Sunday 18th of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Mar-2021

رحيل نوال السعداوي… الصوت النسائي الأكثر صخباً في مصر والعالم العربي

 القدس العربي-محمد عبد الرحيم

: نوال السعداوي (27 أكتوبر/تشرين الأول 1931 ــ 21 مارس/آذار 2021) الطبيبة والكاتبة والناشطة النسوية والمحاضرة في عدة جامعات. ربما البيئة التي ولدت وعاشت فيها طفولتها هي المؤثر الأول لما كانته في ما بعد، وما عُرفت به من صوت صاخب في المجتمع المصري والعربي، يحاول دوماً الانتصار للنساء ومشكلاتهن في مجتمع يوصف بأنه ذكوري، لكن فكرة السلطة السياسية نفسها، تجعل من هذا التسلط الذكوري بديلاً عن خيبات وقهر طال الجميع. بداية من عملية الختان التي تعرضت لها، ومحاولة تزويجها صغيرة، كما جاء في كتابها «الوجه العاري للمرأة العربية».
رحلت السعداوي عن تسعين عاما، أغلبها قضته في معارك لم ولن تنتهي، حتى بعد رحيلها. ربما لمواقفها الحادة وكلماتها الأكثر حدة، وربما لجهل مَن يحاججونها، وفي الأخير لنيل الشهرة، فالمرأة كانت تمتلك مؤيدين ومهللين في مصر وخارجها، وأصبحت من الشخصيات الأكثر تأثيراً في مصر والعالم العربي، حتى قيل إنها ترشحت لجائزة نوبل. من ناحية أخرى جاءت تجربة السجن لتضيف بريقاً خاصاً للراحلة، وقد حصلت على صك النضال، من خلال نظام مارس الغباء السياسي بامتياز، وبالطبع سلّط الضوء أكثر على صاحبة التجربة، فاستبان لها الخيط الأبيض من الأسود.
لم تبخل الراحلة في مؤلفاتها بالتنوع، فما بين المؤلفات العلمية، والمقالات الفكرية، تأتي السيرة الذاتية، وفي الأخير الرواية، وإن كان لا يمكن أن نطلق على ما سمته رواية، أنه ينتمي إلى فن الرواية بإخلاص. فمن الممكن الحديث عن مؤلفاتها الأُخر، بغض النظر عن كونها روائية. لكن في جميع الأحوال.. يحسب للمرأة أنها دافعت عما اعتقدته صحيحاً حتى آخر حياتها، ولها بالفعل آراء صادقة في العديد من المشكلات الاجتماعية، خاصة مواقفها من ظاهرة الختان، وقوانين الأحوال الشخصية، خاصة المساواة في الميراث بين الجنسين.
وفي هذا التقرير السريع بمناسبة رحيلها، يمكن استعراض بعض الأحداث المهمة في مسيرتها..
 
لكنها أنثى
 
تذكر السعداوي في مذكراتها أنها عندما قصت شعرها، شعرت بحرية كبيرة، فالتفرقة داخل عائلتها بين الذكور والفتيات جعلتها تكره تكوينها كأنثى، وأنها فقط مخلوق أدنى من الرجل، حتى أنها تحملت صفعات أمها المتكررة لفعلتها هذه. وكرهت حصص التدبير المنزلي ـ الخاصة بالفتيات ـ واشتركت في الأنشطة الرياضية والمسرح. وبما أن الطبيب ينال هيبة الجميع ـ في عصر السعداوي ـ قررت أن تلتحق بكلية الطب، ولكن المرّة الأخرى التي شعرت بقوتها، عند حضورها محاضرة التشريح، حينما رأت جسد الرجل مسجى أمامها، لا حول له ولا قوة، وبإمكانها أن تعمل مشرطها كما تشاء. من ناحية أخرى تزوجت السعداوي ثلاث مرّات، وكانت في كل مرّة تفر من قصبان مفروضة، حتى تشعر بالحرية. ربما أوضحت أكثر تجربتها الأولى، بخلاف الثانية والأخيرة، التي كانت من الكاتب اليساري شريف حتاتة. وبمناسبة الزواج.. تتواتر كلمات السعداوي في حواراتها، فعن الزواج الأول تقول، «زوجي الأول كان عظيماً، زميلي في كلية الطب. كان رائعاً، والد ابنتي. لم يرد والدي مني أن أتزوجه لأنه غادر إلى السويس لمحاربة البريطانيين، لكن بعد ذلك تمت خيانة المقاتلين، والكثير منهم تم حبسه. هذه الأزمة كسرته وأصبح مدمناً. وقلت إنني لو تزوجته، قد يوقف إدمانه، لكنه لم يفعل. حاول قتلي، لذا تركته». وعن حتاتة تقول، «والد ابني، كان رجلا حراً جداً، ماركسيا تم سجنه. عشت معه 43 عاماً، وأخبرت الجميع: هذا هو الرجل (النسوي) الوحيد على وجه الأرض، ثم بعد ذلك اضطررت للطلاق أيضاً. كان كاذباً. كان على علاقة بامرأة أخرى. تعقيد الشخصية ذات الطابع الأبوي. ألف كتباً عن المساواة بين الجنسين ثم خان زوجته، أنا متأكدة أن 95% من الرجال هكذا».
 
حوارات وآراء
 
وهنا نستعرض مقتطفات من أسئلة وردود السعداوي عليها، ضمن إذاعة «بي بي سي» العربية في 10 مارس 2007، توضح مدى تفاعل أفكار المرأة والمهتمين بمسيرتها الفكرية والقضايا التي تثيرها..
 
الهروب
 
يصف أحد القراء موقف السعداوي بأنه هروب من المواجهة والنضال من الخارج، فكان ردها.. كلمة «الهروب» لا تنطبق عليّ ولا أحبها، وهناك أناس يصطادون في المياة العكرة. فأنا مندمجة في المجتمع المصري حتى النخاع، أكثر من الحكومة المصرية ذاتها. فكتبي قرأتها أربعة أجيال منذ نشرها حتى الآن. عندما خرجت من مصر كنت غاضبة من النخبة المصرية والعربية، التي باعت نفسها لرجال المال والسلطة، الذين يحكمون البلاد. ليس غريبا أن تصمت تلك النخبة عندما تم تقديمي للمحاكمة بتهمة التكفير.
 
 
السعداوي عند تلقيها الوسام الوطني للاستحقاق الثقافي في تونس
 
الختان
 
أنا ضد ختان الإناث والذكور، أقول هذا من منطلق كوني طبيبة، كما أقول أيضا بصوت عال إن كل المعلومات الطبية تقول إن قطع جزء من جسد الطفل فيه خطورة شديدة. تاريخيا، فكرة الختان جاءتنا عن طريق العبودية وليس لها علاقة بالإسلام. إنه لمن المضر قطع جزء مهم من جسد المرأة، فدول مثل السعودية وسوريا والعراق وتونس، لا تعرف فكرة ختان الإناث. لقد ذكر في التوراة أن بني إسرائيل وذرية إبراهيم ستكون لهم الأرض الموعودة مقابل أن يختنوا الذكور. أؤكد أن الختان عادة ليس لها علاقة بالإسلام أو الطب، هل منطقي أن نقوم بقطع جزء من الطفل الذي خلقه الله سليما؟
 
الحجاب والحج
 
ما أعارضه هو أن يستولي الزوج على مصاريف أسرته ومدخرات زوجته ويشتري تذكرة للحج، ويقبّل الحجر الأسود. فالعمل عبادة وإطعام الأطفال عبادة، بل إن كل طقوس الحج جاءت قبل ظهور الأديان، وهذا هو جزء من التاريخ. الحج ليس عبادة إسلامية فقط، فالإسلام جاء ليمنع تقبيل الحجر الأسود. أما بالنسبة للحجاب، فأنا ضد اعتبار أن المرأة عورة، فالأخلاق في سلوك المرأة وعملها، وليس في تغطية شعرها الذي يعد تزييفا للأخلاق. لا بد أن ننظر للمرأة على أن لها عقل.
 
الدين والدولة
 
من الممكن فصل الدين عن الدولة، وقد حدث ذلك بالفعل في بلاد أخرى. أنحن شعوب أقل من الشعوب الأخرى التي قامت بذلك؟ طالما أن الدين دخل في السياسة، لن يكون هناك نقاش وسيكون القتل مصير من يختلف معك. فعلى الدولة أن تحكم بقوانين مدنية، فالدين حالة خاصة، وعلى كل شخص أن يعبد إلهه في بيته.
 
سبيل التغيير في مصر
 
لماذا نناضل إذا كانت بلادنا تتمتع بالديمقراطية؟ نريد أن نتحدى الديكتاتورية، لا أن انتظر الديمقراطية تهبط من السماء، ولذلك قمت بترشيح نفسي في الانتخابات لمواجهة النظام الديكتاتوري في مصر، رغم أنني كنت أعي جيدا أن مشاركتي رمزية ولن يسمح بها.
أشير هنا أن الحكومات العربية كلها ديكتاتورية، وكذلك الحكومات الغربية. الحل هو أن يبدأ كل شخص بنفسه. لا بد أن تسأل نفسك «ماذا قدمت حتى تكون هناك ديمقراطية حقيقية» بدلا من أن تجلس في بيتك لتربية الأولاد. أتعجب لماذا لم يكن هناك رد فعل عندما تم استدعائي للنيابة.
 
المثقف
 
المثقف هو الإنسان الذي يحاول أن يفهم العالم من حوله ويتحاور معه ويربط بين المجالات المختلفة للمعرفة (الطب والأديان والتاريخ). أما الاختلاف في الرأي فأمر لابد منه، لكن هذا الاختلاف لابد أن يكون بالفكر والعقل لا بالسيف والتكفير. وهنا تقع مشكلتنا في العالم العربي، إن من يختلف معنا نعتبره كافرا، يجب أن يعتقل أو يقتل. فلم نتعود على التعامل مع من يختلف معنا في الآراء.
 
الديمقراطية
 
لا توجد ديمقراطية في مصر، أو في أي من بلاد العالم حتى الولايات المتحدة الأمريكية، التي درست فيها لمدة 13 عاما، حيث تبنى فيها الديمقراطية على المال والسلطة، بل إن السؤال يبقى: ما هي الديمقراطية؟ إنها ليست الذهاب إلى صناديق الاقتراع، أو ممارسة حرية التعبير، إنما هي العدالة الاجتماعية والاقتصادية. لقد رأيت فقرا في بلجيكا يشابه ذلك الموجود في مصر، ورأيت فقرا في أمريكا لا يقل عن مثيله في الهند.
 
سيرة مختصرة
 
تخرجت نوال السعداوي في كلية الطب في جامعة القاهرة عام 1955 وعملت طبيبة، ثم تخصصت في الطب النفسي. وفي عام 1972 فقدت وظيفتها في وزارة الصحة بسبب كتابها «المرأة والجنس» الذي هاجمت فيه تشويه الأعضاء الجنسية للمرأة/الختان. أُغلقت في عام 1973 مجلة «الصحة» التي أسستها قبل بسنوات. في عام 1975 نشرت كتاب «امرأة عند نقطة الصفر» المستوحاة من قصة حقيقة لامرأة التقتها وكانت تواجه عقوبة الإعدام. ثم كتاب «الوجه العاري للمرأة العربية» عام 1977، موثقة من خلاله جرائم اعتداء جنسي وجرائم شرف ودعارة، أثناء عملها كطبيبة في إحدى القرى، ما أثار حالة من الغضب. وفي 1981 طالتها حملة اعتقالات السادات، فكتبت مذكراتها في السجن ـ هناك العديد من المآخذ على هذه المذكرات، بأنها كانت تنفي ما تدعيه من حرية، عن طريق علاقتها بالسجينات الآخريات ـ بعدها خرجت لتواجه الأصوليين، حتى استقرت في الولايات المتحدة، هرباً من مقاضاتها والتهديد بالقتل. وما بين الحجاب ومساحيق التجميل والملابس الكاشفة لجسد المرأة، وقفت السعداوي بالمرصاد، فالمرأة ليست عاراً، ولكنها ليست سلعة في الوقت نفسه. ترشحت في الانتخابات الرئاسية عام 2004، ثم شاركت في ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011. تصدرت صورتها غلاف مجلة «التايمز» الأمريكية ضمن قائمة أكثر 100 امرأة تأثيراً عام 2020.
 
أعمالها
 
أول أعمالها مجموعة قصصية بعنوان «تعلمت الحب» 1957، وأول رواياتها «مذكرات طبيبة» 1958. ويعد كتاب «مذكرات في سجن النساء» 1986 من أشهر أعمالها. ونذكر من هذه الأعمال مثالاً لا حصراً.. «أوراق حياتي»، «مذكرات في سجن النساء»، «سقوط الإمام»، «موت الرجل الوحيد على الأرض»، «المرأة والجنس»، «امرأة عند نقطة الصفر»، «كسر الحدود»، «الحاكم بأمر الله»، «الأنثى هي الأصل»، «الرجل والجنس»، «الحب في زمن النفط»، «الإله يقدم استقالته في اجتماع القمة»، و»زينة».
 
الجوائز
 
حصلت السعداوي على العديد من الجوائز العربية والعالمية، منها.. جائزة الشمال والجنوب من المجلس الأوروبي، جائزة ستيغ داغيرمان من السويد، جائزة إينانا الدولية من بلجيكا، جائزة رابطة الأدب الافريقي، جائزة جبران الأدبية، جائزة من جمعية الصداقة العربية الفرنسية، جائزة من المجلس الأعلى للفنون والعلوم الاجتماعية، وجائزة شون ماكبرايد للسلام من المكتب الدولي للسلام فى سويسرا، بالإضافة إلى الدكتوراه الفخرية من قبل الكثير من الجامعات الأجنبية.