Monday 19th of August 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jul-2019

الشخصيات في رواية «حُرمتان ومَحْرَم» لصبحي فحماوي

 الدستور-د. ريم الحفوظي-  جامعة الموصل

تنقسم شخصيات هذه الرواية الى شخصيات رئيسية وثانوية ولكن اذ ارادنا ان نقارب افعالها على وفق مشروعية الانطولوجية الوجودية التي قامت على اساس البحث عن عبثية الحياة وما يمكن ان تفعله للانسان من حيث التعامل مع الواقع العديم المعنى، فكل شخصيات هذه الرواية على وفق الرؤية الوجودية تخضع لمفهوم الازمة التي يمكن ان تصل الى الغثيان، فاللحظة الوجودية ارتبطت بهوية المكان المحاصر والقيود التي مثلت تضاريس الحياة الروحية والمادي، فالعوز المادي والقهر الجسدي ذات الابعاد المكانية المحددة بالتضيق والتفتيش والبطالة واضطراب الحركة والسكون الحياة وتداخل الموت والحياة ومحاولة الضحك والفرح في مواقف الموت شكلت بداية الازمة النفسية والجسدية التي تعانيها هذه الشخصيات فهي تشعر بانها مراقبة من قبل العدو ومقيدة الحركة، لذلك نجد ان لحظة ان التاثيث النفسي او متطلبات الحياة ارتبطت بلحظة الصمود او التضحية والاستشهاد، فالاستشهاد او الموت الموجل الذي تعانيه الشخصية الفلسطينية من حيث ان كل شيء معرض لطلقة طائشة من دبابة او رشاشة تقهر الحياة فالحياة تحت ضغط المدافع والجوع والياس شكل قلق وجودي عانت منه اكثر الشخصيات فنضال بين لحظة الحب يتناثر مع اشلاء جعفر التي تنتهي حياتهم بالموت « - دعنا نغادر المكان، أريدك أن تعيش، كي أبقى أراك في الحارة. . !
- نحن في معركة تحدٍّ معهم.. إنهم يدخلون حارتنا! يجب ألا ندير ظهورنا لدباباتهم. . اقتربي مني يا عائدة. تعرفي يا عائدة، عندما أقترب منك، أشعر بالسعادة، وبأنني في بيت الأمان. أحبك يا عائدة. . يقترب منها.. يدفعها باتجاه كومة هياكل السيارات المحروقة، ثم يختفيان عن الأنظار خلف كومة جذوع الأشجار المخلوعة.. أعطيني بوسة يا عائدة. . يحتضنها فتدير وجهها بعيداً..!
- أنا خائفة..! ......... - ممن تخافين؟ ...... - عين الدبابة علينا.. انظر! إنهم يراقبوننا من فوهة المدفع.. أريد أن أعود إلى بيتنا، تعال نهرب من هنا..!...... - سأبقى هنا.. !
يقضم رغيف الشطّة الحارّة على دفعات، وكل حجرين أو ثلاثة أحجار، تليها قضمة خبز ملتهبة بالشطّة.. ! 
من قال: إن العين لا تلاطم المخرز ؟
تشاهد عائدة أخاها جعفر الأسمر يقترب من الجرف، فتهرب مسرعة. 
يقترب جعفر الأسمر من رفيقه نضال شلهوب الواقف في أرض منخفضة لمزرعة جرفتها الدبابات، واقتلعت أشجارها، ولم تخلِّف وراءها سوى حفريات، ورمالٍ يتنطط فيها أطفال الحجارة، وبقايا أشياء، وهيكل عظمي لحمار نافق، ومرتفعات تربض فوقها الدبابات الغازية.. يلاحظ جعفر الأسمر أخته عائدة، عائدة من عنده، فيسأله: - ماذا كانت عايدة تعمل هنا؟ 
- كانت تعطيني رغيف خبز بالفلفل، أرسلته لي أمي..  فيناكفه جعفر قائلاً ً:- نعم يا رفيق.. ! يد على الزناد، ويد على الفلفل.. صاروا يصنعون بارود المدافع من حرارة الشطة! وبسبب الشطة الحارة، والرشح الذي يهدُّه، ومرض الحساسية الذي يضعف بنيته، يمسح نضال شلهوب المخاط المنساب من أنفه بطرف قميصه، بينما ريح عاتية تهب من جهة الدبابات الرابضة فوق تل النفايات المجاور، فتحمل معها ما يتطاير من قاذورات ترتطم بوجهيهما، وهو يرد على جعفر الأسمر متضايقاً: «نعم.. ؟! أنت هنا فقط للمسخرة، وقلة الحياء، والتهكم على عباد الله.. بدل أن تقذف عليهم حجرين ثلاثة. ! تأتي هنا فقط (للفلفسة)، وخذ منك تعليمات. !» 
رغيف الخبز المدهون بالأحمر يُشعِر جعفر الأسمر بالجوع، ونمنمات الفلفل الأحمر الحار تتفاعل وتشاغب داخل معدته، فيعود باتجاه بيتهم ليطالب أمه برغيف شطّة مماثل، أو شريحة يُصبِّر بها معدته المطالبة بالطعام.. لا يصل إلى حافة الشارع، إلا وهو يسمع طلقات بارودة قناصة.. يلتفت إلى الوراء، فيشاهد ابن جيرانهم نضال يسقط مصاباً بعيار ناري. يهجم ليسعف رفيقه، ويركض باتجاهه، وما تزال تنطلق رصاصات متفرقة نحو المكان... يشعر لحظة بالخوف، وتتملكه الشجاعة في لحظات أخرى، ثم ينتابه شعور بعدم القدرة على الوفاء لصديقه في لحظات قاتلة. لماذا أنا بالذات المكلف بحمل الأمانة؟ أتقدم باتجاه طلقات الموت. هذه ليست مسؤوليتي. لا بل مسؤوليتي! إنه رفيق عمري! تنتابه أحاسيس متصادمة وهو يتقدم باتجاه نضال، الواقع بين الأنقاض، بينما هو واقع بين الخوف والشجاعة، وروح المسؤولية والتخلي عن المسؤولية والمحبة والجبن والشهامة والاندفاع والتضحية والأنانية وحب الوطن والنذالة والضيق وواجب الإسعاف و(يا روح ما بعدك روح) و(الهروب ثلثي المراجل). شعور الخوف يدفعه للهروب إلى الأمام باتجاه الجريح نضال!
إذا استشهد نضال- لا سمح الله - فسوف تشبع الدبابة نهمها في القتل، ولن تتابع قتل الرغيف الذي يسقط مغشياً عليه، فتتعفر الشطّة الحمراء بالتراب، وتمتزج معها قطرات الدم.. ! وحتى الأسد يكتفي بفريسة واحدة.. وعلى أساس الثقة بأن أشرس الوحوش لا تفعلها. . يعود جعفر الأسمر، فيهجم باتجاه صديقه نضال شلهوب، ويضع يده تحت رقبة الطفل الذي يتلوى على الأرض ولكنه لا يصرخ، يبدو أن الإصابة بسيطة.. لا، لا، قد تكون قاتلة، والصبي قد أسقط في يديه، يدخل الطفل جعفر الأسمر يده اليسرى تحت فخذي صديقه نضال شلهوب، ويهمُّ برفعه إلى أعلى، ليأخذه إلى أهله، أو إلى أقرب مستشفى يعالج الإصابة، ولكنه يفاجأ برصاصات أخرى تخترق جسده هو شخصياً.... ! لا، لا، ليست رصاصات موجعة، ذلك لأنه لم يحس بها مؤلمة، يشعر بأن شيئاً ساخناً يخترق جسده، فيتهاوى الطفل، وينزل حمولته، ويقعي مُسجياً رفيق عمره على الأرض.. وجعفر الأسمر لا يُصدِّق أن هذه الهياكل الحديدية العملاقة المجنونة، مُصمِّمة على فتح معركة متكاملة بينها وبين رغيف الطفل المحشو بالفلفل..! ترى هل تثيرها حرارة الشطة، فتفتح شهيتها على جنون القتل؟ وهل قتل الدبابة للطفل، يتم بهدف خطف رغيف الخبز من فمه؟ وهل تحسد الدبابة نضالاً على رغيف خبزه المحشو بالشطة، فتقوم بتشليح الطفل من حياته، لتنعم هي برغيف الشطة؟ أرض اللبن والعسل..! أرض الشطة والعسل..! أرض الشطّة والشطّة، أرض القتل والعسل..! أرض القتل والقتل.. ! 
يستمر انهمار زخات طلقات غزيرة، تنغرس في جسدي الطفلين، وفي الرمال والصخور المحيطة... والمركافا الحضارية الديمقراطية العظمى تتمطى في الوقت الضائع بلعبة تمضية الوقت، وتتسلى بتجارب ممارسة المهنة، فقط لتتأكد من مدى فعالية سلاحها، ودقة إصابته. مجرد قتل تجريبي، أو تجريب القتل.. أو كنوع من عرض العضلات.. أو نوع من التمرين الرياضي الصباحي الذي تجريه كل يوم، فتحرك خرطومها الطويل بأوامر الكمبيوتر الخفي... يمين، يسار.. يمين.. يسار.. فوق.. تحت.. فوق.. تحت.. استرح.. استعدّ.. استرح.. استعدّ... !رماية.. !طُرررررررررررر طلقات تشبه بَرَدَ الشتاء، الذي يضرب الأرض بقوة، إلى أن يرتميا فوق بعضيهما والدماء نقطتان.. ليستا بقعتي دماء، بل نقطتين حمراوين تجفّان بسرعة، ذلك لأن الطفلين يعانيان من فقر دم حاد، فلا ينزفان كثيراً.. تتلاشى الأشياء من ناظريهما.. وتختفي الألوان، فلا يبقى سوى (الأبيض والأسود)» 
في رواية (حرمتان ومحرم )، يشكل الهروب من الواقع لحظة البحث عن حياة جديدة مثل سفر غازي الغائب الحاضر في الرواية، او التعرجات والتقلبات التي تعانيه شخصية جهاد الاسمر بتحوله من حداد يبحث عن لقمة العيش الى مجاهد والتي بدات في تغير ملامح جسده من حيث اللحية والاتجاه التصوفي والزهد بحب الدنيا والنساء والتخليب عن كل شيء لكي تنتهي حياته بتطاير اشلائه وتفكك جسده الذي حمل معان كثيرة من حيث التضحية من اجل القضية، ولا أريد ان ادخل في متاهة الفلسفية الوجودية المؤمنة اللاهوتية التي تجد ان الموت من اجل الوطن ليس انتحارا انما هو دفاع عن الحياة فهي الموت من اجل الحياة. 
ولكي يتم تشكيل الشخصيات على وفق هرمية وابعاد تحاول ان تؤثر وتتاثر بالاحداث لا يمكن ان نتجاوز شخصية ابو غازي وابو مهيوب، فالنمطية والتراتيبية التي تعيشها شخصية ابو غازي من حيث سكون هذه الشخصية التي تملك دكان بقالة تعد بحد ذاتها، تحمل معان تمثل السكون والرضوخ للامر الواقع، فكل ما تقدمه هي في مساعدتها على تحريك سيرورة الحبكة والاحداث من حيث تاثيرها وتسهيلها مهمة السفر لتغريد وماجدة « (أبو غازي*)، صاحب دكان الفالوجة ذي الزبائن الذين يأتون، ولا يأتون... يستمعان إلى الأخبار، فلا تبقى إذاعة تبث برنامجاً إخبارياً، إلا ويبحث أبو غازي عنها.. تجده يتشمّم الأخبار، لعل وعسى يكتشف نوراً في نهاية نفق العروبة المظلم، وأحياناً يتابع الأخبار وهو يلعب معه ورق الشدة، وأحياناً يساعده في رش ماء على خضار الصناديق، كي لا تذبل بسبب الحر، وبسبب ضعف القوة الشرائية، فيضطر أبو مهيوب للمشاركة في الخدمة، ويتسلى معه برش الماء، وترتيب عرضها سائلاً: كيف حركة سوق الخُضرة اليوم يا (أبو غازي)؟ فيجيبه أبو غازي وهو يعالج خضاره الذابلة قائلاً: مثل العمى.. ! الأحوال تتردى يوماً بعد يوم... فالحاجز الثالث عشر الذي وضعوه بين المعسكر والمدينة، خنقنا، وجعلنا ندور كل يوم في حركة التفافية، ونقطع حفريات ومتاريس وخنادق وطرقات وشوارع ترابية طولها ألف عام.. فتواجهنا لافتة مكتوب عليها: (قف! ممنوع المرور.) ثم لافتة غيرها مكتوب عليها (قف! ممنوع الاقتراب!) وأينما تتجه، تصدمك لافتة تقول:( قف! الطريق مغلق!) 
ولكن لا يمكن ان تخضع شخصية ابو مهيوب للروتينية والنمطية التي كانت تسجلها في ارض الوطن من حيث كونه استشاري في الزراعة والتي يحدث عليها تغيير طفيف من حيث بعد ان سافر الى ولاية الرمال فتغير حاله وتزوج من ماجدة وتغريد « وهو  رجل في الخمسين من عمره.. «
 ولكن الديناميكية التي تحرك احداث الروية من حيث تغيير المكان ونمط العيش تمثلت في شخصيتي «تغريد وماجدة « إذ تمر تغريد بجمالها الأخّاذ من أمام محددة العودة، فيقف الحداد جهاد متملياً وجهها المشرق، وجسدها الفتّان، وكأنها برق يضيء ليل تجاويف ذاته، فتتسارع دقات قلبه، منتشياً أمام تقدمها بسعادة لا توصف، ثم المنهار بغدوها، بعذاب لا يرحم. بريئة الإطلالة... عينان حييّتان حذرتان، تنأيان عن حُفَر الطريق المزروعة بالنفايات، شقراء شفافة زهرية، ناهد الصدر، هضيم الكشح، ريّا المخلخل.. تذهب إلى كُلِّيتها، ناثرة خلفها عبير عطرها الياسميني الفواح، بينما ملابسها البسيطة المختارة بعناية، تبرز تضاريس جسدها، وتضفي عليها تلك الأنوثة المحتشمة!»
التحولات الكثيرة التي خضعتها هاتين الشخصيتين من حيث التحول في مكان محاصر الى مكان آخر، ولكن له حصار اخر، الا وهو الحصار النفسي وتخمير الجسد او لبس الخمر فكل شيء يدور حولهما من حيث تغلب بوصلة الحب وانتهاء عهد الحب من جهاد بالنسبة لتغريد وغازي بالنسبة لماجدة، وتزوجهما من ابو مهيوب « فيوم الخميس، تكون تغريد هي العروس الأولى، فينجح أبو مهيوب في المهمة، ويثبت هيبته زوجاً فعلياً لهذه المعلمة الجميلة. . يشق الشمامة الزهرية، فتفوح من جنباتها رائحة عطرية أشهى من ياسمين يافا المفضل لديه... يشعر في ثناياها بمتعة من يتعبّد في محراب تملؤه المحبة واللّذة... يدفن رأسه في أريج ساحرة من ساحرات ألف ليلة وليلة، ويشمشم بأنفه المحروم عطور الجنة... جواهر لم يحلم بها، ولم يصدق نفسه أنه يعيش معها وفيها وبها..... وفي لحظات كثيرة يعود فيحاول التأكد فيما إذا كان في حلم، أم في علم، فيقرص خدّه، ثم يتأكد أنه موجود في هذه الجنة الساحرة.. طبعاً هو لا يعرف نظرية (... أنا أقرص خدِّي، إذن أنا موجود.. !) ولكنه يعرف مقولة (بس بتطلع بعيوني. . بالليل يا عيني، بالليل.. !) لا يتطلع بعينيه فقط، بل يتحسس بأصابع يديه وأنفه وفمه ولسانه وقلبه، وذلك أضعف الإيمان... وفي الخميس الذي يتلوه، يستطيع أن يخترق كل القيود الجميلة، والغلالات الشفافة الزهرية التي تحف بالعروس ماجدة!
كانت افعال الشخصيات وتحركاتها ذات حسابات جسدية ونفسية والموت له حدود ومراسيم، فطقوس الموت ترتسم في لحظة المواجه بين الجسد والدّبّابة فالالة اصبحت شخصية قهرية تتحكم بجسد وحياة الشخصيات، فالدّبابة والجرافة هي التي تغير الاحداث وتحول لحظة الحياة الى موت، والتطور التقنية والحضاري كان لحظة متعة للشخصيات التي سافرت الى ولاية الرمال. اما في داخل المنطقة المحاصرة، فقد تحول الى الهة قتل ودمار وغلبة فالمعرفة والتقنية قوة... ولابد من التطرق الى شخصية المجند اليهودي التي وصفته الرواية بالالة وهي تعبير عن فقدان المشاعر والعواطف وكل معاني الانساني فحضور شخصية العدو ارتبطت بمكانية الدبابة والرشاشات والتفتيش والحواجز والجرافة والقتل والموت والطلقة فكلها تعابير عن مصطلحات حربية تحاول ان تروض الجسد عن طريق اخضاعه واذلاله، وتسكينه، او تهجيره، او قتله.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات