الغد
هآرتس
بقلم: اسحق بريك
في حين يميل المستوى السياسي والمستوى الامني الى التاكيد على ابراز ارقام قياسية للنجاحات التكتيكية، ويستنتجون من ذلك تقدير للوضع الامني، أنا أرغب في تقديم تحليل استراتيجي يفحص التوجه الشامل – تحليل لا يتجاهل نقاط الحضيض بين هذه الارقام القياسية.
يمكن تشبيه هذا الوضع باتجاهات سوق رأس المال. فحتى عندما يكون السهم في اتجاه هبوط ثابت، قد يظهر الرسم البياني ارتفاعات تمثل قمم مؤقتة ايجابية. قد يخطئ المستثمر غير الخبير ويعتقد ان هذا تغيير في الاتجاه. ولكن التقييم الصحيح للاخفاقات والانجازات سيكشف صورة من الهبوط والانحدار.
هذا بالضبط هو الفخ الذي توجد فيه الان قيادات الدولة والجيش الاسرائيلي. هكذا، على سبيل المثال، في اعقاب الضربات القاسية التي انزلت على ايران وحزب الله قبل سنة تقريبا، اعتبرت قيادة اسرائيل وضعنا الامني كـ "مدهش". في الرسم البياني ستعرض هذه الضربات كـ "ذروة" ايجابية. ولكن غياب رؤية استراتيجية واسعة يمنع هذه القيادة من رؤية تراكم نقاط الحضيض السلبية. وعندما نربط كل النقاط فان النتيجة واضحة: التوجه الشامل هو تدهور مستمر في أمن الدولة.
على خلفية التصريحات الصادرة عن القيادة الاسرائيلية حول صورة النصر واقامة شرق اوسط جديد، قلت في حينه بانه رغم شدة الضربات الا انها لم تكن كارثية. والآن اصبح من الواضح ان الاتجاه السلبي النابع من تطورات اختارت القيادات السياسية والامنية قمعها، يفوق المكاسب العملياتية المؤقتة.
هاكم تفصيل لمراكز التوجه السلبي: كسر النمط الخطي للانتصار. نجاحات عملياتية مهما كانت مؤلمة من ناحية العدو، لا تدل بالضرورة على تغيير إستراتيجي في الاتجاه. في حين ان الجمهور تعود على رؤية تصفية قادة أو تدمير بنى تحتية "نهاية القصة"، فان الحديث لا يدور إلا عن تعديلات مؤقتة فقط في الرسم البياني للانحدار. الخطأ المتأصل في تقييم الوضع ينبع من تجاهل قوى إعادة الإعمار التابعة للعدو، التي تعمل بقوة كبيرة تحت السطح.
المحور الجيوسياسي الجديد، الذي يتكون من الصين، تركيا وقطر: ان دخول الصين الى اللعبة كقوة نشطة، في كل ما يتعلق باعادة بناء منظومة الصواريخ الايرانية، يغير قوانين اللعب. هو يمنح "محور الشر" عمقا تكنولوجيا ولوجستيا، الذي ستجد اسرائيل صعوبة بتحديه بالوسائل القتالية فقط. في موازاة ذلك فان تعزز تركيا والتقارب بين ادارة ترامب وقطر وانقرة يدل على تآكل المكانة الخاصة لاسرائيل في واشنطن. فالمصادقة على بيع طائرات إف35 والتكنولوجيا النووية لدول في المنطقة تخلق "سباق تسلح" يهدد بتقليص التفوق النوعي للجيش الاسرائيلي.
إعادة تأهيل الوكلاء والساحة الفلسطينية: اسرائيل تعجز عن فهم قدرة حزب الله وحماس على الصمود. فالاستثمارات الايرانية الضخمة، الى جانب تدخل قطر وتركيا العميق في قطاع غزة، تخلق واقعا يتعافى فيه العدو سياسيا واقتصاديا اثناء القتال، ويشكل دعم هذه الدول "بوليصة تأمين" للتنظيمات ويضمن استمرار وجودها حتى بعد انتهاء الحرب.
التنافر القيادي: تعاني القيادات السياسية والأمنية من "عمى الاختيار". فالرغبة في تسويق النجاحات المؤقتة تتغلب على الحاجة الى عرض حقيقة استراتيجية معقدة. وبدون تحول جذري في المفاهيم، يوازن بين كل الاخفاقات والانجازات، ستجد اسرائيل نفسها تتفاجأ من جديد في موقف لا رجعة عنه. فالامن لا يقاس بقوة الضربة التي وجهت أمس، بل بقدرة اسرائيل على منع العدو من تعزيز قوته في الغد.