Wednesday 27th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    12-Jan-2021

مئوية الدولة وسيرة مدينة

 الدستور-د. عماد الضمور/ جامعة البلقاء التطبيقية

نتفيأ في هذه الأيام ظلال المئوية الأولى للدولة الأردنية، هذه المئوية الشاهدة على مسيرة وطن شامخ بقيادته الهاشمية وثوابته القومية وإرادة شعبه القوية، إذ يحق لنا الوقوف على ملامح هذه المئوية وتجلياتها في الشعر الأردني، وهو شعر ولد من رحم الفعل السياسي، وبرؤى قوميّة عندما قام الملك المؤسس عبدالله بن الحسين ـ رحمه الله ـ بتأسيس إمارة شرقي الأردن عام 1921م؛ ليعلن انبثاق المدّ القومي للمشروع العربي المبارك.
 
لعلّ احتضان عمّان لهذا الحدث السياسي المهم جعل منها مدينة شاهدة على مسيرة وطنية مظفرة بالإنجاز، ومكانًا فاعلًا في مسيرة النهضة والبناء؛ الأمر الذي أنتج شعرًا مندمجًا بالحياة اليومية، ومليئًا بالتفصيلات المدهشة التي تكشف عن فضاء إبداعي خصب.
 
إنّ المكان العمانيّ يمتاز بنكهته الخاصة وشعريته المدهشة التي تركت أثرًا عميقًا في الألفاظ، والصور والتراكيب الشعريّة، وأسهمت في بناء متخيّل سردي يوازي المكان الواقعي، ويتفوق عليه أحيانًا بعمق الرؤى، وقوة التأثير.
 
ترتبط مدينة عمّان بالهاشميين ارتباطًا وثيقًا، فهم بناة عزتها، وراعو مسيرتها، إذ يسجل الشعر الأردني بفخر قرار جلالة الملك المؤسس رحمه الله بجعل عمّان عاصمة لإمارة شرقي الأردن، وما أحدثه من مسيرة نهضة مباركة، شملت جميع مناحي الحياة، لتصعد المدينة من جديد بلباسها القومي، ورؤى الانبعاث الهاشمي في الأمة، كما في قول إبراهيم المبيضين مبرزًا سيرة عمّان الحديثة وعلاقتها بالهاشميين(1):
 
والعاهلُ البناءُ جددَها/ حقاً وأحياها من العدمِ/ أغرتُه بالسُكنى مناظرها/ فأختارها داراً ولم يرَمِ/ فتدرجتْ بالسعي صاعدةً/ نحو العُلى والعزّ بالهممِ.
 
ويجعل محمد سمحان من هذا القرار السياسي نقطة تحوّل في تاريخ عمّان الحديث، يُضاف إلى إرثها الحضاري، وجغرافيتها الملهمة، تمارس فعل الإغراء، وتبعث في ساكنيه الاستقرار؛ ما جعل من حركة الاستقلال السياسي التي شهدتها إمارة شرقي الأردن فعل استشراف حالم، ونبض حبّ صادق، حيث يقول في قصيدته « اللامية الهاشمية» مسجلاً محطة مهمة من محطات الأردن الحديث(2):
 
فإذا الأمارة شعلة في ليـلنا../ تحيي القلوب.. وتنعشُ الآمـالا/ وإذا بعمّان الفتـية.. تزدهـي/ وتميس فـي حلل الإباء... دلالا/ وإذا الأميرُ الهاشمي.. بوعيه/ يُعلي الصـروحَ ويَلُـهمُ الأجيـالا/ حتى غدا رغدان.. قِبلةَ أمةٍ../ قـد وزوعـها.. يمنـةً وشـمالا.
 
ويشكلّ قصر رغدان العامر رمزًا لحضور الهاشميين الخالد، وإرثهم العظيم، فهو بيت الأردنيين، وموئل الأحرار، ومجلس الأدباء، شهد انطلاقة المدّ الحضاري لمدينة عمّان في العصر الحديث؛ ما أكسب المكان بُعدًا جماليًا واضحًا، وحالة نشوة دائمة التجدد، ترتبط بأفراح الأردنيين، وحبّهم لآل هاشم، ولا عجب فقد غرس قصر رغدان في الوجدان الشعري ما يمكن أن يبعثه المكان من رؤى إيجابية، وما يستدعيه من ذكريات النشأة، وأمل التحرير،والوحدة، كما في قول حسني فريز متغنياً بقصر رغدان(3):
 
في ضفافِ الأردن ألف عروس/ مـن خيالي وألفُ عرسِ مجـان/ قد تبرجت غبطة وسـرورا/ لانـبلاج الصـباح فـي عمّان/ وأراني يهزني الشـوق حبّاً/ لاجـتـلاء الأفراحِ فـي رغدان/ أنا شـادٍ في القـدس أرسل/ في الجو لنادي المليك حلو التهاني.
 
ويُعلي الملك عبد الله الأول ابن الحسين رحمه الله من مكانة عمّان؛ فهي حاضنة قصر رغدان، ومستقر الأحرار، مما جعلها تكتسب بُعدًا سياسيًا يُضاف إلى انعكاساتها الوجدانية في قلوب عاشقيها، حيث يقول(4):
 
أينَ الرصيفةُ مِنْ ذرَا رغدان؟/ كلّ الأحـبةِ في رُبـى عمّان/ فيها أخلاني ونُخـبةُ صُحْبَتي/ والمسْعفون على صروفِ زماني/ والشيخُ حَمْزة فوقَ كرسي له/ ما بَيْنَ مُنـجدهِ مـع البسـتان.
 
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى تغني مصطفى وهبي التل بقصر رغدان، وأهميته الروحية لمدينة عمّان، حيث يقول مبرزاً دور الهاشميين في بناء عمّان ونهضتها(5):
 
أليسَ لولا سنا رغدان ما انكشفتْ/ في ليلِ عمّان عن أضوائها سُرُجُ.
 
وهو في أبياته الأخرى التي أشار فيها إلى رغدان، « لم يكن يقصد منها شخص الأمير، بقدر ما كان يقصد منها رمزاً ممثلاً للحكومة في فترات اضطربت فيها الأوضاع السياسية في بلده، بل لقد كان الأمير نفسه، يفهم عنه هذا ويقبله منه ولم يكن ذلك ليقطع ما بينها من أواصر المودة والتقدير، ولا ليعكر من صفو صلاتهما الحقيقية» (6).
 
ولا ينسى الشعر تسجيل مشهد عودة الملك الحسين – رحمه الله- إلى عرينه عمّان، بعدما أنهى رحلته العلاجية الأولى، حيث خرج الأردنيون، ليستقبلوا قائدهم في مشهد شكلّت فيه عمّان بؤرة إشعاع وطني، ونبض حبّ صادق، جسّده الأردنيون بكلّ عفوية (7):
 
خرجوا إلى الطرقات ملء قلوبهم../ حبّ.. وشوق جامح.. ووفاء/ ومشوا إلى عمّان.. حاضرة الفدا/ لم تثنهم عن قصدهم.. وَعْثَاء/ والشعبُ كلّ الشعبِ يزحفُ صوبها/ شيب شباب..صبية.. ونساء.
 
ويجعل خالد محادين من مدينة عمّان مركزًا لأحزان الأردنيين الصادقة عند حالة الفقد، وذلك في إشارة واضحة لجنازة جلالة المغفور له الملك الحسين - رحمه الله – التي احتضنتها عمّان بعدما توافرت فيها كلّ معاني الخصب والنقاء(8):
 
ألفُ حمد لله أن الأردنَ والحسينَ والعيد والمطر/ وهذه الضحكات المغسولةِ بالدمع/ تلتقي هنا، في عمّان/ وفي كلّ زاوية من وطن باهر ينتصر بضعفه/ كما ينتصر بقوته.
 
ولعلّ التعلّق بالمُنجز الهاشمي جعل الشعر يبعث المكان بأبعاد سياسية قادرة على رسم الواقع، ومنحه دفقًا حياتيًّا، يشعّ برسالة الهاشميين الخالدة، وقيمهم النبيلة في إشاعة قيم العدل والسلام، كما في تغني باسل معابرة بمعشوقته عمّان، حيث يقول مبرزًا أبعاد المكان الإيجابية، وما تبعثه في النفس من نغم حبّ خالد(9):
 
آه ما أبهى عمّان/ حين تردد مع الحسين/ ألحانَ الخلود/ وحين تزهو في مواكب/ السلام/ وحين ترخي جدائلها/ حمائمًا ترفّ على/ رغدان/ وأكاليلَ غار تزين جبهةَ/ بسمان
 
ولا يخفي حيدر محمود رغبته في اكتناه عبق المكان، وإبراز جمالياته الروحية، وما تحتفظ به للهاشميين من حبّ جامح، ووفاء للعهد، حيث يقول في ذكرى المولد النبوي الشريف(10):
 
إنّه «المصطفى».. وهذا صباحٌ/ «هاشميٌّ».. تزهو به عمّان/ وتُباهي، ومَنْ سواها يُباهي/ بالهدى، وهي للهدى عُنوانُ؟!/ ولهُ في جبينها، كرْمُ زيتون../ وفي صدرها له بستانُ.
 
إذ زاد الحضور الهاشمي مدينة عمّان ألقاً وتميّزًا بين مدن العالم؛ لذلك لا عجب أن تشرق عمّان هداية وأملاً في ذكرى المولد النبوي الشريف الذي ينبض بعظمة رسالة الهاشميين منذ فجر التاريخ.
 
وحيدر محمود في شعره العمّاني، يعبّر عن حالة اتّحاد روحي تربط عمّان ببانيها جلالة المفغور له الحسين بن طلال طيب الله ثراه، إذ يتبادلان العشق، ليحلّ كلاهما في الآخر، المكان الشامخ، والباني الصادق(11):
 
عمّان منكَ، وأنتَ من عمّان/ وكلاكُما شمسُ الضّحى للثاني/ بكَ ما بها، يا سيّدي، منْ رقّةٍ/ وصلابةٍ، ومهابةٍ، وحنان/ وبها الذي بكَ أنت من صوفيّةٍ/ في حُبّ صاحبهِ، ومن إيمانِ.
 
ويرتسم الحضور الهاشمي في عمّان وشم خصب دائم، وصمود في مواجهة الزمن، فهو شاهد على تضحياتهم الكبيرة، ورؤاهم المنبعثة لبناء الأردن الحديث، كما في قول ياسر أبو طعمة متغنيًّا بإنجازات الهاشميين(12):
 
في كلّ شبْرٍ من ربوعكِ سـؤدَدٌ/ لبني الهواشمِ شاهدٌ بربـاكِ/ قَدْ شيّدوا بالمجـدِ صرحـاً عالياً/ فتكحلت من عزمـهم عيناكِ/ عَفَت الحروفُ وما عفت أمجادُهم/ بل أصبحتْ نقشاً على يُمناكِ.
 
وتزداد عمّان تألقًا برؤى ملكها الشاب عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، وما يبعثه فيها من روح في جسد شامخ، وما تستمده منه من كبرياء وصمود، تواجّه به فعل الزمن، وتكالب الأحداث، مما يُبرز أهمية الحضور الهاشمي في توجيه المكان، وإمداده بما يحتاجه من انبعاث متجدد، كما في خطاب خالد فوزي عبده لمدينة عمّان(13):
 
كفـاكِ نُبْــلاً مَليكٌ سـاهِرٌ يقـظٌ/ يُملـيْ فَيمتثلُ التاريخُ والزَّمَنُ/ يُقارعُ الدّهْرَ في صَبـْرٍ وفـي جـلَدٍ/ حتـى تَلينَ خَطُوبٌ كلّها حُرُنُ/ ما زَمجَرَتْ مـِحنَةٌ إلا وهَـبًّ لـهـا/ منافحاً، وهو مِثلُ الطّوْدِ مُتَّزنُ.
 
وبهذا فإن عمّان لم تكن بعيدة عن رؤى الهاشميين الخيّرة، وعطائهم المستمر، لذلك جاء الموقف الشعري منها متصلاً بما حققه الهاشميون منذ تأسيس الإمارة وحتى وقتنا المعاصر، يقف فيه الشعراء بإجلال أمام حركة تغيّر زمني، ونهوض عمراني، واستشراف فكري حالم، أضفى على المكان رونقاً خاصاً، وزاد من انفتاحه على الذات الشعريّة، الباحثة عن الاستقرار.
 
 الهوامش:
 
1 ـ حسن علي المبيضين وفوزي الخطبا: إبراهيم المبيضين حياته وشعره، ط1، مطابع الإيمان، عمّان، 1986م، ص166.
 
2 ـ محمد سمحان: أقانيم، ط1، دار الحقيقة الدولية للدراسات والأبحاث، عمّان، 2002م، ص30.
 
3 ـ حسني فريز: الأعمال الشعريّة الكاملة، إعداد راشد عيسى ومعاذ الحياري، ط1، منشورات أمانة عمّان،2002م، ص96.
 
4 ـ عبدالله بن الحسين: خواطر النسيم( شعر الملك عبد الله الثاني بن الحسين)، ج2، ص26.
 
5 ـ مصطفى وهبي التل: عشيات وادي اليابس، ص140.
 
6 ـ عبد القادر الرّباعي: عرار: الرؤيا والفن،( قراءة من الداخل)، ص279.
 
7 ـ محمد سمحان: أقانيم، ص ص 46-47.
 
8 ـ خالد محادين: ها هو في كلّ بيت، ص26.
 
9 ـ باسل معابرة: للحسين أكتب، ط1، دار المركز الجامعي للنشر، 1995م، ص50.
 
10 ـ حيدر محمود: عمّان تبدأ بالعين، ص6.
 
11 ـ حيدر محمود: الجبل، تقديم سمو الأمير حسن بن طلال، ط1، مطابع الدستور، عمّان، 2001م، ص62
 
12 ـ ياسر أبو طعمة: هل غادر الشعراء، ط1، نشر بدعم أمانة عمّان الكبرى، 2004م، ص22.
 
13 ـ خالد فوزي عبده: شموع لا تنطفىء، ط1، دار النهضة للنشر، عمّان، 1993م، ص124.