Monday 23rd of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    26-Aug-2016

الدين وحركة التطور - منعم زيدان صويص

 

 
الحوار المتمدن-العدد: 5266 - 2016 / 8 / 26 - 19:55 
 
 أعتقد أن الجمود ورفض التغيير من أسباب الـتخلف، لا بل هو الـتخلف بعينه، لأن من لا يتطور يتأخر عن الركب الحضاري، وأعتقد أن التعليمات الدينية المتعلقة بحياة الإنسان يجب أن تخضع للتغيير، وأن التفسيرات المتعلقة بالكتب المقدسة يجب أن تخضع لتفسير جديد معدل ومتطور، وإذا فحصنا التعليمات الدينية التي ليس لها علاقة بجوهر المعتقد الديني سنتفهم أنه أوحي بها للأنبياء بما يتناسب مع الأفكار والمفاهيم والمبادئ التي كانت سائدة في الزمن الذي ولدت فيه الديانات، وأنه من غير المنطقي، ومن هنا من غير الضروري، أن تسود هذه الأفكار والمفاهيم والمبادئ في جميع العصور. ومن المنطقي أيضا أن نقول إن الأنبياء ما كان باستطاعتهم أن يستعملوا لغة وأفكارا لا يفهمها المتلقي لأن ذلك يتعارض مع أهدافهم، وأن الأفكار وأساليب الإقناع القديمة لا يمكن أن تتفق مع أساليب وطرق التفكير الحديثة و لغة العالم المتطور. وأعتقد أنه مع التغيير يكون تقدم البشرية أسرع ونفسية المتدينين ومزاجهم العقلي والعاطفي أهدأ وأكثر صفاء وسيكونون أكثر تصالحا مع أنفسهم.
 
من الواضح أن صعوبات وصدمات نفسية كثيرة تنشا عندما يصطدم التقدم العلمي، والحقائق المادية المبنية عليه، على سبيل المثال، مع ما نجده في الكتب الدينية. وأُعطي هنا مثلا واحدا فقط لإثبات ما أقول. في قصة الخليقة، كما كتبها موسى في العهد القديم، نجد أن الله خلق الكون في ستة أيام، وأنه لم يخلق الشمس إلا في اليوم الرابع، ولكن موسى أصر أنه بعد انقضاء كل يوم كان هناك "صباح وكان مساء." يمكن لتلميذ مدرسة أن يتساءل من أين جاء الصباح إذا لم يكن الله قد خلق الشمس بعد؟ 
 
من الطبيعي أن ما قيل للناس قبل آلاف السنين، وكيف قيل، وطرق الإقناع، كان مختلفا بشكل كبير عما يمكن أن يقال في العصور التالية، فكل عصر له مفاهيمه التي ترتبط بتقدم الناس من الناحية العلمية والثقافية، ومن هذه العصور، على وجه الخصوص، العصر الحاضر، بسبب التغير الهائل الذي حصل ويستمر في الحصول الآن في حياة وتفكير البشر وثقافتهم. وليس هناك عاقل يتوقع ظهور ديانات جديدة غير الديانات التي يعرفها البشر الآن، لأن التقدم العلمي والتكنولوجي يخلو من مساحة للروحانيات، ولكن الروحانيات التي تزخر بها الأديان السابقة، كالعبادة والصلاة والتأمل، ضرورية لجزء كبير من البشرية، وتجريد البشرية منها يحدث ضررا كبيرا في مجتمعات عديدة وخاصة في العالم الثالث الحديث العهد بالتطور العلمي، النظري والعملي.
 
إن الحيرة التي يقع فيها المرء الآن إزاء أفكار مرتبطة بالدين، تنمو باضطراد، وتتسع الفجوة بين ما يراه المرء السوي الآن وما تُعلمه الكتب الدينية، وهي فجوة ليس بالضرورة أبدا أن تكون متناقضة مع جوهر الدين، فليس هناك إنسان سوي لا يعتبر أن القتل، والكذب، والغش، والسرقة، والخيانة الزوجية يناقض جوهر الدين. وهنا يأتي دور رجال الدين والعلماء الذين فسروا التعليمات الدينية غبر العصور ولم تعد تفسيراتهم مقنعة مع تغيّر الأزمنة. 
 
الذين ينشغلون الآن بانتقاد بعض تطبيقات النصوص الدينية، وهم كثر، يجب أن يعرفوا أن كثيرا مما ينتقدون كان منطقيا وضروريا في وقت من الأوقات. على هؤلاء أن يعترفوا بذلك، ويتفهموا ما حصل، ثم ينادوا بالتغيير الذي لا يتناقض مع جوهر الدين. يجب أن يراعي هؤلاء حقيقة أن 99 بالمائة من المتدينين، وخاصة المسلمين، سيلحق بهم اشد الأذى، نفسيا ومعنويا، إذا أهمل الدين أو إذا لم تفسر التغييرات بطريقة مقبولة. الإسلام جزء من الحضارة الإنسانية ولا يمكن، ولا يُنصح المسلمون في هذا العصر، بأن يتركوا أهم إنجازاتهم جانبا. لقد مرت أوروبا بنفس تجربة الشعوب الإسلامية قبل قرون، وبدل أن تترك الدين تبنت الشعوب هناك العلمانية في الدولة والمجتمع. الخطأ الكارثي هو المعارضة المطلقة للعقيدة أو الإيمان.
 
لقد أمضي علماء الإسلام أربعة عشر قرنا وهم يجابهون، بالكلمة والمبدأ، منتقدي الإسلام، وأجروا تفسيرات كثيرة وواسعة وكان البحث في العلوم الدينية والتفسير أهم ما قام به المفكرون العرب والمسلمون في تاريخهم. لا شك أن بعض القادة العسكريين المسلمين، وبعض الخلفاء، وغيرهم ارتكبوا مخالفات و بشاعات باسم الإسلام. لكن مخالفات وبشاعات كهذه لم تكن مقصورة على المسلمين، فكلنا يعرف ما ارتكبت محاكم التفتيش في إسبانيا وأوروبا بشكل عام، من القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر، من جرائم وقمع باسم الدين ضد من اتهموا بما سمي بالهرطقة، وكلنا يذكر كيف عذبت الكنيسة غاليليو لأنه قال أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، وأجبر على أن يتظاهر بأنه مخطئ، ولم تعترف الكنيسة بهذه الحقيقة إلا بعد 300 عام. 
 
لقد تطور موقف الكنيسة في القرن العشرين، واختلف كليا بعد تصريحات البابا فرانسيس "الثورية." فعلى سبيل المثال، يقول البابا فرنسيس أن نظرية الانفجار العظيم، وهو الحدث الذي حصل لحظة خلق الكون، كما يعتقد العلماء، نظرية صحيحة وأن الله "ليس بساحر وبيده عصى سحرية." لقد وضع البابا حدا "لنظريات الكنيسة" المتعلقة بما يسمى قصة الخليقة و"التخطيط الذكي،" وأيد البابا نظرية دارون حول النشوء والارتقاء والبقاء للأصلح. وقال: لم تعد الكنيسة تعتقد "بجهنم أزلية" لأن "حب الله للإنسان ليس له حدود،" وقال أن قصة آدم وحواء قصة خيالية وجهنم تشبيه يقصد به "العزل المؤقت للروح،" مضيفا أن كل الأرواح "ستتحدْ في النهاية في حب مع الله." 
 
أن اجترار الماضي لا يفيد، وعلى البشرية، ومن ضمنها المسلمون، أن يعتبروا أن بعض ما حصل في القرون الغابرة كان شرا لا بد منه في تلك الأزمنة. لقد نسيت شعوب العالم هذه البشاعات ولكن العالم الإسلامي لم ينسها وانشغل بتبرير كثير منها، واعتباره جزأ من الإسلام، ومن ضمنه ما يحصل الآن في الشرق العربي والعالم. والمشكلة الجديدة في العالم الإسلامي هي أن عدد المنتقدين لبعض الممارسات في التاريخ الإسلامي بازدياد، وساعد في ذلك ثورة المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي. هذه الانتقادات تُُحدث تأثيرات مختلفة عند الناس، فبينما يتفهمها الكثيرون معتبرين مثل هذه الأمور طبيعية في التاريخ، وأنها حصلت عند كل الأمم، يعتبرها آخرون أكاذيب ينشرها أعداء الإسلام، وتتخذ الغالبية في العالم الإسلامي تجاه هذه الانتقادات باستمرار مواقف دفاعية ويعتبرون كل من يكررها عدوا، مع أن هذه الأمور مذكورة في أمهات كتب التراث الإسلامي، واطلع عليها الكثيرون وخلقت في النهاية عدم الاستقرار الثقافي في العالم الإسلامي. وستكون العاقبة وخيمة إذا لم يستطع علماء المسلمين الكبار معالجة هذه الأمور. 
 
ولكن التغيير مطلوب، وقد تجرأ الكثيرون على المطالبة بالتغيير ففسروا كثيرا مما كان يحصل في بدايات الإسلام بطريقة مختلفة. ففي عام 2008، قبل أحداث الربيع العربي، ألف الشيخ يوسف القرضاوي كتابا عنوانه "فقه الجهاد: دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنة." إن رأي القرضاوي في هذه المسألة وتأييده من قبل أسلامي رفيع مثل راشد الغنوشى أمر في غاية الأهمية. لقد راجع الغنوشى الكتاب مراجعة مستفيضة، وبدا معجبا به. يقول الغنوشى: "يعتبر المؤلف أن الجهاد ضد الظلم والفساد في الداخل مقدّم على جهاد الكفر والعدوان الخارجي، إلا أنه يؤكد أن المواجهة السلمية هي الأصل في الوقوف في وجه الظالمين، مستفيدين مما طور الآخرون من صيغ معقولة في مواجهة سلاطين الجور، ويقصد بتلك الصيغ، الأنظمة الديمقراطية مثل البرلمانات المنتخبة والأحزاب والفصل بين السلطات."
 
ويقول القرضاوي: انه في ظل الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان ومنها حقه في حرية الاعتقاد والدعوة إليه وإقامة مؤسساته وحماية الأقليات ينتفي مسوغ أساسي من مسوغات جهاد الطلب، أي الغزو من أجل الدعوة إلى الإسلام وما كان يهدف إليه من إزاحة عقبة الأنظمة الطاغوتية التي كانت تمنع الشعوب من أن تفكر أو تؤمن.
Reply, Reply All or Forward | More
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات