Wednesday 20th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    03-Dec-2020

عبثية اليقظة في زمن الجائحة: العيش في الحاضر لم يكن طاغيا أبدا هكذا

 الغد-كاثرين نيكسي – (مجلة 1843) 27/11/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
كنت أتطلع إلى هذه الوجبة منذ أسابيع. كنت أعرف مسبقا ما سآكله: مقبلات من الخبز المحمص بإكليل الجبل، ثم طبق رئيسي من لحم الضأن مع البطاطا المقلية. أو ربما سمك القد. خططت للوصول مبكرا والجلوس عند النافذة على المنضدة الرخامية الرائعة، ومشاهدة لندن وهي تمر من أمامي. وفي صخب المطعم الدافئ، سوف يتكاثف البخار على الإطار. وكنوع من تدليل الذات، سوف أطلب لنفسي كأسًا من النبيذ الأبيض بينما أنتظر صديقي.
لن يفاجئك أن تسمع أن تلك الوجبة لم تحدث أبدا. بدأت حالات الإصابة بفيروس كورونا في الارتفاع بشكل كبير، وأصبح تناول الطعام في الخارج أقل شبها بالتساهل وأكثر قرابة مع الجنون. ثم أصبح من غير القانوني تناول الطعام مع الناس على الإطلاق. وسرعان ما أصبح من غير القانوني حتى أنت تأكل في مطعم وحدك. ثم أُغلق كل شيء.
وقد تراكمت تكلفة وجبات الغداء الضائعة تلك عدة مرات: القطارات لا يركبها أحد، وسيارات الأجرة لا يستوقفها أحد، والحلويات لا يأكلها أحد، والنوادل لا يتلقون إكرامية من أحد. ثم هناك الخسارة العاطفية أيضًا. الأرواح تذبل، والوحيدون يصبحون أشد وحدة، والعالم يضمحل. لقد عطل “كوفيد” بالفعل الكثير من طريقة عيشنا. وقد غير شيئًا آخر أيضًا -الوقت نفسه.
منذ وقت ليس ببعيد، كانت لدينا شهور وسنوات فقط. كانت الأشياء تحدث في نوفمبر أو ديسمبر، في العام الماضي أو في هذا العام. وثمة بعض الأحداث الكبيرة جدا حتى أنها تقسم العالم إلى ما قبل وما بعد؛ إلى الحاضر وماض لا يني يزداد غربة. الحروب تفعل هذا، وقد فعله الوباء أيضاً. لقد حفر فيروس كورونا خندقًا عبر الزمن.
أصبح الماضي القريب جداً فجأة بلداً آخر. الآن، أصبحنا نستكشف مثل علماء آثار هواة، وجودنا نفسه؛ نفرز ممتلكاتنا ونتعثر بآثار صغيرة من “ذلك الحين”، ذلك المكان الغريب الذي اعتدنا أن نعيش فيه: ممر حافلة، أحمر شفاه، ساعة ذكية، زوج من الأحذية بكعبين باليين، ملابس العمل التي تبدو -بعد ستة أشهر فقط من ارتداء الملابس المنزلية الناعمة- قاسية وغير معقولة مثل عظام حوت.
أخبار اللقاحات تملؤنا بالأمل. لكن مسائل التوقيت، والاستيعاب، وانتقال المرض إلى النفوس العادية، لم تُحل بعد. وما يزال المستقبل الفعلي يمتد أمامنا بكآبة، مع احتمال المزيد من الإغلاقات، واكتظاظ المستشفيات، والخسائر المالية المتزايدة بلا هوادة. والأيام تمتد ممطوطة، كل يوم مثل الذي سبقه. وكل أسبوع يندغم بالذي يليه.
وسط هذه الإلغاءات، ضاع شيء آخر. ولن يظهر في أي جدول بيانات لأنه غير قابل للقياس الكمي. لكنه مهم. الكثير من الحياة، كبيرها وصغيرها، يتعلق بلحظات عابرة مليئة بالأمل. كان احتمال قضاء مساء جمعة مثير أو عصر سبت يجعل صباح ثلاثاء كئيب يصبح محتملا. وكذلك، أيضًا، فعل تصفح الإنترنت لتهيئة نفسك المستقبلية: السترة التي تشعر دائما بالراحة فيها، والحقيبة التي تتسع لكل من الحاسوب المحمول والكتاب معاً.
كان الأمل معلقا في كل مكان في العالم القديم، يحوم في مجال رؤيتنا المحيطية -على لوحة الإعلانات التي جعلتنا نفكر في عطلتنا القادمة، أو التي تذكرنا باستخراج النظارات الداكنة وكريم الشمس؛ بين التوابل في السوبر ماركت، التي تستدعي إلى البال محادثة حول الكاري مع الأصدقاء، والدردشة حول الأشياء التي لا لم تكن تشبه الحياة والموت.
تدور العديد من لحظات السعادة حول الترقب، وفرحة المستقبل المتخيلة -إلهاء أنفسنا عن الحاضر الممل أو المرهق أو الصعب. ومع ذلك، حتى اختياراتنا الاستهلاكية الصغيرة أو تأملاتنا حول ما نفعله في نهاية هذا الأسبوع تعيدنا الآن إلى الواقع الكبير الطاغي للوباء. لا يمكننا الهروب منه. لقد عادت أحلام يقظتنا لتصطدم بالأرض: 2020 هو العام الذي أُلغيَ فيه المستقبل.
في العقود الأخيرة أصبح الحاضر أكثر هيمنة من المستقبل. أصبح العيش في اللحظة؛ حضورنا في حاضرنا، هو الحالة الذهنية المرغوبة في عصرنا. ولا جديد في الفكرة، بالطبع -إنها تشكل أساس البوذية وهناك عناصر منها في العديد من الأديان. منذ زمن بعيد، أمرنا هوراس: “اغتنم الفرصة”، أو “اغتنم اليوم”. وأخبرنا سينيكا بأن الحاضر هو كل ما لدينا: “كل المتبقي من الوجود ليس حيا، وإنما مجرد وقت”.
على مدى السنوات العشر الماضية، أصبحت فكرة “اليقظة” التي كانت ذات مرة انتقائية، شائعة. أصبحت تطلعاً، وفرصة للإعلان، ووصفةً مبالغاً فيها. يمكنك، ليس ممارسة اليقظ فحسب، بل يمكنك ممارسة التنفس المتيقظ، والأكل المتيقظ، والشرب المتيقظ، والمشي المتيقظ، والتربية المتيقظ، وحتى الولادة المتيقظة. (كما لو كانت ولادة طفل شيئًا ربما تفوّته إذا لم تكن تولي اهتمامًا كافيًا).
ليس من الواضح تماماً دائمًا ما هي اليقظة. على الرغم من وعدها بالوضوح العقلي، فإن أصولها تظل ضبابية بالتأكيد. يبدو أنها ترجمة للمصطلح البوذي، “ساتي”، الذي يصعب تعريفه بحد ذاته -فمعناه يقع في مكان ما بين الذاكرة واليقظة. وليست النسخة الإنجليزية ترجمة جيدة ولا هي كلمة تساعد بشكل خاص. كلما طالت مدة تفكيرك في الأمر، كلما بدت كلمة “اليقظة” أكثر غرابة: هذه النسبة إلى الذات الواعية تبدو غريبة عند الحديث عن إفراغ أفكارك. (وهل هي نقيض “الغفلة”؟).
إذا كان تعريف اليقظة بعيد المنال، فإن الممارسة أكثر صعوبة. إن هدفها هو إفراغ عقلك باستخدام عقلك؛ تحريره بتقييده. إنها شيء محير ومتناقض، المكافئ العقلي لتسلُّق سلّم وإزالته في نفس الوقت.
لماذا تدع مثل هذه المشاكل الصعبة تعترض طريقك؟ بعد كل شيء، يبدو أن الحاضر هو الأعطية التي تستمر هي نفسها في العطاء. في السنوات الأخيرة، وجدَت العديد من الشركات الذكية طريقة لإفراغ محافظنا وعقولنا. يمكنك الآن شراء مجلات عن “الامتنان” و”الرفاهية” و”المخططات الإيجابية للعام”. وفي العام 2015، حققت كتب التلوين للبالغين ضربة نجاح مفاجئة: تم بيع 12 مليون مجلد في أميركا وحدها، وفقًا لـ”مسح نيلسون للكتب”. وفي هذه الأيام، ثمة كتيبات إرشادية يقِظة لكل شيء، من الغضب إلى التوظيف. حتى أن هناك تقاويماً لاستباق التفكير اليقظ (من يحتاج إلى الشوكولاتة عندما يمكنك أن تطعم روحك؟). مثل بيع الرمال للصحراء، تزودنا كل هذه الأشياء بالقدرة على العيش في “الآن”.
وقد تكون مُربحة، لكنها تطير في وجه آلاف السنين من التطور. يقول السير كولين بلاكمور، عالم الأعصاب في جامعة أكسفورد وجامعة سيتي في هونغ كونغ، أن الحيوانات مهيأة –بنيوياً- لرد الفعل والتفاعل مع المستقبل. إن التوقع هو جزء لا يتجزأ من البقاء، وهو يظهر حتى في أكثر المخلوقات تخييباً للأمل. تأمل البزاقة البحرية. المس واحدة وسوف تنسحب. استمر في لمسها وسرعان ما تسأم، تتراجع بقدر ما يمكن لبزاقة بحرية أن تفعل، ثم تتوقف عن الانسحاب. يقول السير كولين أن هذا هو التعود، وهو “شكل من أشكال التنبؤ بالمستقبل”.
ويفعل الأطفال ذلك أيضاً، ولو بطريقة أكثر تعقيدا بعض الشيء من الرخويات البحرية. إن لعبة مثل إخفاء الأشياء وإظهارها تجعلهم يضحكون، لكن لعبها يساعدهم أيضا على تعلم أنه عندما يختفي شيء ما خلف شيء، فإنه سيظهر مرة أخرى. وعندما يصبح الطفل معتاداً، يتلاشى الضحك. بطريقة بسيطة يتعلم الأطفال التنبؤ بالمستقبل وتوقعه.
ويمكنك أن ترى ردود فعل مماثلة في جميع أنحاء مملكة الحيوان. أعطِ الشمبانزي حبة زبيب وستشتعل كل خلايا العصبية الخاصة بالمكافأة عنده. علِّم الشمبانزي أن الضغط على زر سيجلب له الزبيب، وسيبدأ دماغه في التفاعل مع الزر كما لو كان هو المكافأة. يقول السير كولين: “تصبح عملية الحصول على المكافأة نفسها مجزية”. إن المستقبل يغزو الحاضر بطريقة فسيولوجية قابلة للقياس. يقول السير كولين: “من الموثق جيدًا أن أدوات تعاطي المخدرات، المحاقن، والرقاقة المجعدة -هذه الأشياء نفسها تصبح مرغوبة”. إن التخطيط شيء أساسي لبقائنا الفيزيائي. كما أنه أساسي لرفاهيتنا العاطفية.
في أحد أيام الخريف المملة في وقت سابق من هذا العام، درجَت طائرة على المدرج في مطار هونغ كونغ. كانت الحالة المزاجية على متن الطائرة مليئة بالإثارة. عندما بدأت المضيفة بالسير إلى الجزء الخلفي من الطائرة، انفجرت موجة من التصفيق. وبشكل غير متوقع، صفقت المضيفة أيضًا. قالت: مرحبا بكم في “عطلتكم الطيرانية” الخاصة. عبارة غريبة. وتابعت: “وقت الرحلة سيكون حوالي ساعة و 15 دقيقة”. ونقرت أزرار الكاميرات وهي تتحدث، وكان هناك المزيد من التصفيق.
كانت الرحلة مشواراً إلى السحب والعودة. وكان الأشخاص الذين على متن الطائرة قد اشتروا التذاكر، وخضعوا لإجراءات الأمن في المطار، واصطفوا في طوابير وتحملوا المضايقات المعتادة من الانتظار في المطار، فقط ليهبطوا في نهاية لمطاف على نفس المدرج. لم تكن الوجهة هي الهدف: لقد دفع الركاب المال لكي يختبروا إثارة السفر، وتنشيط عضلة الترقب في الذاكرة.
أحلام اليقظة، أو شرود الذهن، كما يسميها المهتمون المتحمسون، هي جزء من التجربة الإنسانية العالمية. في العام 2008، وجدت دراسة لجامعة هارفارد أن الناس يقضون ما يقرب من نصف ساعات استيقاظهم في شرود الذهن -غالبًا حول أشياء جيدة. كان تخيل نتيجة إيجابية دائماً أسلوباً شائعاً لبناء المرونة والثقة في كل شيء، من الرياضة إلى مقابلات العمل. وقد يوبخ المعلمون التلاميذ على أحلام اليقظة في الدروس، لكن الدراسات تظهر ارتباطًا بين أحلام اليقظة والتفكير الإبداعي.
عندما يصل المستقبل حقاً، فإنه عادة ما يكون خيبة أمل: وجبة طعام محبِطة؛ عطلة ممطرة على الشاطئ؛ عطلة نهاية أسبوع مليئة بالأعمال المنزلية. ولكن، ليس هذا هو المقصود. إن أحلامنا هي التي تغذينا. نحن مجبرون على توقع المستقبل، ومع كل الاحترام الواجب للفلاسفة، مجبرون على الشعور بالإثارة تجاهه.
سواء كانت متعتك ذات مرة في الشرب في الحانة أو الاستراحات الصغيرة أو طهي العشاء للأصدقاء أو الذهاب إلى السينما، فإن جزءاً من الفرح الذي قدمته لك كان يتعلق بشكل شبه مؤكد بالتوقع: وضع موعد في مفكرتك، أو حزم حقيبتك للسفر، أو ضرب زر “اطلب الآن” على أيقونة شيء مفقود مهم. وكما هو الحال مع الشمبانزي، لم تكن هذه المتعة خادعة بل حقيقية. لقد ذكرنا الوباء أن البهجة التي نتمتع بها في التخطيط صالحة مثل بهجة الحدث نفسه.
الفلاسفة ومعلمو يقظة الذهن في وادي السيليكون هم المدافعون عن الحاضر، جزئيًا لأنهم يميلون إلى أن يكون لديهم حاضر لطيف (كان سينيكا أحد أغنى الرجال في روما وأقام حفلات عشاء بانتظام لـ1000 ضيف). لكن الحياة اليومية بالنسبة لمعظم الناس أكثر كآبة. هل سيكون شيئاً بالغ السوء إذا شرد ذهنك بينما تملأ غسالة الصحون، لتتخيل نفسك تسبح في البحر قبالة سواحل كرواتيا بدلاً من ذلك؟
عندما يكون الحاضر ساحقاً -عندما تُدمر الأرواح والاقتصادات- يقدم لنا خيالنا ملاذًا مرحبًا به. العقل، كما قال ميلتون، هو مكانه الخاص: يمكنه أن يصنع جحيمًا من الجنة، أو جنة من الجحيم. ربما ينبغي أن ندعه يفعل.
*Catherine Nixey: صحفية ومتخصصة في الكلاسيكيات. كانت والدتها راهبة، وكان والدها راهبًا، ونشأت كاثوليكية. درست الكلاسيكيات في كامبريدج ودرست الموضوع لعدة سنوات قبل أن تصبح صحفية في قسم الفنون في صحيفة “التايمز” (المملكة المتحدة)، حيث ما تزال تعمل.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Mindfulness is useless in a pandemic: Living in the present has never felt more overrated