Friday 26th of February 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    15-Feb-2021

الأفيش السينمائي بين الإبداع التشكيلي والتصوير الفوتغرافي

 القدس العربي-كمال القاضي

تداخلت العناصر الإبداعية بمختلف أشكالها ومستوياتها في صناعة الأفيش السينمائي، وقد خضعت عملية التصنيع ذاتها إلى عدة متغيرات وبدائل بحكم المراحل التي مرّت بها، فمع ازدهار صناعة السينما في مصر على يد توجو مزراحي والإخوة لوميير، عُرف فن الأفيش كأحد العوامل المساعدة على الدعاية والترويج، ولأن فن السينما ذاته فن مستورد فقد جاء الأفيش أيضاً تابعاً له ضمن الفنون الأخرى التي ارتبطت به كاكتشاف جديد ومثير.
ولما نهضت السينما المصرية عبر مراحلها وأزمنتها وتواريخها المختلفة كان حتمياً أن تتقدم أوجه وأشكال الدعاية تبعاً لهذه النهضة، ونشط الفنانون والخبراء الأجانب المتخصصون في مجال الرسوم والألوان والخطوط، وعُرف اليونانيون والأرمن بالتفوق في هذا المجال الفني، وبرز من بينهم فاسيليو في خمسينيات القرن العشرين، وقد نقل خبراته لعدد من الفنانين المصريين مثل، جاسور ومحمد مفتاح، وبمرور الوقت توارثت الأجيال الجديدة المهنة الإبداعية واشتغلوا بها لفترات طويلة، فظهر حسن جاسور خليفة لوالده، ومرتضى محمد ومحمود خليل.
وبوجود هؤلاء الرواد تعددت الأنشطة واشتهر النجوم، ونجحت أفلامهم بفضل الإتقان في شكل الأفيش وتأثيره، كعبد الحليم حافظ وشادية وفاتن حمامة وفريد شوقي وسعاد حسني وعمر الشريف ورشدي أباظة ومحمود المليجي وغيرهم، فمن أشهر أفيشات الفنان محمد مفتاح، فيلم «لحن الوفاء» الذي كان أول بطولة لشادية وعبد الحليم حافظ، وحقق معدلا مرتفعا من الإيرادات في دور العرض السينمائية، وبالقطع جاءت الأفلام لكبار النجوم على المستوى نفسه من الأهمية، «رصيف نمره 5 « لفريد شوقي وزكي رستم و«الأرض» لمحمود المليجي، و«دعاء الكروان» لفاتن حمامة وأحمد مظهر و«البوسطجي» لشكري سرحان وصلاح منصور وزيزي مصطفى.
وكذلك أبدع الفنان محمود خليل عدداً من الأفيشات، كان من أهمها أفيش فيلم «هذا الرجل أحبه» و«إجازة نصف السنة» ومن مزايا خطوط ورسوم محمود خليل وضوح المعنى فيها، كونه بدأ رساماً للكاريكاتير، فاكتسب خصوصية التشريح والتعبير الساخر الدال على المضمون. ويتنوع فن الأفيش بتنوع الخبرات المُكتسبة للفنان والمدرسة التي ينتمي إليها، فهناك رسم توضيحي كالمبين في فيلم «الجسد» للمخرج حسن الإمام وبطولة هند رستم، وهو الأكثر جرأة وإثارة، إذ تم التركيز على جسم البطلة ومواطن الجذب في شكلها وحركتها وفي المقياس والوصف نفسه جاء فيلم «أرجوك إعطني هذا الدواء» لنبيلة عبيد وفاروق الفيشاوي ومحمود عبد العزيز وفيلم «وكالة البلح» لنادية الجندي وفيلما «خمسة باب» و«درب الهوى» لعادل إمام ومديحه كامل ويسرا وحسن عابدين وفيلم «شوارع من نار» لنور الشريف.
وكذلك يوجد الشكل التعبيري للأفيش وهو تعبير رمزي ودلالي عن المعنى والمضمون كأفيش فيلم «الأرض «وفيلم «النداهة» و«دعاء الكروان» و«الناصر صلاح الدين» وفي بعض الأحيان كانت الحالة الكوميدية للفيلم تفرض على الرسام اللجوء إلى التعبير الكاريكاتيري كملمح من الملامح الموحية بالضحك، وهذا النمط وضح بقوة في أفلام محمد عوض وسمير غانم وجورج سيدهم ويونس شلبي وبعض أفلام عادل إمام.
وللأشكال التأثيرية موضع آخر في تصميم الأفيشات وهي تختص بالأفلام التراجيدية كـ»بداية ونهاية» و«جعلوني مُجرماً» و«اليتيمتين» و«البؤساء» وتستخدم فيها الألوان القاتمة تعبيراً عن الحزن، بعكس الأفلام الجريئة والكوميدية والرومانسية والاستعراضية والغنائية، فيُراعى في تصميمها إظهار عنصر الإثارة والبهجة وتنوع الألوان الصارخة والهادئة بحسب الحالة المعنية في السيناريو والمعالجة الفنية.
في مراحل التطور القريبة والمعاصرة لفن الأفيش، تم الاعتماد على الصورة الفوتوغرافية كعنصر رئيسي في التكوين نتيجة تراجع الصناعة اليدوية وانقراضها المترتب على رحيل الرواد الأوائل من الرسامين، غير أن دخول الميكنة والتكنولوجيا قد أثر كثيراً في الصناعة التقليدية، فباتت كل الأفيشات تُصمم آلياً مع التوظيف التقني والتكنولوجي للصورة الفوتغرافية كعنصر ثابت لا يمكن الاستغناء عنه، وهو ما ظهر في أفلام مهمة كـ»الجزيرة» و«عمارة يعقوبيان» و«ليلة البيبي دول» والغالبية العظمى من الأفلام الحديثة، مع التباين في درجات التوظيف الفوتغرافي، واختلاف الأشكال الفنية ومعانيها، ففي حالات معينة يتم تصميم الأفيش بشكل غامض ومُلتبس، لزيادة الإثارة الذهنية ولفت النظر، وهو أسلوب يليق أكثر بأفلام الخيال العلمي والشعوذة والرؤى السينمائية الميتافيزيقية أو الفلسفية أو التاريخية، كفيلم «الفيل الأزرق» أو «الكنز» أو «حائط دم» أو «الجن والإنس» أو «التعويذة» أو «المهاجر» و«المصير» و«إسكندرية ليه؟» و«إسكندرية كمان وكمان» و«حدوتة مصرية» و«باب الشمس» و«مرسيدس» و«سرقات صيفية» وغيرها، مع مراعاة الفترات الزمنية الفاصلة بين كل فيلم، ومستوى تأثيره وموضوعه ونوعية الجمهور الموجه إليه.
وعن الاقتباس من الأفلام العالمية، أو النقل الحرفي للشكل والألوان والأفكار فهو موجود وشائع في السينما المصرية ويكاد يكون نمطا سائدا وغير مُقنن، وإن كان هذا مسيئا للفن الاستثنائي الخاص، لكنه يفرض نفسه بحكم الاستسهال من ناحية وفقر الكفاءات والخبرات من ناحية أخرى، أي أنه بشكل أو بآخر طاغ ومُنتشر ويمثل جريمة بلا عقاب!
 
كاتب مصري