Wednesday 28th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    08-Oct-2020

ما ترفضه ثقافتنا من الحضارة المعاصرة

 الدستور-د. مهند غازي الزامل

إنّ الملابسات والظروف التاريخية التي نشأت من خلالها الحضارة الأوروبية المعاصرة، دَفعَتِ المجتمعات الأوروبية إلى تبني قِيَمِ ومواضعاتٍ أخلاقية وتصوِّراتٍ وأفكار ومشاعر، تختلف – في جوهرها – اختلافًا عميقًا مع طبيعة ثقافةِ المجتمع وقيمه وأفكاره وتصوّراته ومواضعاته الأخلاقية ومشاعره كذلك؛ وذلك أنّ الحضارة الأوروبية المعاصرة تأسَّست في أجواءٍ ومناخاتِ الصِّراع بين الدِّين والعِلم، بين العقيدة والفِكر، بين هَيْمنة المؤسسة الكَنسِيّة وإرادة الإبداع والابتكار والتّقدُّم في المجتمع، وكل ذلك أثَّرَ في اتجاهات المجتمع، وَوَلَّدَ روحَ المخاصَمَة مَعَ الدِّين، والرَّغبة الدَّفينة والخفيّة في التَّفَلُّتِ مِنْ كُلِّ القَيَمِ والمفاهيم التي ترتبطُ بالدِّين، أيّ دينٍ..!
 
وكان من الطبيعي أن تصطبغ مُعظم النتاجات الفِكْرية والثقافية والمنهجية والأدبية والفنيّة بهذه الصَّبغات المعادية للأديان وثقافتها؛ مما يجعلنا نجزِم بأنّ هذه النتاجات المختلفة في الحضارة المعاصرة تتناقض وتختلف مع قيمِ ومفاهيمِ وأصول ثقافتنا، على اختلافٍ في درجاتِ هذا التناقض بين نتاجٍ وآخر، إلا أننا في هذا المقام نُسجِّلُ عِدّة نُقاطٍ ثمثِّلُ محاورَ ظاهرة في اتِّجاهات الحضارة المعاصرة؛ وهي مما لا يمكن قبوله في مجتمعنا الثقافي، ولا يمكننا البناء عليه وِفقَ المشروع الحضاري الثقافي المأمول، ولا نستطيع حيالها إلا الرَّفضَ الكامل. وهذه المحاور المرفوضة هي:
 
أولاً: إلحاد هذه الحضارة، وبُعدها عن الله، وهُزؤُها بالمقدّساتِ الدِّينيّة، وكُل ما توَلَّدَ عن هذا الموقف مِنْ تأليهٍ للإنسان أو تأليهٍ للطبيعة، أو تأليهٍ للشهوات والأهواء، إذ أنّ إلحادَ هذه الحضارة؛ هو – في اعتقادِ ثقافتنا – سَبَبُ شقائها، وسَبَبُ شيوعِ الاضطرابِ والقلقِ والإحباطِ والفوضى في المجتمعات الغربية، استعلائها المادي الكبير.
 
ثانيا: نرفضُ من الحضارة المعاصرة ما ارتبطَ بتحوُّلاتها مِنْ تحلُلٍ قِيَمِيٍّ، وفسادٍ أخلاقيٍّ وانهيارٍ في علاقات المجتمع الحميمية والفطرية، فهذا الفساد الأخلاقيّ ليس قَدَرًا مقدورًا للبناء الحضاري الثقافي، ولا هو لازم حَتْمِيّ للتقدُّم الإنسانيّ، وإنما هو ظاهرة مَرَضِيّة، تخضَعُ لأسبابٍ إنسانية يمكنُ رَصْدَها والكشفِ عن روافدها، في البناءِ النفسي والدّيني والتصوري للإنسان، ومجموع مؤسساتِ المجتمع؛ وبالتالي يمكنُ السَّيطرة عليها، وعلاجها كما يمكنُ عزلها عن حركةِ التَّقدُّمِ في المجتمع؛ لأنّها عاملُ هَدْمٍ للحضارات، بل هيَ النذيرُ التاريخيّ بانهيارِ الأممِ ودمارها وضلالها.
 
ثالثا: نرفضُ مفهوم الحُرية؛ كما استقرَّ في الضمير الأوروبي الحديث؛ وُفقَ قاعدة «حُرِّيتي لا تقف إلا عند حدود حُرية الآخرين»؛ لأنّه مذهبٌ فوضويٍّ يُمهِّدُ بالضرورة لتفسُّخِ المجتمع وانهياره، كما أنّه يُرَسِّخُ مِنْ وضعيّةِ الصِّراعِ في المجتمع، إذ ينظر كُل عنصرٍ فيه إلى الآخرين بوصفهم حواجزَ تعوقُ انطلاقةِ الحريّة عنده. أما في ثقافتنا فقد حَرَصَتْ على تعميق وجودِ قيمةِ الحُريّة في الضمير الإنساني ذاته، وُفقَ منظومةٍ من القيم والمفاهيم، والضوابط، التي تكشفُ معالم َالقُبْحِ والجمالِ أو الشَّرِّ والخير في هذه المسألة؛ بحيثُ يُصبح كُل مُثقفٍ مسؤولًا عن هذه القيم – بما فيها قيمة الحُرية- في ذاته وفي مجتمعه.