Wednesday 3rd of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jan-2021

مئوية الدولة الأردنية بين العطاء والبناء

 الدستور-فاطمة الزغول

سطّرت الدولة الأردنية عبر مسيرتها المئوية، منذ عهد التأسيس إلى وقتنا الحاضر، أسمى معاني الصمود والكفاح في مواجهة التحدّيات التي فرضها موقعها الجيوسياسي في قلب المحيط المائج الذي يعج بالأزمات، والتحديات.خرج الأردن من كل تلك الأمواج المتلاطمة متحدًا، ومتماسكًا، وقويًّا، وفي الوقت نفسه، وفيًّا لقيمه، ومبادئه، وروايته المُنشئة، ورسالته التاريخية، ومواكبًا مسيرة التطوير والتحديث والبناء العالمية، وعازمًا على مواصلة النهوض على كافة المستويات.
 نقف اليوم، ونحن نتأهب للاحتفاء بمرور مئة عام على تأسيس الدولة الأردنية الهاشمية، لنستذكر تلك المسيرة الحاشدة بالإنجازات، منذ مجيء الملك المؤسس عبدالله الأول إلى معان في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 1920؛ حيث بدأت رحلة البناء، بتأسيس إمارة شرق الأردن في الحادي عشر من إبريل عام 1921، لتضم الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن، وصولًا إلى عهد الملك عبدالله الثاني؛ حيث نرفل اليوم بأثواب العزة والفخار، ناعمين بالأمن والأمان، فرحين بما تحقق لنا، ولأبنائنا من فرصة العيش الرغيد.
 شرع الملك عبدالله الأول بتأسيس الجيش العربي سنة 1923،بعد استثناء الأردن من وعد بلفور الذي أصدر عام 1922. وكان الملك المؤسس حريصاً على ضم رجالات الأردن البارزين من حوله، ليشكل وحدة وطنية قوامها التعاون والمشورة والألفة.
استطاع الملك المؤسس مواجهة تحديات الأوضاع السياسية الخارجية، فقام بعقد عدة معاهدات إلى أن حصل على الاستقلال التام للدولة الأردنية عام 1946، وكان حريصاً على بناء الأردن بكافة المستويات، فاهتم بالتعليم، وبناء المؤسسات الحكومية، والصحية، بعد أن أسس أول حكومة عرفت باسم حكومة الشرق العربي التي أصبحت الآن حكومة المملكة الأردنية الهاشمية.
عُرف عن الملك المؤسس أنه كان شاعراً وأديبا محباً لمجالس الأدب والعلم، وقد ترك مجموعة من المؤلفات الأدبية والشعرية ككتاب: من أنا؟ وكتاب مذكرات الأمير عبد الله، وكتاب الآثار الكاملة، وكتاب جواب السائل عن الخيل الأصائل، وغيرها.
وتوفي الملك عبدالله المؤسس رحمه الله في العام 1951، ليتولى السلطة نجله الملك طلال بن عبدالله الذي واكب مسيرة العطاء والإنجاز. ورغم قصر فترة حكمه التي لم تتجاوز العام الواحد بسبب المرض الشديد الذي ألمّ به، إلا أن التاريخ الأردني سجل له العديد من الإنجازات الرائدة، كان أبرزها: وضع دستور عام 1952 الذي كفل استقلالية الدولة الأردنية، وحقوق الشعب، ومساواتهم. كما وسّع قاعدة التعليم الإلزامي وجعله مجاناً، وأصدر قانون ديوان المحاسبة ليكون مسؤولاً عن مراجعة نفقات الدولة، وعلى المستوى الخارجي، تمّ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والتعاون الاقتصادي.
ونودي بجلالة الملك الحسين بن طلال ملكاً على المملكة الأردنية الهاشمية في 11 آب 1952، قبل بلوغه السن القانونية، وتسلّم سلطاته الدستورية في الثاني من أيار عام 1953، ليقود الأردن في مسيرة بناء ونهضة شملت كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وكانت كلماته الأولى التي خاطب بها الشعب الأردني:»فليكن النظام رائدنا، والتعاون مطلبنا، والاتحاد في الصفوف رمزنا، وشعارنا، ولنعمل متناصرين متعاضدين، لنبني وطناً قوياً محكم الدعائم، راسخ الأركان، يتفيأ ظله الوارف، وينعم بخيره الوفير جميع المواطنين على السواء».
ولم تكن هذه العبارات القوية ذات الطابع الإنساني مجرّد أقوال، بل ترجمتها مسيرة البناء المحكمة، والحافلة بالتطور، والإنجاز، فالتحمت القيادة مع الشعب، لبناء وطن قوي الأركان، والدعائم. وشهد الأردن في عهد الحسين الباني طيب الله ثراه، ازدهاراً، ورفعة في كل المجالات. ولا يزال الأردنيون قيادة، وشعباً، يثمنون هذه المسيرة التي قاد فيها الحسين الباني طيب الله ثراه، الأردن الحديث إلى بر الأمان، في مسيرة لم تكن سهلة، ولا ممهدة، فقد كانت التحديات صعبة، وكان الطريق شائكا، بحكم الواقع الجيوسياسي كما أسلفنا، ولكنّ عزيمة الإصرار على بلوغ الهدف، سهّلت الطريق، ويسّرته.
وسطر الحسين الباني طيب الله ثراه، خلال مسيرته التي استمرت خمسين عاماً من البذل والعطاء والتطور والإنجاز في كل المجالات، أسمى معاني الصمود والكفاح في مواجهة التحديات والأزمات. تلك المسيرة التي بدأها بالخطوات الجريئة في تعريب الجيش الأردني، وإلغاء المعاهدة البريطانية للتخلص من التبعية الأجنبية. ثم الالتفات للارتقاء بمستوى الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية وتكريس الوحدة الوطنية؛ فازدهرت المدارس، والجامعات، وشُيِّدت المستشفيات، والمراكز الصحية، وعلت المباني، وعمّت الديمقراطية، والسلام، وازدهر الجيش، وبات قويًّا إلى الحد الذي أهله ليصبح مشاركا فاعلا في قوات حفظ السلام الدولية، وأصبح الأردن يلعب دور الوسيط السياسي لحل الخلافات بين شعوب المنطقة، وعُقدت على أرضه قمتان عربيتان.
أحب الشعب الأردني قائدهم الباني، والتفوا حوله مساندين، متعاضدين، كما عامل الحسين شعبه بأسمى معاني الإنسانية؛ فرفع شعار الإنسان أغلى ما نملك، وترجم مبدأ الديمقراطية إلى واقع، من خلال تكريس قيم حرية التعبير، وحقوق الإنسان. ودعم الحسين الحياة الحزبية منذ بداية عهده الميمون، وأنشأ الأحزاب، وأصدر قانونها عام 1955، وعقد الانتخابات البرلمانية، والبلدية، وكان حريصاً على تحقيق العدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع، فكان له في كل أسرة بصمة عطاء خالدة.
وتسلم جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين -حفظه الله- سلطاته الدستورية خلفاً لوالده المغفور له بإذن الله تعالى الحسين بن طلال الذي توفي بعد رحلة صراع مع المرض في السابع من فبراير عام 1999؛ فحمل الأمانة، ليواصل رحلة البناء، والعطاء، في مرحلة هي الأكثر تعقيداً؛ لما تعانيه المنطقة المحيطة من أزمات، ونزاعات، كان لها الأثر الكبير على الجانب الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي في الشرق الأوسط ككل.
ويولي الملك عبد الله الثاني أولوية قصوى لتعزيز علاقات الأردن السياسية والاقتصادية مع مختلف دول العالم، حاملاً خلال ذلك لواء القدس، والقضية الفلسطينية التي هي موضع إجماع الأردنيين جميعاً مدافعاً عن الحقوق، والمقدسات الإسلامية، والمسيحية، كما سعى في حفظ السلام في المنطقة، ومحاولات الإصلاح السياسي في النزاعات القائمة في الدول المجاورة.
وفتح جلالة الملك عبد الله الثاني في عهده الميمون، الباب واسعا أمام حوار مجتمعي حضاري راقٍ، من خلال إطلاق جملة من الأوراق النقاشية، ذات المضامين الفكري والسياسية والثقافية، وشجع الشباب على المشاركة في هذه النقاشات، وتولى زمام المبادرة في مختلف الشؤون الوطنية. ولتشجيع قيم الإبداع والابتكار والريادة، أطلق جلالته الجوائز العديدة، لتحفيز العمل الإبداعي، كجائزة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين للإنجاز، والإبداع الشبابي 2007، وجائزة الملك عبد الله الثاني للأداء الحكومي، والشفافية 2002، وجائزة الملك عبد الله الثاني للياقة البدنية 2005، وغيرها.
واهتم جلالة الملك عبد الله بتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطن الأردني من خلال بناء الأحياء السكنية للفئات قليلة الدخل، كما أولى الرعاية الصحية الأولوية القصوى من خلال توفير العلاج المجاني، خاصة للأطفال دون سن السادسة، وشجّع على التكافل الاجتماعي من خلال إنشاء شبكة الأمان الاجتماعي.
ويتطلع الأردن اليوم إلى الارتقاء بمستوى الأداء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، لمواكبة الحضارة، والسير في ركب التقدم والازدهار، ملتفين حول القيادة الهاشمية البناءة التي حملت على عاتقها مسيرة البناء والتقدم، وحافظت على الأمن والسلام طيلة قرن من الزمن، رغم ما شهده العالم المحيط من نزاعات وتحولات، ولا يزال الأمل معقوداً بالشباب لبلوغ أسمى المنجزات، ومواكبة ركب الحضارة والنماء، واضعين نصب أعينهم رؤى القائد لمواصلة المسيرة.