Tuesday 26th of May 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    21-May-2020

الشاعر والناقد نضال القاسم: الراهن العربي يفرض التفكير بسياق جديد للتنوير

 الدستور-نضال برقان

 
دردشة ثقافية ذات طابع نقدي للراهن والمعيش، نطل من خلالها على عوالم مبدعينا الأردنيين والعرب، ونتأمل جانبًا من رؤاهم الخاصة لكثير من المفردات، الصغيرة منها والكبيرة، ونتجول في مشاغلهم الإبداعية، ونتعرف من خلالها إلى أبرز شجونهم وشؤونهم..
 
في هذه الدردشة نستضيف الشاعر والناقد نضال القاسم*
 
* أبدأ من «كورونا»، ذلك الفايروس الذي راح يعصف بالعالم، بالناس، بالنظم السياسية والفكرية السائدة، بالكثير من العادات والتقاليد، ترى ما هي أبرز الأسئلة التي أثارتها في وجدانك تداعيات «كورونا»؟
 
هي مرحلة استثنائية جديدة في تاريخ البشرية نشهدها بكل تفاصيلها، هنا نتحدث عن التناقض الذي يغلف الحالة برمتها، وربما كان علينا أن نتأقلم مع المناخات الجديدة التي نجد أنفسنا مقذوفين في أحضانها، فقد يكون من الأفضل محاولة التأقلم على خوض صراع ضد التأقلم. أما بالنسبة لي فقد أثارت تداعيات «كورونا» في وجداني أسئلة مختلفة، وأنا أتساءل بيني وبين نفسي هل طور لدينا هذا الفيروس المقيت حاسة جديدة لعلها تغير ملامح هذا العالم فيصير أكثر إنسانية وسلاماً، وهل ينبغي علينا بعد هذه الجائحة فعلاً أن نعيد اتجاه البوصلة، ونبحث عن كيف سنظل ونكون، لنكون في الغد ما يفترض أن نكونه بعد هذه الجائحة، حيث يبدو أننا أخطأنا الوجهة، فنحنُ نسير حيث يفترض ألا نسير، فقد ضعنا في الدروب وضيعنا دفء اللحظات.
 
من هنا نجد أن الأزمة الحالية رسخت بعض المبادئ والقناعات الموجودة في ذهن بعض الكتاب والمثقفين وغيرّت البعض الآخر وإن كانت تبلورات هذه التغييرات تختلف من شخص إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى.
 
عسانا نعتبر فنغير الآتي، عسى أن لا نرتدي الأقنعة فعلاً وننسى نزعها فيما بعد، وجعل الله القادم من الأيام والأعوام ممهداً لرحلة سلام واطمئنان وهدأة بال.
 
* تحديات جمّة تواجهها المجتمعات العربية، على الصعد كافة، ترى هل على المثقف أن يقوم بدور ما حيال مجتمعه؟ وما طبيعة الدور الذي يمكن أن يقوم به في ظل النظم السياسية القائمة؟
 
- أنا اتفق معك بأن المجتمعات العربية تواجه تحديات جمّة على كافة الصعد، وإن ما يجري على الساحة الثقافية متصل أشد الاتصال بما يجري على الساحة السياسية، وعندما تتدهور الأحوال السياسية، لابد من أن تتدهور معها الأحوال الثقافية والفكرية والفنية. الضغط على المثقفين وتقييد حرياتهم وكتم أنفاسهم وتهديدهم في حياتهم الشخصية، ومحاسبتهم على كلمتهم بالرصاص أو الاغتيال كما جرى في أكثر من بلد عربي، وهي ظاهرة خطيرة، أدت بالمحصلة إلى نتيجة واحدة هي ما نراه الآن من تدهور الشخصية الثقافية وتشتتها وعدم تأثير المثقف العربي على الرأي العام، على حركة الحياة، وحركة السياسة، وحركة الحضارة في الوطن. وهذا هو الواقع. والحل طبعاً أن تنهض الثقافة العربية وتسترد عافيتها، وأن يقوم المثقف العربي بدوره الطليعي، فهو نور المجتمع ونبراسه، والمثقفون هم الدروع الحقيقية المدافعة عن المعرفة، وحين يتخلون عنها أو يقومون هم أنفسهم بابتذالها فإن النتيجة الحتمية حالة اليأس والإحباط وفقدان الأمل في أي مستقبل منظور لمجتمع بأسره.
 
* لم يزل سؤال التنوير واحدًا من أهم أسئلة الثقافة العربية، منذ أزيد من قرن، ترى هل استطاع المثقف العربي تقديم إجابة، أو شبة إجابة حتى، على ذلك السؤال؟
 
- إن تحرير العقل من الخوف والتخلف والإملاء الخارجي، هو الأساس الفكري والمقصد الأخلاقي لكل مشاريع التنوير، وقد حفل تاريخ الفكر العربي بعشرات الأسماء الجليلة التي استطاعت أن تحتفظ للعقل العربي بما أنجزه وبما أضافه، وقد ارتبطت النشاطات الأولى لجيل التنوير بالتعليم والتحريض على القراءة، وهذا ملمحٌ ملازم لكل حركة تنوير نخبويّة ذات واجب اجتماعي؛ ومنذ بدايات عصر النهضة في نهايات القرن التاسع عشر وحتى اللحظة الراهنة والمثقف العربي يحاول أن يجيب على ذلك السؤال الكبير، وأن يقدم الحلول الناجعة للخروج من هذا النفق المظلم، لكنَّ جهوداً كبيرة قد بُذلت من الأنظمة الحاكمة للقضاء على الفكر التنويري بوسائل متعددة وأشكالٍ مختلفةٍ، ولم تعط الفرصة للمدرسة الوطنية والفعل السياسي المجتمعي، والمثقفين العرب لصياغة مشروعهم التنويري لإنقاذ الأمة العربية والحفاظ على كينونتها ومقوماتها الذاتية.
 
في هذا المناخ، وفي ضوء ما تعانيه أمتنا من صراعات وأزمات، فالمفترض أن نفكر بسياق جديد للتنوير يمكن أن تقوم به الدولة الوطنية، بحيث تكون هي الحاضنة الأساسية لأي تنوير حقيقي، في مؤسساتها المدرسية والإعلامية والثقافية، أما جهود المثقفين والمفكرين فغالبًا ما تكمل نظريًا، جهود الدولة، إذا رغبت الدولة حقاً أن يتخلّق في رحمها تنوير جديد ويتجذّر اجتماعيًا وسياسيًا في مناخ كهذا، فلا تنوير بلا مشروع تنويري.
 
* في الوقت الذي نتأمل فيه بعض مرايا الثقافة العربية، ترى هل هي ثقافة حرّة؟ أم هل ثمّة هيمنة، أو أكثر، تمارس على هذه الثقافة؟ وإذا وجدت تلك الهيمنة، فما الذي تسعى لتحقيقه، أو ترسيخه ربما؟
 
- الثقافة مرتبطة كل الارتباط بالسياسة، والتأثير بينهما متبادل بصورة قوية، وليس هناك من مجال لمعاكستها، والآن في عصر التدهور الذي نعيشه يظهر من يقول أن السياسة شيء والثقافة شيء، وأن الأدب شيء والفن شيء والعمل السياسي شيء آخر، فالتدهور في تصوري شامل، والعجز الذي تعانيه السياسة العربية يترك أثره على الثقافة العربية، والعكس صحيح أيضاً، الأمة العربية كلها في حالة تدهور، وفي ظني أن هذه الأمة بحاجة إلى رؤيا جديدة تمكنها من تغيير هذه الأوضاع السائدة، ولتحقيق ذلك فنحن بحاجة لتحويل هذا الفعل من إطار السلب إلى ساحة الإيجاب، فمن مصلحة البشرية قيام حوار الحضارات ورفض الصدام لأنه يدفع العالم نحو الانتحار، ولابد من إعطاء الأجيال العربية الجديدة الفرصة لبلورة الكيان الثقافي العربي عبر اللقاء المفتوح مع الآخر بقلوب صافية وعقول أكثر انفتاحاً، والتعامل معه، على أسس الهوية والخصوصية وأن كل حضارة لها سماتها وتقاليدها وعاداتها مع فنونها وثقافتها، ولا توجد أنماط حضارة واحدة، هي الأصح ويمكن فرضها على العالم كله، حيث أن الطبيعة الإنسانية تقوم على التنوع وخصوصية كل شعب، ولابد من تقوية هذا التعدد الثقافي وقبول قيمه في إطار التعدد الحضاري الإنساني، ومن هذا المنطلق تصبح الدعوة إلى قيام حوار حضاري بين الشعوب شأناً ضرورياً من منطلق ضرورة تحقيق سلم عالمي ذي طابع ثقافي شامل يسمو فوق النزاعات وأهداف السيطرة، وليس العمل للقضاء عليه بصورة مشوهة تركز على قضايا هامشية للغاية مع تحريض على العادات والتقاليد العربية ووصفها بالتخلف.
 
إن الاندماج داخل المجتمع الانساني لا يعني الغاء الهوية أو الثقافة الوطنية وإنما يمكن للشعوب والثقافات المختلفة الاحتفاظ بكافة تقاليدها مع البقاء في الوقت ذاته على الالتزام بالقيم الانسانية المشتركة واحترام كل حضارة للأخرى، وكسر العزلة الثقافية المسؤولة عن المعلومات الخاطئة التي تسهم في تشويه صورتنا الثقافية، وينبغي علينا اليوم أن ندرك مدى قدرة الثقافة في تحريك الفعل البشري في اتجاه الهدف الصحيح، وهذا الحافز الثقافي يحرك طاقة الإبداع وينشر لواء الصحة الحضارية، ويقضي على النزعات الإقليمية التي يريد أن يوصل إليها ذوو المصالح الذاتية، والمصالح المرتبطة بالقوة الخفية المعادية للأمة العربية.
 
* ثمّة تسارع كبير يشهده العالم، في كل لحظة ربما، على صعيد تكنولوجيا المعلومات، ترى هل أثّر ذلك على طقوسك الإبداعية في القراءة والكتابة؟
 
- تتجلى في العالم اليوم نتائج الانعطاف الهائل والسريع في مسارات التطور على صعيد تكنولوجيا المعلومات، وكذلك تطور حركة وسائل الاتصالات وتقنيات انتقال وتبادل المعلومات عن طريق الفضاء الخارجي بسرعة الضوء الخارقة، وكل هذا التطور شكل عنصر التميز في سمة العصر الراهن الذي يختلف في معطياته عن العصور السابقة كونه ينتمي إلى مرحلة ظهور مقدمات حضارة العلم والتكنولوجيا التي نعيش في كنفها حالياً، وهي حضارة عامة وشاملة لا تتحدد في أمة أو منطقة معينة، وإنما هي نتاج الجهد الإنساني المشترك والذي تساهم فيه كافة الأمم والشعوب انطلاقاً من الامكانات المادية والمعنوية المتوفرة لديها، وهي مرحلة تتطلب انقلاباً في عملية استخدام الوسائل العملية الحديثة بدلاً من الوسائل التقليدية التي لا تتجاوب مع ظاهرة السرعة في ملاحقة التطورات العلمية.
 
وفي هذا السياق، لا شك أن التسارع التكنولوجي وانتشار وسائل الاتصال قد أثرَّ بشكل كبير على طقوسي الإبداعية في القراءة والكتابة، وأتاح لي فرصة الحصول على المعلومة التي أريدها في ثوانٍ، كما أتاح لي إمكانية التواصل السريع مع الأصدقاء والناشرين والصحف والدوريات الأدبية، فكل شيء مرتب بحيث تحدث الأمور بهذه الطريقة بكل بساطة، والواقع أنني أؤمن بضرورة ترك الأمر للوقت للتأقلم، فمنذ سنوات شعرت بالهشاشة، ولطالما عانيت من إمكانية التعايش مع هذا التسارع التكنولوجي كما يعاني أخرون من دوار البحر، وشيئاً فشيئاً بدأت أنسجم مع هذا الواقع الجديد، وبدأت تتشكل عندي ملامح لطقوس جديدة في القراءة والكتابة على السواء، ورغم ذلك، فأمر حقيقي أنني لم أترك طقوسي القديمة بعامة التي اعتدت عليها لما يقرب من ثلاثين عاماً، وأنا أقرُّ وأعترف بأني ما زلت أعاني من الحنين إلى الماضي.
 
* ماذا عن انشغالاتك الراهنة؟ ماذا تقرأ؟ ماذا تكتب؟
 
- رغم الحجر ما زلت أتابع عملي في الوزارة في مجال التخطيط والتعاون الدولي عبر منصّة إلكترونيّة، وبالإضافة لانشغالاتي المهنية فإنني أقرأ بشكل يومي، قراءات متشعبة بعيدة عن التعصب والانغلاق؛ في الأدب والفلسفة والتاريخ، ونحو ذلك من الكتب، وأقوم بمراجعة بعض الأعمال والدراسات النقدية المنشورة سابقاً في الصحف والمجلات الثقافية لإصدارها في الفترة القادمة بإذن الله، وأستعد لصدور ديواني الشعري السابع والذي آمل أن يؤدي دوره وأن يكون جديراً بالحياة وبتحريك الناس وتحريضهم، وأرجو أن يمثل هذا العمل قفزة نوعية في الإنتاج الشعري العربي، فهو يحمل رسالة إنسانية بعيدة عن التعصب والانغلاق.
 
* نضال القاسم، شاعر وناقد أدبي، ولد في مدينة عمّان عام 1970، ويعتبر القاسم واحداً من شعراء القصيدة العربية الجديدة الذين أسهموا ورفدوا الساحة العربية بأعمال متميزة باحثة عن التجدد والأصالة، مؤكداً حضوره عبر عدد من المشاركات في الأمسيات والمهرجانات الثقافية العربية، وقد نشر منذ العام 2003 أكثر من خمسة عشر كتاباً في الشعر والنقد، إضافة إلى مقالاته ودراساته وحواراته التي ينشرها في العديد من الدوريات المحلية والعربية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات