة السلاح، الجسم المسؤول عن بناء القنبلة.
هذا الأسبوع بالذات استكملت إسرائيل خطوة لتوثيق التعاون مع الأميركيين ضد إيران وفروعها. زيارة رئيس الأركان الى الولايات المتحدة استهدفت شد البراغي قبيل مناورة مشتركة لسلاح الجو مع الأميركيين. الخطوة التي ولدت في إطار العلاقات مع قيادة المنطقة الوسطى الأميركية رفعت الى المصادقات وتلقت مباركة البيت الأبيض للتقدم.
لكن بالتوازي استقبلت في إسرائيل عشرات التوجهات القلقة (بعضها حتى هستيرية)، جاءت من الولايات المتحدة، من الشركاء في المنطقة ومن دول في المنطقة لم تصبح بعد شريكة علنية، على السياسة المتوقعة للحكومة الجديدة في الضفة الغربية وفي الحرم. وكانت الأسئلة بصيغة مشابهة: هل حكومة اليمين المتطرفة تعتزم ضم الضفة الغربية؟ هل ستقيم عشرات المستوطنات الأخرى؟ هل ستغير الوضع الراهن في الحرم؟ كما اهتم الأميركيون بمعرفة هل يعتزم رئيس الوزراء الجديد/القديم مرة أخرى أن يستخدم الكونغرس كي يتجاوز البيت الأبيض.
صحيح أن بنيامين نتنياهو يرث وضعا أمنيا مهزوزا في الضفة الغربية وفي القدس، لكن الاستقرار في غزة وفي حدود الشمال والبنية التحتية الجيدة للتعاون مع الولايات المتحدة ودول المنطقة حيال إيران. نتنياهو، الذي كانت إيران على مدى السنين تدور في عقله كفيل بأن يكتشف بأن السهم المرتد للمناطق في يده. فالسياسة التي سيتخذها هو وشركاؤه الائتلافيون في المناطق وفي القدس ستؤثر على قدرته على العمل في باقي الساحات.
منذ دفع الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، جمع الإيرانيون معلومات وقدرات تجعل برنامجهم النووي شبه محصن من هجوم عسكري. وفي الوقت نفسه لم يكرس نتنياهو مقدرات لتطوير الخيار العسكري الإسرائيلي وأضاع سنوات باهظة الثمن.
والآن، بينما توجد إسرائيل في ذروة بناء الخيار العسكري المتجدد بات واضحا بأن ضربة فقط لمنشآت إيران النووي لن تجدي نفعا -إسرائيل ملزمة بالقدرة على إدارة معركة متواصلة مع إيران، قدرة تهدد بقاء النظام الإيراني. لا توجد لإسرائيل قدرة مستقلة لإدارة معركة كهذه، إلا بإسناد أميركي.
العنوان (غير الناجح جدا) الذي صدر قبل أكثر من عقد -“يتسهر مقابل بوشهر” كفيل بأن يلقى حياة متجددة في السنة المقبلة. فتركيبة الحكومة الجديدة ستجبر نتنياهو على أن يختار بين تطلعات الشركاء لضم المناطق، للخروج الى سور واق 2 وفرض سيادة كاملة في الحرم وبين وعوده: توسيع اتفاقات إبراهيم ونزع التهديد النووي من إيران.
المناطق توجد منذ الآن على شفا الغليان والسلطة الفلسطينية على شفا الانهيار. السياسة التي سيستخدمها في قيادة المنطقة الوسطى (فكمز) ستؤثر على مجال مناورته حيال إيران. وإذا ما صغنا الأمر بشكل أدق فإن خياره سيكون بين فكمز ونتنز.