Saturday 8th of August 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    28-Jul-2020

غروب حقبة: نهاية عصر النفط في العالم العربي باتت وشيكة.. والتداعيات مؤلمة

 الغد-تقرير خاص – (الإيكونوميست) 18/7/2020

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
بيروت – لم تعد ميزانياتها معقولة ولا متّسقة. الجزائر تحتاج إلى أن يرتفع سعر خام برنت، وهو مؤشر عالمي للنفط، إلى 157 دولاراً للبرميل. وتحتاج سلطنة عُمان إلى أن يصل سعره إلى 87 دولاراً. ولا يمكن لأي منتج دولة عربية منتجة للنفط، باستثناء قطر الصغيرة، موازنة دفاترها بالسعر الحالي، حوالي 40 دولارًا للبرميل.
لذلك، تتخذ البعض منها خطوات جذرية. في أيار (مايو)، قالت الحكومة الجزائرية إنها سوف تخفض الإنفاق إلى النصف. ويريد رئيس الوزراء الجديد للعراق، أحد أكبر منتجي النفط في العالم، أن يحمل فأساً ويذهب به ليحتطب رواتب الحكومة. وتكافح سلطنة عُمان للاقتراض بعد أن صنفت وكالات التصنيف الائتماني ديونها على أنها عالية المخاطر. وقد يصل العجز في الكويت إلى 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى في العالم.
تسبب “كوفيد- 19” في تدني سعر النفط لينخفض إلى أدنى مستوياته على الإطلاق بينما توقف الناس عن التنقل من أجل الحد من انتشار الفيروس. ومع استئناف التجارة، عاد السعر إلى الارتفاع مرة أخرى، على الرغم من أن حدوث ذروة في الطلب قد يكون على بعد أعوام.
ولكن، لا يخالطنك الوهم. إن اقتصادات العالم تبتعد عن الوقود الأحفوري. وتعني زيادة العرض والقدرة التنافسية المتزايدة لمصادر الطاقة الأنظف أن النفط قد يبقى رخيصًا في المستقبل المنظور. وليس الاضطراب الأخير في أسواق النفط انحرافاً صغيراً عن قاعدة؛ إنه لمحة عن المستقبل. لقد دخل العالم حقبة من أسعار النفط المنخفضة -ولن يتأثر بها أي مكان أكثر من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وقد عرف القادة العرب أن أسعار النفط المرتفعة لن تستمر إلى الأبد. قبل أربعة أعوام، أصدر محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية، خطة تسمى “رؤية 2030″، والتي تهدف إلى إبعاد اقتصاده عن النفط. ولدى العديد من جيرانه إصداراتهم الخاصة من هذه الخطط. ويقول مستشار للأمير محمد: “لقد أصبح العام 2030 هو العام 2020”. ويقول صندوق النقد الدولي إن عائدات النفط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تنتج من المادة السوداء أكثر من أي منطقة أخرى، قد انخفضت من أكثر من تريليون دولار في العام 2012 إلى 575 مليار دولار في العام 2019. ومن المتوقع أن تجني الدول العربية هذا العام حوالي 300 مليار دولار من بيع النفط، وهو مبلغ لا يقترب مجرد اقتراب من الكفاية لتغطية نفقاتها. ومنذ آذار (مارس)، عمدت إلى التخفيضات، والضرائب والاقتراض. وتستنفد الكثير منها بسرعة احتياطياتها النقدية التي كانت مخصصة لتمويل الإصلاح.
سوف يتم الشعور بالألم لدى العرب الذين لا ينتجون النفط أيضاً. فقد اعتمدوا منذ فترة طويلة على جيرانهم النفطيين لتشغيل مواطنيهم. وتبلغ قيمة تحويلات المغتربين أكثر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في بعض البلدان. وعملت التجارة والسياحة والاستثمار على توزيع الثروات إلى حد ما. مع ذلك، وبالمقارنة مع المناطق الأخرى، تعاني منطقة الشرق الأوسط من واحدة من أعلى نسب بطالة الشباب في العالم. وقد موّل النفط اقتصادات غير منتجة، ودعم أنظمة بغيضة، واستدعى تدخلات أجنبية غير مرحب بها. ولذلك، لا ينبغي أن تكون نهاية هذا العصر كارثية إذا ما حفزت إصلاحات تخلق اقتصادات أكثر دينامية وحكومات تمثيلية.
من المؤكد أن تكون هناك مقاومة على طول الطريق. ولك أن تبدأ بأغنى منتجي النفط في المنطقة، والذين يمكنهم تدبر الأمور مع الأسعار المنخفضة على المدى القصير. تتمتع قطر والإمارات العربية المتحدة بصناديق ضخمة للثروة السيادية. ولدى المملكة العربية السعودية، أكبر اقتصاد في المنطقة، احتياطيات أجنبية بقيمة 444 مليار دولار، وهو ما يكفي لتغطية عامين من الإنفاق بالمعدل الحالي.
لكن هؤلاء جميعاً تضرروا بشدة من الوباء، وكذلك من أسعار النفط المنخفضة. وكانوا قد أفرطوا في الإنفاق منذ وقت طويل. في شباط (فبراير)، قبل اندلاع جائحة فيروس كورونا في الخليج، توقع صندوق النقد الدولي أن تستنفد دول مجلس التعاون الخليجي (البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) احتياطياتها البالغة 2 تريليون دولار بحلول العام 2034. ومنذ ذلك الحين، أنفقت المملكة العربية السعودية ما لا يقل عن 45 مليار دولار من أموالها. وإذا استمرت في الإنفاق على هذا الوتيرة لمدة ستة أشهر أخرى، فإنها ستُجهد الريال السعودي في مقابل الدولار. وسيؤثر تخفيض قيمة العملة على الدخول الحقيقية بشدة في بلد يستورد كل شيء تقريبًا. والمسؤولون هناك قلقون. ويقول محمد الجدعان، وزير المالية: “إننا نواجه أزمة لم يشهدها العالم من قبل في التاريخ الحديث”.
في محاولة لموازنة الدفاتر، علّقت المملكة العربية السعودية علاوة بدل تكلفة المعيشة للعاملين في الدولة، ورفعت أسعار البنزين، وضاعفت ضريبة مبيعاته ثلاث مرات. ومع ذلك، قد يتجاوز عجز ميزانية المملكة 110 مليارات دولار هذا العام (16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي). ويمكن أن يتبع ذلك فرض المزيد من الضرائب -ربما على الشركات والدخل والأراضي. لكن رفع الضرائب يهدد بمزيد من الضغط على التجارة التي تعثرت في سبيل احتواء فيروس كورونا.
كانت المملكة قد أملت في أن تعوضها زيادة في السياحة الدينية والترفيهية، جزئياً على الأقل، عن انخفاض عائدات النفط. لكن هذا الأمل يبدو الآن خيالاً بعيداً. فمدينة مكة المكرمة مغلقة أمام الأجانب منذ شباط (فبراير). وفي العام الماضي، استقطب موسم الحج السنوي 2.6 مليون حاج؛ وفي هذا العام تم قصرُه على نحو 1.000 فقط. ويقول فاروق سوسة من بنك غولدمان ساكس: “المملكة عالقة في اعتمادها على النفط الذي تحتاجه للتسلق والخروج والبقاء”.
ومع ذلك، يرى البعض جانباً إيجابياً في الاضطرابات التي تشهدها الدول المنتجة للنفط. تنتج دول الخليج أرخص نفط في العالم، ولذلك تبقى في موقف يؤهلها لأن تحظى بحصة في السوق إذا ظلت الأسعار منخفضة. ومع فرار المغتربين، يمكن للسكان المحليين أن يأخذوا وظائفهم. وقد تقنع صراعات المنطقة بعض الدول بالتعجيل بالإصلاحات. وتشيد وكالات التصنيف الائتماني برفع الضرائب السعودية كخطوة نحو تحويل الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد منتج. ومن أجل جمع عائدات جديدة، يتحدث القادة العرب عن موجة من الخصخصة. وقد أعلنت المملكة مؤخراً عن بيع أكبر محطة لتحلية المياه في العالم في رأس الخير. ولكن في الوقت الحالي، يبدو المستثمرون أكثر ميلًا إلى سحب أموالهم من المنطقة جملة وتفصيلاً.
في الأثناء، يتزايد السخط الشعبي. وقد تمتم السعوديون بشأن الضرائب الجديدة، التي يقع ثقلها الأكبر على كاهل الفقراء. “لماذا لا يفرض الأمير م. ب.س. ضرائب على الأغنياء”؟ يشتكي العاطلون عن العمل على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرين إلى الأمير محمد بأحرف اسمه الأولى. “لماذا لا يبيع يخته ويعيش مثلنا”؟ تسأل أم لأربعة أطفال من الشمال، حيث يقوم الأمير ببناء المزيد من القصور. وفي العراق، ألقى المسؤولون الغاضبون من تخفيضات الأجور دعمهم وراء حركة احتجاج تسعى إلى إسقاط النظام السياسي بأكمله. وفي الجزائر، حيث انخفض دخل الفرد من 5.600 دولار في العام 2012 إلى أقل من 4.000 دولار في الوقت الحالي، عاد المتظاهرون إلى الشوارع. لم يعد بإمكان حكام المنطقة شراء ولاء الجمهور.
حيث لا يتدفق النفط
وقد استؤنفت الاحتجاجات مُسبقاً في لبنان، حيث أوقف الوباء مؤقتًا شهورًا من المظاهرات التي تحتج على الفساد وانهيار الاقتصاد. وليس لبنان منتجًا للنفط (على الرغم من أنه يأمل في أن يصبح واحداً). تأتي أزمته، التي يمكن أن تشهد انكماش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 13 في المائة هذا العام، من تفكك النظام الاقتصادي لما بعد الحرب الأهلية، الذي يعتمد بشكل كبير على الخدمات والقطاع المالي المتضخم. لكن الركود في الخليج جعل الوضع هناك أسوأ. وسوف يجلب انخفاض أسعار النفط على المدى الطويل المزيد من الألم -حتى للدول العربية التي لا تضخ النفط.
تشكل التحويلات المالية القادمة من الدول الغنية بالطاقة شريان حياة للمنطقة بأسرها. ويعمل أكثر من 2.5 مليون مصري؛ أي ما يعادل 3 في المائة تقريبًا من سكان تلك الدولة، في الدول العربية التي تصدر الكثير من النفط. والأرقام أكبر في دول أخرى: 5 في المائة من لبنان والأردن؛ 9 في المائة من الأراضي الفلسطينية. وتشكل الأموال التي يرسلها هؤلاء المغتربون جزءًا كبيرًا من اقتصادات أوطانهم. ومع انخفاض عائدات النفط، سوف تنخفض التحويلات كذلك. وسيكون هناك عدد أقل من الوظائف للأجانب في دول النفط، وحزم أجور أصغر لأولئك الذين يجدون عملاً هناك.
سوف يؤدي هذا إلى تقويض العقد الاجتماعي في الدول التي اعتمدت على الهجرة لاستيعاب مواطنيها العاطلين عن العمل. ويتخرج حوالي 35 ألف لبناني من الجامعة كل عام. ويوظف الاقتصاد اللبناني 5.000 منهم فقط. ويبحث معظمهم عن عمل في الخارج. وأدت الهجرة الجماعية إلى تسريع هجرة الأدمغة. وقد اعتادت مصر على توفير العمالة غير الماهرة للخليج. وفي الثمانينيات، كان أكثر من خُمس مهاجريها الذين يكدحون في المملكة العربية السعودية أميّين. واليوم، لدى معظمهم تعليم ثانوي. كما تضاعفت حصة خريجي الجامعات. وتكافح مصر الآن مع “كوفيد- 19” -جزئيًا لأنها تفتقر إلى وجود عدد كافٍ من الأطباء: هاجر أكثر من 10.000 طبيب منذ العام 2016، العديد منهم إلى دول الخليج.
مع وجود فرص أقل في الدول المنتجة للنفط، قد لا يعود العديد من الخريجين يهاجرون من أجل العمل. لكن بلدانهم الأصلية لا تستطيع توفير حياة جيدة لهم. وعلى سبيل المثال، يكسب الأطباء في مصر ما يقل عن 3.000 جنيه إسترليني (185 دولارًا) شهريًا، وهو شذرة صغيرة مما يكسبونه في السعودية أو الكويت. وتشكل وفرة من الخريجين العاطلين عن العمل وصفة للاضطرابات الاجتماعية. أضف إلى ذلك، ربما، تدفقاً من المواطنين الذين يُجبَرون على العودة إلى الوطن عندما تنتهي عقودهم. ثمة الكثيرون الذين لا يرغبون في ذلك، لأن الإمارات مثل دبي وقطر لا تقدم وظائف ذات أجر جيد فحسب، وإنما خدمات من الدرجة الأولى وحوكمة نزيهة نسبيًا. وأظهر استطلاع أجراه “غالوب” ونشر في كانون الثاني (يناير) أن 10 في المائة فقط من المهاجرين المصريين في الأجزاء الغنية من الخليج يريدون العودة إلى بلدهم.
وسوف تتضرر الأعمال التجارية أيضاً. يشكل منتجو النفط أسواقاً كبيرة لدول عربية أخرى. في العام 2018، أخذ هؤلاء 21 في المائة من الصادرات من مصر، و32 في المائة من الأردن، و38 في المائة من لبنان. وتستطيع الشركات والأعمال متابعة الشركاء التجاريين الآخرين بطبيعة الحال. وتصدر مصر بالفعل إلى كل من إيطاليا وتركيا أكثر مما تصدر إلى أي دولة عربية. لكن الأشياء التي تبيعها هناك -المنتجات البترولية والمعادن والمواد الكيميائية- تميل إلى خلق فرص عمل قليلة للمصريين. وفي المقابل، تشتري بلدان المنطقة المزيد من السلع كثيفة العمالة، مثل المحاصيل والمنسوجات والمنتجات الاستهلاكية. وينتهي أكثر من نصف أجهزة التلفاز المصدرة من مصر في دول مجلس التعاون الخليجي. وترسل صناعة الأدوية الأردنية، التي تولد أكثر من 10 في المائة من إجمالي صادراتها وتدعم عشرات الآلاف من الوظائف، ما يقرب من ثلاثة أرباع صادراتها إلى منتجي النفط العرب. وسوف تتحول دول الخليج الأصغر والأفقر إلى زبائن أكثر عوزاً.
كما أنها سترسل عددًا أقل من السياح الأثرياء إلى الدول العربية. في لبنان، يمثل الزوار القادمون من ثلاث دول فقط -الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة- حوالي ثلث إجمالي الإنفاق السياحي. ومع أن معظم زوار مصر يأتون من أوروبا، فإن السياح الخليجيين يقيمون لفترة أطول وينفقون المزيد من المال في المطاعم والمقاهي ومراكز التسوق. وتستطيع هذه البلدان أن تبحث عن الإيرادات في أماكن أخرى، ولكن سيكون من الصعب استبدال السياح الأثرياء القادمين من أفنيتها الخلفية. ويقضي السعوديون الصيف في القاهرة أو بيروت لأن هاتين المدينتين قريبتان ومألوفتان ثقافياً وتتحدثان نفس اللغة. ومن غير المحتمل أن يفعل السلوفينيون أو السنغافوريون الشيء نفسه.
كان حدثاً تاريخياً حقاً أن تصعد دول الخليج لتصبح مراكز للسلطة والنفوذ في الشرق الأوسط. كانت لقرون أماكن منعزلة تعيش على إيرادات الحج وتجارة اللؤلؤ. وكان حكام المنطقة هم أولئك في العواصم العربية القديمة العظيمة: خاضت القاهرة ودمشق حروبًا ضد إسرائيل، وقادتا نداءات التحشيد للقومية العربية. وكانت بيروت المركز المالي والثقافي.
لهذه القوى القديمة، التي قطعت شوطاً جيداً في طريق التدهور الآن، علاقة غير مريحة مع الوافدين الجدد. في تسجيل تم تسريبه في العام 2015، سخر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من ثروة الخليج. طلب من أحد المستشارين أن يطلب من السعوديين 10 مليارات دولار كمساعدة مالية، وقوبل طلبه بالضحك. “وماذا في ذلك؟”، قال السيسي ساخراً في الرد على ضحكة مستشاره: “إنهم يملكون المال مثل الأرز”.
لكن العرب الأثرياء كانوا كرماء مع القوى القديمية، ولو أن ذلك كان انتقائياً. قدمت الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات لمصر حوالي 30 مليار دولار كمساعدات بعد العام 2013، عندما أطاح السيسي بحكومة إسلامية منتخبة. ولطالما كانت القيادة السنية في لبنان وكيلة لدول الخليج. فقد جمع رفيق الحريري، الذي قاد البلد بعد حربه الأهلية، ثروته كمقاول في المملكة العربية السعودية. ويحمل نجله، سعد، الذي شغل أيضاً منصب رئيس الوزراء، الجنسية السعودية. وأنقذ مجلس التعاون الخليجي الأردن مرتين في العقد الماضي.
لكن ذلك التمويل شرع في الجفاف في الأعوام الأخيرة. ويعود ذلك جزئيا إلى الخلافات السياسية. ويبدو أن العديد من الدول العربية التي تلقت الدعم ذات مرة من الرياض أو أبو ظبي أصبحت تبدو الآن استثمارات سيئة. يشعر السعوديون بالإحباط لأن السيسي لم يرسل قوات لدعم غزوهم المشؤوم لليمن، ولأن الحريري الصغير كان متسامحًا جدًا مع حزب الله، الميليشيا الشيعية والحزب السياسي المدعوم من إيران. ويعكس سخاؤهم المتناقص أيضًا ثرواتهم المتناقصة. لم تتلق مصر أي أموال منذ أعوام. ولا يبدو أحد من الخليج راغبًا في إنقاذ لبنان. ولاقى الأردن عنَتاً في الحصول على حزمة مساعدات مدتها خمسة أعوام، بقيمة 2.5 مليار دولار من الخليج في 2018، وهي نصف ما كان قد حصل عليه في العام 2011. ولا شيء من هذا سيئ بالضرورة: سوف يقدر الكثير من العرب نفوذًا أجنبيًا أقل في بلدانهم. لكنه سيضيف إلى الضغط المالي على حكوماتهم الغارقة في الديون مُسبقاً.
كما أنه قد يشير أيضًا إلى تغيير أوسع في سياسة المنطقة. لأربعة عقود اتبعت أميركا “عقيدة كارتر”، التي قضت بأنها ستستخدم القوة العسكرية من أجل الحفاظ على التدفق الحر للنفط عبر الخليج الفارسي. ومع ذلك، شرعت هذه العقيدة في التلاشي في عهد الرئيس دونالد ترامب. وعندما أغارت صواريخ كروز وطائرات من دون طيار إيرانية الصنع على منشآت النفط السعودية في أيلول (سبتمبر)، بالكاد رمشت أميركا. وتم سحب بطاريات باتريوت للدفاع الصاروخي التي كانت الولايات المتحدة قد نشرتها في المملكة بعد أسابيع قليلة لاحقاً. بل إن ترامب كان أقل انخراطاً خارج منطقة الخليج، وكل ذلك بينما يتجاهل الفوضى الجارية في ليبيا، حيث تتنافس روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة (على سبيل المثال لا الحصر) على السيطرة.
سوف يكون شرق أوسط أقل مركزية في توفير إمدادات الطاقة العالمية أقل أهمية بالنسبة لأميركا. ربما تملأ روسيا الفجوة الناجمة، لكن مصالحها الإقليمية ضيقة، مثل تصميمها على الاحتفاظ بمينائها على البحر الأبيض المتوسط في ميناء طرطوس في سورية. وهي لا ترغب في -وربما لا تستطيع- بسط مظلة أمنية عبر شبه الجزيرة العربية. ومن جهتها، حاولت الصين إبقاء نفسها خارج سياسات المنطقة، ساعية إلى جني المكاسب فحسب: عقود إنشاءات في الجزائر؛ امتيازات ميناء في مصر؛ ونطاق عريض من الصفقات في الخليج.
مع ذلك، بينما تصبح الدول العربية أفقر، فإن طبيعة علاقاتها مع الصين سوف تتغير. ويحدث مثل هذا مسبقاً في إيران، حيث خنقت العقوبات الأميركية عوائد النفط. هناك، يناقش المسؤولون إبرام صفقة استثمار طويلة الأجل، والتي يمكن أن تشهد الشركات الصينية وهي تطور كل شيء في إيران، من الموانئ إلى الاتصالات. وستكون هذه الصفقة مؤطرة كـ”شراكة استراتيجية”، لكن النقاد يخشون أنها يمكن أن تترك الصين مع سيطرة محكمة على البنية التحتية التي تنشئها، كما فعلت في بعض الدول الآسيوية والأفريقية المدينة. ويمكن أن تفرض عوائد النفط المتناقصة هذا النموذج على الدول العربية -وربما تعقِّد ما تبقى من علاقاتها مع أميركا.
لا طريق للخروج
اسأل الشباب العرب أين يحبون أن يعيشوا، وثمة فرصة كبيرة لأن يختاروا دبي. وقد وجد استطلاع أجري في العام 2019 أن 44 في المائة نظروا إلى الإمارات العربية المتحدة على أنها البلد المثالي للهجرة. وفي كثير من الأحيان، أطَّر الشباب إعجابهم بإبراز التناقضات مع بلدانهم. مع كل عيوبها، تعرض دبي (وجاراتها) شيئاً غير معتاد في المنطقة: الشرطة نزيهة، والطرق معبدة جيداً، والكهرباء لا تنقطع.
بينما ينهار اقتصاد لبنان، يتحدث الجميع هناك عن الهجرة. ومع ذلك، ثمة القليل من الوظائف في الخليج. تقول لبنانية: “دبي كانت دائماً المهرب. والآن، يبدو الأمر كما لو أننا عالقون، من دون خطة احتياطية”. ولدى الشباب في كل أنحاء المنطقة نفس النوع من المخاوف. تبدو مصر بلداً يتداعى تحت ثقله الخاص؛ والأردن دائماً في أزمة. وبعد مرور عشرة أعوام تقريباً على إشعال بائع فاكهة تونسي شرارة الربيع العربي، ما يزال الإحباط الذي جلب الثورة حاضراً. ويمكن أن تجلب نهاية النفط التغيير المنشود. لكنها سوف تجلب الألم أولاً.
 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Twilight of an era: The end of the Arab world’s oil age is nigh
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات