Sunday 9th of August 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Dec-2019

الحرب لم تنته: ما الذي يفهمه المتفائلون خطأ عن الصراع (2)

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 
تانيشا م. فازال؛ وبول بوست* – (فورين أفيرز) تشرين الثاني (نوفمبر)/ كانون الأول (ديسمبر) 2019
في الجزء السابق
في جوهرها، تستند فكرة أن الحرب في تراجع نهائي إلى رؤيتين. أولاً، ثمة عدد أقل بكثير من الناس الذين يموتون في المعركة في أيامنا هذه مقارنة بالماضي، سواء من حيث القيمة المطلقة أو كنسبة مئوية من سكان العالم. وقد أشار خبراء في معهد أبحاث السلام في أوسلو إلى ذلك في العام 2005، لكن بينكر هو الذي قدم هذه الفكرة إلى جمهور أوسع في كتابه للعام 2011. وباستعراض قرون من الإحصاءات حول الوفيات الناجمة عن الحرب، قال إن الأمر لا يقتصر على أن الحرب بين الدول في تراجع فحسب؛ فكذلك تفعل الحروب الأهلية والإبادة الجماعية والإرهاب أيضاً. ويعزو هذا الهبوط إلى صعود الديمقراطية، والتجارة، واعتقاد عام بأن الحرب تصبح غير شرعية ولا منطقية.
(…) اليوم، يقوم الظل الطويل للأسلحة النووية ظاهرياً بالحيلولة دون تكرار هذا السيناريو. ولدى الإنسانية مخزونات هائلة من الرؤوس الحربية النووية التي يمكن أن تقضي على المليارات من الأرواح، وهذه الحقيقة المرعبة، كما يقول الكثيرون، منعت اشتباكات القوى العظمى من التحول إلى حروب شاملة. لكن فكرة أن التكنولوجيا العسكرية قد غيرت ديناميات الصراع إلى حد جعل الحرب لا يمكن تصورها ليست جديدة. في كتابه الصادر في العام 1899 “هل الحرب الآن مستحيلة؟” Is War Now Impossible?، افترض الممول ومنظر الحرب البولندي يان غوتليب بلوخ Jan Gotlib Bloch أن “الفتك القاتل المحسّن للأسلحة” يعني أنه “قبل مرور طويل وقت سترون أنهم لن يقاتلوا أبدًا”. وفي العام 1938، قبل عام من غزو هتلر لبولندا، وقبل أعوام عدة من اعتبار التكنولوجيا النووية ممكنة، حذر داعية السلام الأميركي لولا مافريك لويد Lola Maverick Lloyd من أن “المعجزات الجديدة للعلوم والتكنولوجيا تمكننا أخيراً من أن نجلب عالمنا إلى مقدار ما من الوحدة؛ وإذا لم يستخدمها جيلنا في بناء هذا العالم، فسوف يساء استخدامها لتدميره مع كل حضارته الماضية التي بناها ببطء في حرب جديدة رهيبة”.
* * *
قد يكون الأمر أن الأسلحة النووية تنطوي حقاًعلى إمكانات ردع أكثر من الابتكارات العسكرية السابقة -ومع ذلك، أدخلت هذه الأسلحة طرقاً جديدة يمكن أن تتجه بها الدول إلى صراع كارثي. وعلى سبيل المثال، تحتفظ الولايات المتحدة بصواريخها في حالة “الإطلاق لدى الإنذار”، وهذا يعني أنها ستطلق صواريخها لدى تلقي أي خبر يفيد بأن ثمة هجوماً نووياً للعدو قيد التنفيذ. ومن المؤكد أن هذا النهج أكثر أماناً من سياسة الاستباق (حيث يكون مجرد الاعتقاد بأن هناك ضربة وشيكة الحدوث من الخصم كافياً لتوجيه ضربة أميركية). ولكن، من خلال إبقاء الأسلحة النووية جاهزة للاستخدام في أي لحظة، تظل السياسة الحالية تخلق إمكانية حدوث عملية إطلاق عرضي، ربما بسبب خطأ بشري أو عطل فني.
الحروب الصغيرة-العظمى
بشكل عام، لا يشير التاريخ الحديث إلى تراجع الحرب عموماً. ولكن ماذا عن الحرب بين القوى العظمى؟ أشار المؤرخ جون لويس غاديس John Lewis Gaddis إلى حقبة ما بعد العام 1945 باسم حقبة “السلام الطويل”. وقد تجنبت القوى العظمى تكراراً لمذبحة الحربين العالميتين بسبب ردع الأسلحة النووية ولأنها عالقة في شبكة عالمية من المؤسسات الدولية. وعندما حصل الاتحاد الأوروبي على جائزة نوبل للسلام في العام 2012، كان ذلك -في جزء منه- نتيجة لهذا الإنجاز الرائع.
في الواقع، لم يشهد العالم حرباً عالمية ثالثة. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن عصر السلام بين القوى العظمى موجود حقاً. وفي الحقيقة، تشكل الحربان العالميتان في القرن الماضي معياراً بائساً، لأنهما حملتا القليل من الشبه بمعظم حروب القوى العظمى التي سبقتهما. فقد استمرت الحرب الفرنسية النمساوية في العام 1859 لمدة تقل عن ثلاثة أشهر؛ وكانت الحرب النمساوية البروسية في العام 1866 أطول بقليل من شهر واحد. وأسفرت كل منهما عن أقل من 50.000 حالة وفاة. وحتى الحرب الفرنسية البروسية 1870-1871، التي مهدت الطريق لنشوء إمبراطورية ألمانية موحدة، استمرت ستة أشهر فقط وأسفرت عن مقتل حوالي 200.000 قتيل. وكانت الحربان العالميتان بحجمين مختلفين بشكل كبير عن تلك الصراعات. كان عمر الحرب العالمية الأولى أكثر من أربعة أعوام ونجم عنها نحو تسعة ملايين قتيل. واستمرت الحرب العالمية الثانية ستة أعوام وأدت إلى مصرع أكثر من 16 مليون قتيل.
بعبارات أخرى، شوهت الحربان العالميتان الأولى والثانية بشدة إحساسنا بماهية الحرب. ويميل الباحثون وواضعو السياسات إلى اعتبار هذه الصراعات بالتحديد رمزاً للحرب. لكنها ليست كذلك. فمعظم الحروب تكون قصيرة نسبياً، وتستغرق أقل من ستة أشهر. وهي تميل إلى أن تسفر عن مصرع 50 شخصاً أو أقل في المعارك يومياً -وهو رقم ضئيل مقارنة بالأرقام التي تم إنتاجها خلال الحرب العالمية الأولى (أكثر من 5.000 قتيل يومياً) والحرب العالمية الثانية (أكثر من 7.000 قتيل يومياً). وفي الواقع، إذا استثنى المرء هذين المعيارين اللذين يقترحان قيماً متطرفة، فإن معدلات الوفيات في المعارك من منتصف القرن التاسع عشر حتى العام 1914 تتسق مع معدلات وفيات الحروب في العقود التي تلت منذ العام 1945.
كان هناك، في الواقع، عدد من حروب القوى العظمى منذ العام 1945. ولكن، نادراً ما يتم الاعتراف بأنها كانت كذلك لأنها لم تشبه الحربين العالميتين. وهي تشمل الحرب الكورية، التي واجهت فيها الولايات المتحدة قوات من الصين والاتحاد السوفياتي؛ وحرب فيتنام، التي وضعت الولايات المتحدة أيضاً في مواجهة القوات الصينية. وفي كلتا الحالتين، قاتلت القوى الكبرى بعضها البعض بشكل مباشر.
وسوف تصبح قائمة صراعات القوى العظمى الأخيرة أطول بكثير إذا تضمنت حالات الحرب بالوكالة. فمن الدعم الأميركي للمجاهدين الذين قاتلوا القوات السوفياتية في أفغانستان خلال الحرب الباردة، إلى الخصومات بين القوى الأجنبية التي تتكشف في سورية وأوكرانيا، تقاتل القوى الكبرى بعضها البعض بانتظام باستخدام الجهد العسكري للآخرين. وليست الاستعانة بمصادر خارجية من القوى المقاتلة من هذا النوع اختراعاً حديثاً، وهي في الواقع سمة طبيعية نسبياً من سمات حرب القوى العظمى. ولك أن تنظر في مسيرة نابليون إلى روسيا في العام 1812. ويشتهر ذلك الغزو بالاستنزاف الذي عانى منه “الجيش العظيم” بينما كان يندفع شرقاً. لكن الأمر غير المعروف كثيراً هو أنه على الرغم من حجمها الهائل، المكون من أكثر من 400.000 رجل، فإن هذه القوة لم تكن فرنسية إلى حد كبير. وقد شكل المقاتلون الأجانب، سواء كانوا من المرتزقة أو المجندين من المناطق المحتلة، الغالبية العظمى من القوات التي انطلقت لغزو روسيا. (سرعان ما سئم الكثير منهم من السير في حرارة الصيف وتخلوا عن التحالف، مما قلص قوات نابليون بأكثر من النصف قبل أن يكون قد قطع ربع الطريق في الحملة). ومع ذلك، فإن اعتماده على القوات الأجنبية سمح لنابليون بوضع عبء القتال على غير الفرنسيين، ويقال إنه أبلغ رجل الدولة النمساوي، كليمنس فون مترنيخ، بأن “الفرنسيين لا يستطيعون أن يشتكوا مني؛ فحتى أحافظ عليهم، ضحيت بالألمان والبولنديين”.
إذا وصفناها ببساطة، فإن معظم الصراعات العنيفة، حتى بين القوى العظمى، لا تبدو مثل الحرب العالمية الأولى أو الثانية. ولا نقول هذا لنقلل بأي حال من الأحوال من أهمية هاتين الحربين. إن فهم كيفية حدوثهما يمكن أن تساعد في تجنب الحروب المستقبلية -أو الحد من حجمها على الأقل. لكن تقرير ما إذا كانت حروب القوى العظمى في حالة تراجع، يتطلب إدراكاً مفاهيمياً واضحاً لماهية مثل هذه الحرب: واحداً يعترف بأن الحرب العالمية الأولى والثانية لم يسبق لهما مثيل من حيث المدة والنطاق، لكنهما لم تكونا الحادثتين الأخيرتين من صراعات القوى العظمى –وإنما العكس من ذلك. إن سلوك الدول لم يتحسن بالضرورة. وفي الحقيقة، يغطي الانخفاض الواضح في أعداد قتلى الحرب على قدر كبير من السلوك العدواني.
لا ينبغي الاحتفال قبل الأوان
ليست فكرة أن الحرب تصبح على نحو متزايد شيئاً من الماضي خاطئة فحسب؛ إنها تمكِّن أيضاً نسخة ضارة من الانتصارية. إن التراجع المزعوم للحرب لا يعني أن فجر السلام يطلُع على البشرية. من المؤكد أن مواطني السلفادور وغواتيمالا وهندوراس وفنزويلا سيعترضون على فكرة أن دولهم تعيش بسلام، على الرغم من أن أياً من هذه الدول ليست في حالة حرب من الناحية الفنية. وكما جادل عالم الاجتماع يوهان غالتونغJohan Galtung ، فإن السلام الحقيقي، أو “السلام الإيجابي”، يجب أن يحتوي أيضاً على عناصر من المشاركة النشطة والتعاون بين الدول. وعلى الرغم من أن العولمة منذ نهاية الحرب الباردة ربطت المجتمعات المتباينة ببعضها البعض، فقد حدثت انتكاسات أيضاً. بعد انهيار جدار برلين، كان لدينا أقل من عشرة جدران حدودية في العالم. واليوم، يوجد أكثر من 70، من الحدود الأميركية-المكسيكية المحصنة، إلى الأسوار التي تفصل بين المجر وصربيا، إلى الجدران بين بوتسوانا وزيمبابوي.
وحتى عندما تأتي الحروب الجارية إلى نهاية حقاً، فإن علينا أن نتوخى الحذر. ولنفكِّر في الحروب الأهلية التي ينتهي الكثير منها الآن بمعاهدات سلام. بعضها، مثل اتفاق السلام الكولومبي للعام 2016، عبارة عن وثائق مفصلة وطموحة تصل إلى أكثر من 300 صفحة وتتجاوز عمليات نزع السلاح المعتادة إلى معالجة مسائل إصلاح الأراضي، وسياسة المخدرات، وحقوق المرأة. ومع ذلك، فإن الحروب الأهلية التي تنتهي باتفاقيات السلام تميل للعودة إلى الصراع المسلح في وقت أقرب من تلك التي تنتهي من دونها. وفي كثير من الأحيان، يكون ما ينظر إليه المجتمع الدولي على أنه نهاية منظمة للصراع مجرد وسيلة للأطراف المتحاربة لكي تعيد التخندق والتجمع قبل أن يندلع القتال من جديد.
وبالمثل، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الملائكة الأفضل في طبيعتنا تربح عندما تكون البشرية مسلحة حتى الأسنان. لقد أصبحت النفقات العسكرية العالمية اليوم أعلى مما كانت عليه في أواخر فترة الحرب الباردة، حتى لدى معادلتها بالتضخم. وبالنظر إلى أن الدول لم تضع أسلحتها، فيحتمل كثيراً أن لا تكون دول اليوم أكثر تحضراً ولا سلمية بطبيعتها، وإنما تلتزم ببساطة بالردع الفعال. وهذا الواقع يثير شبح وجود الأسلحة النووية: ربما يصمد الردع حقاً، لكن هناك احتمالاً حقيقياً لأن يفشل.
ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في الإحساس غير الصحيح بالتقدم، وإنما في الرضا عن الذات -وهو ما وصفته قاضية المحكمة العليا الأميركية روث بادر جينسبيرج Ruth Bader Ginsburg، في سياق مختلف، بأنه “إلقاؤك المظلة في عاصفة ممطرة فقط لأنك لا تتبلل”. وفي زمن الحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا في سورية وأوكرانيا، والتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، وصعود صين تزداد تأكيداً للذات، فإن التقليل من شأن نشوب الحرب في المستقبل قد يؤدي إلى أخطاء قاتلة. وتزيد التكنولوجيات الجديدة، مثل الطائرات من دون طيار والأسلحة السيبرانية، من هذا الخطر، حيث ليس ثمة إجماع حول كيفية استجابة الدول لاستخدامها.
وفوق كل ذلك، قد تؤدي الثقة المفرطة بشأن تراجع الحرب إلى أن تقلل الدول من تقدير مدى خطورة وسرعة تصاعد أي اشتباكات، مع عواقب وخيمة محتملة. ولن تكون هذه هي المرة الأولى: فقد شرعت القوى الأوروبية التي بدأت الحرب العالمية الأولى جميعاً في شن حروب وقائية محدودة، فقط لتصبح عالقة في حريق إقليمي هائل. وفي الواقع، وكما لاحظ المؤرخ أ. تايلور A. J. P. Taylor، فإن “كل حرب بين القوى العظمى… بدأت كحرب وقائية، وليس كحرب من أجل الغزو والاحتلال”.
قد يدفع الإحساس الزائف بالأمن قادة اليوم إلى تكرار هذه الأخطاء. ويصبح هذا الخطر أكثر حضوراً باطراد في عصر الزعماء الشعبويين الذين يتجاهلون مشورة الخبراء من الدبلوماسيين ومجتمعات الاستخبارات والباحثين ويفضلون المقابلات التلفزيونية. وليس نزع أحشاء وزارة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب وموقف ترامب المتجاهل لمجتمع الاستخبارات الأميركي سوى مثالين على اتجاه عالمي أكبر. ومن المرجح أن تكون العواقب طويلة المدى لمثل هذا السلوك عميقة. ولدى تكراره بما يكفي، قد يصبح الادعاء بأن الحرب في تراجع نبوءة هازمة للذات، حيث ينخرط القادة السياسيون في الخطابة الحربية، والرؤى العسكرية، وبناء الجدران التي تأتي بنتائج عكسية، بطرق تزيد من خطر نشوب الحرب.
*تانيشا فازال: أستاذة مشاركة للعلوم السياسية بجامعة مينيسوتا.
*بول بوست: أستاذ مشارك للعلوم السياسية بجامعة شيكاغو، وزميل غير مقيم في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: War Is Not Over: What the Optimists Get Wrong About Conflict
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات