Wednesday 20th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    01-Jan-2021

رواية «المؤابي» لسامر المجالي.. مقدمة في «علم السيادة»

 الدستور-نايف النوايسة

 
من المؤكد أن الرواية كجنس أدبي أيّا كان نوعها هي خطاب إبداعي يتوجه به كاتبه إلى المتلقي المثقف كاشفاً عن رؤيته الفكرية في الحياة ومسارتها المتشعبة.
 
تستوقفني الرواية التاريخية أو التي تقع ضمن المتخيل التاريخ كما يذهب البعض في تسميتها، لأني أفترض في هذه الرواية لحظة تنوير لفكرة أدرك الروائي أهميتها وقداسة مضمونها، بحيث يراها عظيمة وجديرة بالاهتمام، بخاصة إذا وُظفت أحداثُها التاريخية توظيفاً يخدمها وكُتبت بأسلوب فني عالي المستوى، ولم يتورط بالضياع في السرد ما بين (التاريخي الحرفي والفني).
 
ولا أجد غضاضة في الرواية التي تُجسّد حالة تاريخية ما يُشهد لها بالاحترام على أن يقوم الروائي في مختبره الإبداعي بتفكيكها وإعادة انتاجها من جديد لينقل التاريخي إلى الفني ليس سارداً حسب،وإنما معظِّمٌ لفكرة جليلة ولمعانٍ سامية عمّت إيجابياتها بين الناس وصارت جزءاً مما توافقوا عليه، وقد تكون هذه الحالة متعينة بشخص أو جماعة أو بكليهما.
 
إن ما قاله الدكتور سعيد يقطين في مقالاته حول هذا الموضوع لجدير بالاهتمام: (العلاقة بين الرواية والتاريخ لا ينبغي أن تُردم) وقال: (.. ولكن علينا أن نعمل على استكشافها لمعاينة كيف يبني الروائي علاقته بالتاريخ؟ وبأي طريقة؟ ولأي مقاصد؟)، وهو أمر مهم ذهب إليه الدكتور يقطين واستيقنته بوضوح وأنا أقلّب صفحات هذه رواية( المؤابي) للأديب سامر المجالي.
 
من الصفحة الأولى للرواية ومفهوم السيادة والزعامة يلح عليّ ويطفو على سطح ما استوعيت منها، واستهدفت في رحلتي البحث عن نقطة الارتكاز التي التفّتْ من حولها الرواية في أحداثها وشخوصها وأماكن الفعل الإنساني فيها، فوجدت أن العبور إلى فضاءاتها يتم من ولوج بوابة التاريخ لتأكيد مفهوم(السيادة)، والكيفية التي يتحقق بها هذا المفهوم، وفي ذهني في الوقت ذاته ما صنعه ابن خلدون في مقدمته وهو يبحث في علم العمران أو الاجتماع، ولعل الروائي المجالي ذهب إلى ما ذهب إليه ابن خلدون لطرْق أبواب علم جديد هو(علم السيادة)، كل ذلك تم بلغة قوية محكمة حِيكت فيها حبكة الرواية، ومعالجات منطقية لا خلل في وجودها بالجسم الفني للرواية.
 
أقول بدءاً: لا مثلبة في الكتابة عن جماعة ما وتتبعِ تاريخها إن كانت هذه الجماعة ذات تاريخ مُشرّف وحضور ايجابي فاعل في بناء حياة الإنسان والمجتمعات، فكيف إذا قام المبدع بتحليل هذا التاريخ أو بعضه ويعيد إنتاجه عملاً إبداعياً عالي المستوى كهذه الرواية وقد التزم فيها مساراً سردياً واحداً لا مساران، هو المسار الفني، فلم يضطرب قلمه ما بين التاريخي والفني.
 
وفي يقيني أن الأديب المجالي رجع إلى مصادر تاريخية كثيرة ليقف من خلالها على تاريخ العشيرة المستهدفة فضلاً عمّا يعرفه عنها واستقر في ذاكرته، ليلتمس له في ما بعد طريقاً آمناً في صنع روايته، فانتقى من طيّب ما تحصّل له أطيبه، وراح يعالج فنياً نسيج روايته، كأسماء الأشخاص والأماكن، ما عدا بعض الشخصيات التي ظنها لا تكشف أقنعته مثل الشخصيات التركية والعربية، أما الشخصيات الكركية فأتقن اخفاءها، ووجد في شخصية عدنان البطل الأنمودج والحامل القادر لأعباء الخيوط المتشابكة لهذا العمل؛ واستمد دلالة الاسم من عمق تاريخي معلوم هو (عدنان جد العرب)، وربطه بمؤاب التي لها دلالات شاهدة على السيادة وبناء الدولة ومقاومة الظلم في الكرك وما جاورها من حواضر.
 
وفي الرواية: ظهرت على عدنان مخايل الخير وتباشير الزعامة منذ صباه وتشرّب ذلك من كبار عشيرته وما يسمعه من مآثر، كل ذلك طبعه بميسم الزعامة، فسار في عدة خطوط مكنته من سنام السيادة كما خطط الروائي؛ الخط الأول هو مراتع الصبا التي أفضت في ما بعد إلى مواجهة (البرغوث) الذي تمرد على ثوابت الشيخة والسيادة وتزعم انتفاضة ضد زعماء العشيرة كالذي فعله الصعاليك قديماً في حركتهم الاجتماعية المعروفة، وتمكن عدنان ومن معه من مناصرين وعلى رأسهم أولاد أخيه من القضاء على البرغوث واجتثاث حركته، فعظُم عدنان في عيون جماعته وأصبح زعيمهم دون منازع.
 
لم تكن عين السلطة العثمانية غافلة عمّا يدور في ولايات الدولة ومنها الكرك، ولاحظت قوة التمكين والزعامة التي تحصّلت لعدنان بين جماعته وفي محيط المنطقة، ومدّ عينه إلى البعيد، وهل هناك غير رأس السلطة في اسطنبول من مرام؟! وتشابكت الخيوط بين السلطان عبدالحميد وزعماء القبائل في الوطن العربي ومنهم عدنان الذي تسلّم خطاباً من السلطنة معنوناً بـ(عدنان بن كريم المؤابي) وتضمّن دعوته لمقابلة السلطان عبدالحميد، والذي نلحظه هنا أن صفة(المؤابي) خُصّ بها عدنان ولم تلحق بغالب بن عويد، وسأوضح الأمر لاحقاً.
 
وكيف تكون السيادة؟ وهو الهاجس الذي لا يفارق عدنان منذ فتح عينيه على الحياة، والحلم الذي يسكنه ويسعى إليه في الليل والنهار، من هنا أمسك الروائي بخيوط روايته وجعل وجهة السرد وحركة الشخصيات وجوهر الأحداث باتجاه نهج عدنان الذي أوحى بأنه شخصية قوية استثنائية من خلال المواجهة مع البرغوث ودحره، فبزغت منابت زعامته، ثم ذهب الروائي إلى بوابة ثانية هي (سلامة بن زعل) التي حملته إلى مُبوّأ الزعامة، فسلامة فتى موهوب وذكي وطموح اختاره عدنان من بين صبيان العشيرة ليدرس الإدارة والسياسة والعلوم العسكرية في مدرسة أبناء العشائر التي أنشأها السلطان عبدالحميد في اسطنبول في أواخر حكمه، وفي الوقت ذاته أرسل عدنان ابنه فارس الى مكتب دمشق لينال حظاً من العلم كأبناء الذوات ليقينه أن الاستثمار في العلم هو أفضل استثمار لتحصيل السيادة.
 
انتظم سلامة في المدرسة وبدأ يعي الحياة ويفهمها من خلال طموحه وأحلامه على غير ما خطط عدنان الذي كان يريده من خُلّصه وأتباعه مؤتمراً بأمره ومخلصاً له في السر والعلن.
 
واندلعت شرارة ثورة الكرك (الهيّة) 1910، وكان سلامة هو المستشار الرئيس لعدنان في تحركات الأتراك وردة فعلهم من الثورة، فبنى عدنان خططه في إدارة دفة الأحداث على مشورة سلامة، وحين وقعت الكارثة وفشلت الثورة وعاش الثوار والأهالي الأمرّين تبين لعدنان أن سلامة أورده موارد الفشل ومهالك الموت من بوابة طموحه ليكون الزعيم بدلاً منه، فاستيقظ من طِيبته التي رأى بها سلامة ووضعه في دائر الشك؛ فالرجل على صلة قوية بأطراف الحكم والصراع السياسي في اسطنبول فضلاً عن علاقاته مع أقطاب السياسة وصالوناتها في دمشق وبيروت، بالإضافة إلى علاقته مع رموز ثورة الشريف حسين في الحجاز التي بدأت تتحرك بقوة تجاه بلاد الشام.
 
قوي الصراع بين الاثنين على زعامة العشيرة وكلٌّ يقوده طموحه الى الهدف؛ سلامة بدأ يدرك أن عدنان من الذكاء بحيث يعرف سواكنه وما يجول في خاطره فتحرك بذكاء الطموح، وعدنان حصّن ابنه الفتي الذي يدرس في دمشق من شرور سلامة وألاعيبه ثم تصدى له في كل موقف ومنبر بذكاء الزعيم وحنكته حتى دحره وأبعده من طريقه وطريق ابنه، فترك سلامة الكرك وبلاد العرب وهاجر إلى البرازيل بعد أن أحس بورطته مع الأتراك الذين حمّلوه مسؤولية إشعال الثورة، وورطته مع عدنان الذي حمّله فشل الثورة.
 
تنفس عدنان الصعداء بسقوط ورقة سلامة كما سقطت ورقة البرغوث من قبل، فعزز مكانته بين جماعته بكثير من الأفعال الحميدة، وزوّج ابنه فارس من حبيبتهالدمشقية سلمى، وحاز سوار السيادة دون منازع وكان صاحب الأحقية في مكاسب الدولة العربية الحديثة.
 
فما هي عناصر السيادة التي يمكن التقاطها من الرواية وشكلت المرتكز الشعوري لكل أحداثها؛ أولها الموهبة، وثانيها هذا القول الذي استقر في قلب عدنان: إذا ضربت فأوجع، أي الحزم، وإذا أطعمت فأشبع، أي الكرم، وثالثها هو ما قاله عدنان لابنه فارس: إن هذه الدولة (التركية) قَدَر يا فارس، ونقيضها قَدَر كذلك، فاظفر فيها في الحالتين بما يجعلك عالي الشأن، أي اغتنام الفرصة، ورابعها المزج بين الهدوء والعاصفة، أي الاعتدال، وخامسها الجسارة والذكاء، أي الشجاعة دون تهور والفطنة دون كسل، وخامسها الصبر والثبات وأن يسبق العقل اللسان وحسن الإنصات، والحرص على رفع اسم العشيرة وخدمة أبنائها.
 
كل هذه الخصائص حرص عليها عدنان وسلامة من اللحظات الأولى في السباق على سُلّم الزعامة، ولكن عدنان تفوق على سلامة بالذكاء الحاد والحكمة وتفويت الفرصة في اللحظة القاتلة.
 
أحكمَ الأديب المجالي سيطرته على أحداث الرواية وحركة شخصياته نماءً وظهوراً وخفوتاً بسوية عالية في آليات السرد والانتقال المنطقي من خيط إلى آخر مثل حائك ماهر يعرف كيف يبدأ وإلى أين ينتهي، وراوح بين الوقائع التاريخية التي تخدم رؤيته واللوحات الفنية الجميلة التي كسرت حِدة السرد مثل حكايات الجدات عن الغيلان، والعلاقة مع الخيل والفروسية وعلاقة فارس بسلمى، وكل ذلك تم بلغة سليمة لا التثاث فيها ولا إسفاف.
 
أما قصة اللقب (المؤابي) الذي وُصف به عدنان كما أسلفنا، وورد في مذكرات سلامه بعنوان (مذكرات رجل مؤابي)، فأرجح أن مأتاه من المنطقة التي تقطنها عشيرة عدنان، وهو اسم معروف في التاريخ( ربة مؤاب)، وليس من عموم مملكة مؤاب التي تشمل كل بلدات الكرك، فلو كان الأمر كذلك لخُوطب غالب بن اعويد بالمؤابي أيضاً.
 
الرواية بحق عمل إبداعي أردني كبير مكتمل انتصر فيها الكاتب للعروبة ودور الشعوب في صناعة مصائرها تحت إمرة قيادات نابهة تُحق الحق وتدحر الظلم وتُبعد الشوائب من طريق الإنجازات الطويل.