Monday 1st of June 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    16-May-2020

حين يلجأ الروائي إلى توضيح روايته

 الدستور-د. محمد عبدالله القواسمة

يلجأ بعض الروائيين إلى تقديم رواياتهم بتوضيحات، يشرحون فيها أحداثها، ويكشفون عن كيفية بناء عالمهم الروائي، وعما يريدون التعبير عنه. ولا يتورعون، في بعض الأحيان، عن توجيه المتلقي، سواء أكان قارئًاعاديًا أم متخصصًا أم ناقدًا إلى بيان المنهج، أو الطريقة التي يحسن أن يتبعها في قراءة عملهم والتعامل معه، وقد يرشدونه إلى الجوانب التي عليه أن ينتبه إليها، ويحذرونه إن خالفهم بأن في ذلك إساءة إلى العمل وصاحبه. وأحيانًايُقدّم الروائي في توضيحه الاعتذار إذا ما صادفت أحداث روايته التطابق مع أحداث وقعت مع الآخرين، أو إن جاءت بعض أسماء الشخصيات متطابقة مع أسماء على أرض الواقع. ويذهب بعض الروائيين إلى إصدار الحكم بتميز روايته، وأنها فتح جديد في عالم الرواية، وأنها تشق طريقًا لم يسر فيه الروائيون الأقدمون، ولن يستطيع أن يأتي بمثلها المحدثون.
 
لكن لماذا يلجأ الروائيون إلى وضع مثل هذه العتبات النصية أو النصوص بموازاة نصوصهم الروائية؟ ربما، يأتي في مقدمة الأسباب لهذا اللجوء، الخوف من المساءلة القانونية عما في روايته من أحداث وشخصيات حقيقية؛ فهو يبرئ نفسه في توضيحاته، بأنه يكتب رواية من عالم الخيال، وأن أي تطابق بينها وبين الواقع إنما يأتي دون قصد. ثم لا ننسى أن بعض الروائيين يريد أن يمارس سطوته على المتلقي، ويشعره بأنه في منزلة أعلى منه، فعليه أن يقرأ ويسلم بما جاء به، وربما كان من أسباب ذلك أيضًا إحساس الروائي بضعف عمله، فيداري ذلك من خلال التباهي به وامتداحه. وربما يعود أيضًا إلى رغبة الروائي في توجيه المتلقي إلى الزاوية التي يجب أن ينظر منها إلى روايته، ويقرأها على ضوئها، والخروج في النهاية بحكم قريب من رؤيته.
 
لعلّ خطورة لجوء الروائي إلى هذه التوضيحات المباشرة، أو التي تجيء في صورة تلميحاتيلحق الضرر بالمتلقي، وبالنص الروائي، وبالروائي نفسه؛ فالمتلقي قد بقرأ العمل على ضوء توضيحات الروائي وتوجيهاته، فيكون قد سُلب الحرية في قراءة العمل، والتمتع به، وقد تترك هذه التوضيحات المتلقي أمام خيارين: إما أن يمتدح الرواية كما رأى الروائي وبذلك يكسب رضاه، وينال ثوابه. وإما أن يخالفه، وفي هذا إغضاب للروائي وجماعته. وفي أفضل الحالات قد يرىالمتلقي بان الحل السليم هو أن ينأى عن الحكم النقدي، أو يعزف عن الكتابة عن العمل نهائيًا، والاكتفاء بما قاله صاحبه عنه.
 
على ضوء هذا كله نلاحظ ندرة النقد الجيد، وعزوف القراء عن الاهتمام بالنقد والنقاد؛ فقد ترسخ في أذهانهم بأن السائد في النقد هو المدح، وغياب الحكم النقدي السديد، وسريان المجاملة، فيما يسمى النقد الانطباعي.
 
إننا نرى أن التوضيحات التي يكتبها الروائي في الصفحات الأولى لروايته من العتبات النصية التي لا ضرورة لوجودها؛ فهي تظهر اهتمام الروائي بما يدور حوله، وبموقف الناس من روايته، أكثر من اهتمامه بتجويد فنه. وهذا لا يثري الرواية، ولا يفيد النقد، بل يضلل الناقد، ويبعده عن استكناه عوالم الرواية، والحكم عليها بوعي وموضوعية؛ لهذا لا يحسن به أن ينطلق منها لفهم الرواية ونقدها.
 
لعل من الصواب ترك الرواية تتكلم على ذاتها دون تدخل الروائي بتقديم شروحات، أو إرشادات، أو تلميحات عن عمله؛ فمهمة الروائي هي إبداع عالم تخييلي، أما شرح روايته، وتفسيرها، والحكم عليها، وكيفية قراءتها فيجب أن يترك للمتلقي وبخاصة للناقد؛ فهو الوحيد الذي له الحرية في التعامل مع العمل سلبًا أو إيجابًا، قبولًا أو رفضًا.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات