Sunday 17th of November 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    07-Nov-2019

من الصراع إلى التعايش*إبراهيم غرايبة

 الغد-تؤشر الانتخابات الإسرائيلية إلى التناقضات والخلافات بين الإسرائيليين، فهي تزيد كثيرا على التناقضات بين مواطني أي دولة عربية، فالإسرائيليون ينتمون إلى أكثر من 80 دولة بثقافاتها وجذورها وتاريخها ولغاتها، وتنتظمهم أحزاب واتجاهات كثيرة جعلت تشكيل حكومة تحظى بأغلبية أمرا شبه مستحيل، فأعادوا الانتخابات العامة في محاولة للحصول على أغلبية نيابية، ويبدو الأمر حتى الآن صعبا، وربما يذهب الإسرائيليون إلى انتخابات ثالثة في آذار القادم، لكنهم (الإسرائيليون) برغم كل هذه التناقضات متفقون على الاحتكام إلى التسويات السلمية، والحال أن الانتخابات العامة هي اداة صراع وتسوية صراعات، وليست بالضرورة توافقات سياسية واجتماعية.

كيف يمكن للعرب أن يلتزموا عقدا اجتماعيا يستوعب التعددية والاختلافات السياسية والاثنية والطائفية والمصالح والطبقات المختلفة، كيف يستطيعون ان يبنوا سلاما بعد نزاع داخلي عرقي أو إثني أو قبلي أو ديني أو مذهبي أو سياسي أو جهوي عنيف؟ ليس الحديث هنا عن المواجهة الفكرية و/ أو الدينية مع التعصب والتطرف والكراهية والصراع على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية، ليس تقليلا بالطبع لأهمية العمل الفكري في بناء الاعتدال والعيش المشترك والتقبل المتبادل، وليس أيضا عن دور التشريعات والقوانين والمؤسسات الرسمية والسيادية ومسؤوليتها في بناء المواطنة والمساواة والوحدة وسيادة القانون، وليس ذلك أيضا تجاهلا لأهمية هذا الجانب، العكس فهو الأكثر أهمية.
لكننا نحتاج أن نفكر على مستوى الأفراد والمجتمعات والجماعات؛ ذلك أنه لا يمكن للتشريعات والقرارات السياسية أن تنشئ السلام وإن كانت تحميه و/ أو تشجع عليه، ومن المؤكد أن دولا مثل العراق وسورية وليبيا ولبنان واليمن لم يكن ينقصها إرادة سياسية في الوحدة والتماسك، وكانت تملك أجهزة ومؤسسات أمنية وتنظيمية وثقافية وموارد كبرى مسخرة لأجل الوحدة والتماسك، لكن ويا للغرابة تبين أنها تملك بيئة للانقسام والنزاع والكراهية والتطرف!
الحال أنه لم يعد ممكنا تصور بناء السلم من غير مشاركة مجتمعية واسعة وبطبيعة الحال من غير مدن ومجتمعات مستقلة قادرة على إدارة أولوياتها والتأثير في السياسات والمصالح باتجاه مصالحها وأهدافها، فالمجتمعات هي التي تحول السياسات والتشريعات إلى أسلوب حياة يعمل تلقائيا من غير قهر مؤسسي وسلطوي، ولا يمكن بدون هذه الشراكة بناء هوية وطنية جامعة تستوعب و/ أو تلطف من الهويات الفرعية، بل يمكنها أن تجعل من هذا التعدد والتنوع مصدرا للثراء الاجتماعي والروحي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، ولكن ولسوء حظ السلطة السياسية وسوء حظنا أيضا لا يمكن بناء هذه الشراكة من غير وجود مدن ومجتمعات حقيقية تملك مواردها وقياداتها المستقلة عن السلطة، وتملك أيضا القدرة على التأثير!
لقد بذلت السلطات السياسية جهودا وأموالا طائلة لأجل تنظيم المجتمعات وتوجيهها، لكنها بوصايتها المباشرة ومظنتها أنها تستطيع حشد المواطنين عندما تلحق بها البلديات والنقابات ومؤسسات المجتمع وتغدق عليها بالإنفاق، وتغمرها بالإعلام والإرشاد!
لكن في المقابل فإن المجتمعات أكثر استعدادا لحمل لمشاعر وذكريات الكراهية والعدائية والرغبة في الانتقام، وأكثر قدرة على المزاوجة بين أفكار ومقولات الاعتدال والواقعية وبين المشاعر البدائية، هذا الذكاء المجتمعي تطور عبر القرون من الاضطهاد، وبخاصة في بيئة معقدة مثل شرق المتوسط؛ لأجل حماية الذات ونقل الذاكرة في شيفرة معقدة تتحايل على السلطة واكراهاتها، .. كانت هذه المشاعر في ذكائها وقدرتها على العمل الحيلة الممكنة والواقعية للحفاظ على الذات، وكانت المهارة الأخرى فائقة الذكاء للكراهية والبداءة في قدرتها على الاندماج والتمويه في جماعات وأفكار واتجاهات أيديولوجية قومية أو دينية وتحويل الجماعات الأصولية والقومية واليسارية إلى كتل معبأة ومنظمة من القبائل والعشائر والطوائف. لكن ثمن هذه الحيلة كان بناء كراهية راسخة مثل كتلة من العفن اكتست بقشرة سميكة صلبة متماسكة وهجينة من الدين والإثنية والتاريخ والأساطير والخرافات، وأسوأ من ذلك ردة إلى الذاكرة العميقة!
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات