Thursday 3rd of December 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Oct-2020

ديوان «قصيدة متأخرة إلى فاطمة»: تفاعل العاطفي والاحتجاجي

 القدس العربي-رياض خليف

قدم منصف الصالحي في هذا العمل الذي يشكل باكورة أعماله، مجموعة من القصائد متفاوتة الطول، لعل أطولها القصيدة التي حملت عنوان المجموعة «قصيدة متأخرة إلى فاطمة» التي وردت في عشرات الصفحات.
تخيم شخصية فاطمة على هذا العمل، فهي تحوز مكانة مهمة في بهوه، تتصدر العنوان الرئيس والعناوين الداخلية وتتمحور حولها فاتحة الكتاب المقتضبة. لكنها تظل سؤالا مؤرقا للقارئ: «من تكون فاطمة؟».. أي فاطمة هذه؟ هذه التي يخرجها الشاعر من العالم اليومي والعادي، ليبث فيها شجن الروح والتاريخ:
«أقفو خطاها حزينا كطفل يتيم/وأذكرها لحقول القمح والزيتون/فتحملني لفاطمة مراكب الشوق/وتهدهدني الأغاني القديمة والأساطير».
يراود هذا السؤال القارئ لكنه لن يستقر على أمر ففاطمة متنقلة ومتلونة من صورة إلى أخرى. تتقلد صور الحبيبة والأم والبنت والوطن، ويشحنها الشاعر بالكثير من الرمزية. جمع فيها الكثير من الصور الاستعارية، فهو حينا ينحتها من صورة الأم، وحينا من صورة الحبيبة، وحينا من صورة البلاد وغير ذلك من الصور التي نحت منها صور هذه المرأة الخيال. فهي شخصية ورقية متخيلة
تعمد الشاعر تلوينها وتقليبها، كي تكون جامعة وحاملة للكثير من الأبعاد. وهو ما أشار إليه في تقديم موجز.. «فاطمة شخصية مركبة متعددة الأبعاد، فهي الزوجة والحبيبة، وحينا هي الأم، وحينا آخر هي الوطن. كل ذلك يدور في سياق تاريخي ومكاني هو الآن وهنا». فتخضع فاطمة لمختلف الأغراض الشعرية، من غزل ورثاء وشكوى حنين، وغير ذلك من الأغراض، وتتقمص مختلف الأدوار.
يعيدنا الصالحي بهذه التجربة الفاطمية المتخيلة إلى سؤال كثيرا ما طرح في مدونة الشعر العربي، حول النساء اللواتي يرد ذكرهن في القصائد، وحول فرضية يطرحها البعض، ويعتبر فيها أن لا وجود حقيقي للكثير من النساء اللواتي تغنى بهن الشعراء العرب القدامى، لطبيعة المجتمع العربي القديم، وأن الأمر مجرد تخييل. ولعلنا نضيف تجربة الصالحي إلى هذا الموقف، الذي يعتبر الكثير من نساء الشعر القديم مجرد أطياف، وأن الشاعر العربي قد اخترع نساء لشعره ليحقق نوعا جماليا.
يكتب الصالحي فاطمة وقصائدها بلغة شعرية حديثة، تفوح منها رائحة الاحتكاك بالقصيدة العربية القديمة، متشبعة بالموروث الشعري بمختلف أغراضه، تتردد بينها أصداء الشعر العربي القديم. فكثيرا ما ضربت الصور الشعرية في مضارب القصيدة العتيقة واحتذتها في صورها ومصطلحاتها، فنجد توظيفا لمكونات السماء، وهي المكونات التي تنتمي إلى الرومانطيقية، وتحيل على ذاكرة عربية نشدت العلو والتعالي، واستعارت صور السماء لترسم حكامها وحبيباتها، ولتشبه أحوالها مستدعية الغيوم والأقمار والبدر والنجوم والبرق والسحاب، وغير ذلك من زينة السماء. في هذا النهج يسير منصف الصالحي في بعض قصائده مزينا خياله الشعري بألوان السماء:
«يا حبيبي اسأل الليل/كم هو نجم/ونجم تجلى/سترى قلبي
في غفوة عينيك /فانوسا تدلى»
ويستعيد الشاعر الكثير من المناخات الغزلية العربية التقليدية فتبزغ بين قصائده صورة الأطلال وديار الحبيبة:
مررت بدارك بعد الرحيل فشاقني
أن حبي يسح في القلب دمعا ولا يستحي
وعاجلت أرضا أمرغ وجهي
على وطء الحبيب قبل أن يمحص»
ويمتزج الخطاب الغزلي بالخمريات والكأس:
كأن ذكراها كأس
على الشفاه تعانقا
فالتصوير الشعري على حداثته يغترف من التصوير العربي التقليدي، ويحاول التواصل مع الذاكرة الشعرية العربية. لكن جريان هذا العمل الشعري، وأغلب قصائده على استعارة شخصية فاطمة، التي أشبعها الشاعر حبا وغزلا ورثاء، وغير ذلك من المواقف، لم يقصر هذا العمل على العاطفي والوجداني، بل فتح الشاعر قنوات على السياسي، فحملت بعض القصائد طابعا سياسيا ولغة احتجاجية على الراهن.. فهذا العاطفي والوجداني يمتزج بالسياسي،
عرفنا الحب /لما رأينا البدر/ينسكب في جبينك/لينام كالطفل على ثدييك/عندما تبسمين/وأنت تمرين/تنزع الشوارع لافتات الأحزاب /وأعلام المنافقين/ ويحييك الأطفال/ والعمال.
لعل هذا المقطع يمزج بين خطابين: خطاب الغزل والحب والأمومة، وخطاب سياسي رافض. تخرج فاطمة من بعدها العاطفي الأمومي، وهو بعد فردي، إلى بعد جماهيري، فتصبح رمزا لدى الأطفال والعمال وتكتسب حلتها النضالية.
هذا التنويع في صورة فاطمة يصل إلى توظيف امرأة الخطاب الإشهاري:
تصدمني صورتها /فاطمة/امرأة تضحك /تغمزني في هزء/معلقة في علامات الإشهار.
فتصبح الكتابة الشعرية احتجاجا ورفضا للواقع السياسي، وتصويرا لمشهد التأزم والخيبة، وهو ما نلمسه في مواقف كثيرة من هذا الكتاب:
أحزابنا دكاكين خالية/تعمرها الجرذان والخنافيس/وفكرنا يؤس وأوهام وتزييف/وصراعنا على المناصب/غش وطعن في الظهر وتشويه.
تألم لأحوال البلد وكتابة أخرى بخيبة زمن الثورة… ينحو الصالحي في بعض قصائده إلى السخرية، ولعل القصيدة الفيسبوكية تبدو نموذجا لهذه السخرية من زمن الفيسبوك وانعكاساته على المشهد العام.
بلكجتني حبيبتي
فقد تخاصمنا بدونما سبب
وكم كنت أجاميها بلا عدد
بدلتني فسختني طردتني
فقد ضحكت مرة واحدة
ويسخر الشاعر من أدب الفيسبوك:
أهذا شعر أم شعير
ينقرونه نقر السردوك
كأننا في عرفهم بقر
ولعلنا نقول في ختام هذه القراءة السريعة أن منصف الصالحي جعل من فاطمة مشروعا إبداعيا تخييليا يمارس عليه فن الشعر ويجري عليه اللعبة الجمالية، لكنه يقول من خلاله مواقفه ورؤاه ويكتب المشهد العام وآلامه…