Wednesday 20th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    31-Dec-2020

محفل الكتابة بالآخر

 القدس العربي-رشيد المومني

«أنا هو آخر» جملة جد مقتضبة، لكنها في الوقت نفسه جد دالة، بالنظر لعمقها الشعري، المحيل على تجربة الشاعر الفرنسي أرتور رامبو، ما يعزز حضورها في الخطابات التنظيرية التي تكون بصدد الفصل بين الذات الكاتبة وذات الكتابة، سواء في مجال الكتابة الشعرية أو السردية. ولعل أهم ما تتضمنه عملية الفصل هذه، تحرير الذاتين، من ملابسات التماهيات المتبادلة، التي غالبا ما يؤدي التورط فيها إلى تحجيمهما معا. ذلك أن النظر إلى الكتابة بوصفها التعبير الفعلي والمباشر عن هوية ذاتية محددة ومعلومة، سيلزم هذه الأخيرة بتفادي الخوض في كل ما يؤثر سلبا في صورتها. الشيء الذي سيؤدي حتما إلى تضييق مجالات القول. كما سيُخضع الكتابة لمختلف أنماط الرقابات، سياسية كانت أم فكرية أم أخلاقية، مهما تعددت الأقنعة الجمالية التي يمكن أن يوظفها الشاعر أو السارد في لعبة التمويه والتخفي. وبالتالي، فإن المقاربة النقدية لما تتضمنه النصوص الإبداعية من مواقف وآراء، ستكون من هذا المنطلق بشكل أو بآخر، مقاربة للحياة الفكرية والمجتمعية المتعلقة بهوية الكاتب/الشاعر. ما سيجعله باستمرار، عرضة لنيران المحاسبة. باعتبار أن أي تعارض يلاحظ بين نصوصه والقيم العامة الشائعة والمتداولة، هو دليل انحراف معلن وموثق، عن المحجة التي يطالب الجميع بالمشي على بياضها. ومن المؤكد أن إسقاط الخطابات المعبر عنها في النصوص على الذات الكاتبة، سيخرجها من مقاماتها الجمالية والتخييلية الخاصة بها، كي يزُجَّ بها في عوالم غريبة عنها. بمعنى أنها ستتحول حتما إلى دليل، يهتدي به الرقيب النقدي إلى الخلفيات الفكرية الفاعلة، في توجيه مسارات كاتبها.
كما ستكون المهام الأساسية لهذا الرقيب، ذات طابع ردعي، موجه ضد كل من الكاتب والكتابة. وأيضا ضد القراءات المنتصرة لما قد يغامران به من خروج على المألوف. وهو ما يضعنا مباشرة في قلب توجه إبداعي تنعدم فيه الحرية، ومقنن بثوابته الجاهزة، المحروسة بعصي الأباطرة الناطقين بمختلف اللغات التي يلهج الظلام بفحيحها. علما أن وجهة نظرنا هذه، لا تعني بالضرورة تبنينا للكتابة المستخفة بالقيم والمثل، المتفق عليها إنسانيا وحضاريا، بالمفهوم الفكري والفلسفي للكلمة.
إن حدود الكتابة التي تعنينا هنا، تتسع لتشمل حياة الكائن بامتياز، من حيث تعددها وتنوعها، أي أنها لا ترتهن لحياة مخصوصة ومحصورة بين أضلاع إطار مغلق وضيق. لأن وجودها الفعلي، لا يتحقق إلا من خلال تلك المراوحات اللامحدودة واللانهائية القائمة بين الأقاليم الدلالية المتوزعة على أرجاء الكون، بكل أبعادها الاجتماعية والثقافية، والفكرية. فبقوة هذا العمق تحديدا، تستمد ذات الكتابة حريتها الطبيعية والتلقائية، غير مقيدة في بناء خصوصيتها بأي سلطة قبلية، لكونها موجهة بحركيتها الداخلية، المتماهية مع حركية الوجود. بما تتميز به من انفتاح دلالي على أسئلة القول والتأويل الغاصة بمساربها، وبوصفها المجال الفعلي لتمظهر كل الأبعاد والأنواع التي يتشكل بها مفهوم الآخر. فزورق الأنا – إن جاز التعبير – فور استسلامه لريح الكتابة، يجد ذاته مباشرة في خضم هذه الأبعاد، وفي الجهة المضادة لكل كتابة معطوبة، تعمى عن رؤية الوجود في أبعاده المرئية واللامرئية، مكتفية بحبس أنفاسها، داخل قمقم ذات مفردة لا شريك لها، متلذذة بالنظر إلى عماها في مرايا الظلام.
 
هكذا هو الآخر إذن، دعوة للانفصال، والخلاص من الانغلاق المكاني والزماني، ومن سكونية المفاهيم. إنه التفاعل الناتج عن تعدد إمكانيات الاختيار، والمؤثر في إنتاج المزيد من الهوامش، هناك تماما، حيث سيكون بوسع الكائن، أن يتخلص ولو مؤقتا، من بؤس القليل، ومن فاقة اختياراته.
 
إن المقصود برؤية الكتابة التي نحن بصددها لأبعاد الوجود، تفيد الاحتفاء بمبدأ التعرف على الآخر في تعدداته اللامتناهية. والقول بهذا المستوى من مستويات التعرف، يحيل عمليا على تجربة التخوم، التي لا تعترف عمليا بنهاية أي حد من حدود النظر والتمثل والسؤال. فالمعرفة وحدها، هي التي تؤهل الكائن للفوز بحضوره المندرج في سلك الكينونة الحية، وقد غدت منفتحة على محتملها، حيث العقل والجسد معنيان بمعرفة ما يحدث هنا، وهناك أيضا. إن الاختيارات الحاسمة والمصيرية، لا تتحقق إلا من خلال فعل التعرف، بما يعنيه من تمثل لخيمياء العناصر، التي يتم على ضوئها تصنيف الصفات والأسماء والأفعال. وهو منجز يتعذر تحققه في غياب شرط الحرية، الذي يكون فيه الكائن مكرها على التقيد باختيارات مقننة سلفا، باسم رقابة مباركة، غالبا ما تكون أداة لتكريس سلطة القهر والإجبار.
من هنا، تأتي إشارتنا لواجب تجرد الكتابة من أي أثر للترهيب، أو الترغيب، حيث لا شيء سوى سلطة التعرف، بما هي إرادة كشف ومكاشفة، وبما هي إشارة متعددة الوجهات إلى المعزل المنسي في رحم الغابة، وقد غدت مضاءة بالكامل، كي تتمكن الخطى من تلمس مسالكها في تلعثم الأحراش. وليست الغابة هنا، سوى المقابل الرمزي للوجود الحي والميت في آن، الذي لا يمكن للعابر أن يتنقل بين مسالكه بقليل من الأمان، ما لم يكن مُلِمّاً بأسراره وعوالمه. فالمعرفة المتحررة من قيود الأمر والنهي، هي الجوهر الذي تتفاعل الكتابة عبره مع وجودها المؤثث بأطياف الآخر. كما بالمعرفة تصبح الكتابة سيدة المكان، وليس كما يريد لها البعض، أن تكون مجرد حارسة لصروحٍ مغلقة، ذاتيا أو موضوعيا.
إن سياق الكتابة الذي نحن بصدده، يتنافى مع توظيفها العابر والمؤقت، كي تندرج ضمن تفاعل ثقافي وإبداعي منفتح على أسئلته، ومنفتح على أمكنته وأزمنته، تلك التي يمكن أن تستقطب رحابتها قراءات، لا تتنكر لاحتمال وقوعها في شراك تناقضاتها. وهي القراءات التي تحاول رؤية ملامحها في مرايا الآخر، وليس بالضرورة في مراياها الشخصية التي تكتفي بإعادة ملامحك إليك، أنت الذي لا تريد أن ترى سواها، لكونها ترضيك بتأقلمها مع ما تسعى أنت فقط إلى رؤيته، فيما مرايا الآخر، تدعوك لرؤية تك الدواخل المنسية حيث يلوذ السر بخلوته.
إنها المرايا التي يمكن أن تسمح لك برؤية ما يتخلل الكيان العام من تشوهات، كي تبادر بالبحث عن بلسم لها، إنها المرايا المفرطة في القسوة، في الشفافية والوضوح. تلك هي الكتابة التي تمتلك حقها في الإعلان عن حضورها، بين تضاعيف الاختلاف، وتبعا لذلك، فإن الذات الكاتبة، وفي السياق ذاته، مطالبة بأن تكون ذلك الآخر، عبر امتلاكها القدرة على تجاوز حدود إكراهاتها الشخصية. بعيدا عن محبس الذات المنقطعة لأناها، أي ذلك المركزَ المستبدَّ بدينامية المحيط، الذي لا يلبث بحكم استبداده، أن يفقد خصوصية أسئلته، ووعوده، باعتبار أن الذات السعيدة بمركزيتها، تكون غائبة عن كل ما يحدث هناك، أي بعيدا عن عمق الفضاءات التي يمارس فيها الآخر تحولاته، اللامتناهية. وحالما ترقى الكتابة للتموضع في أفق ذلك الآخر، فإنها تكون مهيأة للإفصاح عن هاجس تكسير الطوق، وهاجس استبعاد الرؤية الخطية، المرسومة بين حدين ثابتين.
هكذا هو الآخر إذن، دعوة للانفصال، والخلاص من الانغلاق المكاني والزماني، ومن سكونية المفاهيم. إنه التفاعل الناتج عن تعدد إمكانيات الاختيار، والمؤثر في إنتاج المزيد من الهوامش، هناك تماما، حيث سيكون بوسع الكائن، أن يتخلص ولو مؤقتا، من بؤس القليل، ومن فاقة اختياراته.
 
٭ شاعر وكاتب من المغرب