Sunday 17th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Jan-2021

«صفر»… رؤية سينمائية عراقية عن الحساب الرقمي للقضية السياسية

 القدس العربي-كمال القاضي

تبدو كل الأشياء غامضة ومُبهمة، صور الناس والشوارع والبيوت والحارات القديمة والأزقة، تتجول الكاميرا في كل الأنحاء والأرجاء، لتستطلع الواقع الذي باتت عليه الأحوال العراقية، كحاصل ضرب الأرقام العددية التي جرت في العملية الحسابية للحروب، والأزمات، والشقاقات السياسية، التي بدأت منذ سنوات، فكرة فلسفية بامتياز لطرح المشكلات العراقية، في ضوء ما تراكم وما يُستجد لجأت إليها المخرجة إيمان خضير، لتضع قضية بلادها في بؤرة العدسة السينمائية، فتحيطها بالضوء لتتكشف الحقيقة كما تراها بعينيها، وتُدركها بحسها المرهف.
تعكس الأزمة الكلية للمجتمع حيرة المثقف العراقي، فنراه مرتبطاً بالكتب والقراءات، مستفيضاً في البحث عن التواريخ والوقائع، ومتراوحاً بين ماض مسطور في الكتب، وحاضر يعيشه بقسوته واضطرابه، فالبطل المفكر والباحث دائم الزيارة لمكتبة عتيقة هي أشبه بالمخزن
المهجور الكائن في سرداب عتيق، والمُغطى بكميات من الأتربة، وهي دلالة على قدم الأفكار الثقافية، وعدم جدواها وملائمتها لتطورات العصر الجديد، المشحون بالتفاعلات والأزمات، التي تحتل الصدارة في المشهد العام، بينما تتراجع الثقافة كمُعطى أساسي من معطيات الحياة، فتظهر في الخلفية كعلامة فرعية، وكأنها صارت فاقدة للصلاحية، أمام سطوة المتغير الجديد بكل أشكالة وتنوعاتة السياسية والاجتماعية والفردية، أو أنها الحل السحري لكل المشكلات، فتتم التوصية بالرجوع إليها، وقد يكون هناك احتمال ثالث للمعنى وهو، استعراض فصول التاريخ لرصد المتشابهات التي حدثت على مرّ العصور، وكلها مُعضلات تشير إليها المخرجة إيمان خضير، وترمز بها إلى غربة المثقف وحيرتة والوحشة المخيفة التي يعيشها في بلاده ومجتمعه، ويعاني منها الآخرون أيضاً، لكنهم لا يملكون أدوات التعبيرعنها فيتحايلون عليها بالمعايشه القسرية.
 
وعلى امتداد الخط الدرامي التراجيدي للفيلم حرصت المخرجة على رصد الفارق الشاسع بين الواقع الحي في الشارع العراقي، وانشغال عوام الناس باحتياجاتهم الأساسية، وحالة البطل المهموم بما هو أبعد من مجرد الاحتياج اليومي.
 
تحافظ المخرجة على الصورة التقليدية للمثقف العراقي ـ العربي كنموذج للنشاط والدأب والانشغال بقضاياه المصيرية، فهو معتد بذاته متواضع في هندامه ومظهره الخارجي، غير عابئ بالشكل اعتماداً على امتلائه الداخلي وثقته في جوهره الأصلي المُتصل بأمانته تجاه رسالته الثقافية والإنسانية فهو متماه في قضيته ومُخلص لها فلا يرى لنفسه وجوداً بدونها، وهو ما يمثل نازعاً مثالياً حرصت عليه إيمان خضير كمخرجه وصاحبة رؤية طوال الزمن الدرامي للفيلم، في تأكيد واضح على نزاهة الطبقة المثقفة وخروجها بعيداً عن دوائر الصراع، واهتمامها فقط بالمسألة البحثية التاريخية، كمرجع حتمي للحاضر والمستقبل، فبالفكر وحده تتقدم الشعوب وتنهض الأمم، هكذا كان لسان حال البطل الغارق في أوراقه وكتبه ومثاليته وأحلامه.
وعلى امتداد الخط الدرامي التراجيدي للفيلم حرصت مخرجته على رصد الفارق الشاسع بين الواقع الحي في الشارع العراقي، وانشغال عوام الناس باحتياجاتهم الأساسية، وحالة البطل المهموم بما هو أبعد من مجرد الاحتياج اليومي، ومن ثم ظل صوت الراوي يردد عبارات دالة على أن الصفر هو حاصل الضرب النهائي في حسبة القضية الوطنية والمجتمعية، مع ملاحظة استخدام كلمة ضرب بالتحديد وتكرارها، واقترانها بالقسمة في مواضع كثيرة من الفيلم، فضلاً عن الإضافة الذكية للغة الموسيقى التصويرية، المصاحبة للمشاهد والمُتسمة بالشجن إلى حد كبير لإحداث التأثيرالنفسي والإنساني المطلوب، كنوع من اكتمال الرؤية والهدف وتجسيد الحالة بكل دلالاتها ومُعطياتها ووجوهها المختلفة.
وليس أدل على ذلك من مشهد النهاية الذي ظهر فيه البطل مطوقاً بواحدة من عجلات السيارة الكاوتش في عنقه بعد ظهورها وسط الكادر بوضوح وهي تتدحرج في غير انتظام، بينما يمشي هو بجانبها بالتوازي قبل أن تصير مُعلقة في رقبته، أو يصير هو مخنوقاً بها كحبل المشنقة، في رمزية فائقة الدقة للنهاية المحتومة التي تنتظر من يجهل الطريق، ويحيد عن الخط المرسوم، وهو محمل بالأعباء وفاقد للبوصلة.
كادر التصوير ودرجات الإضاءة المتباينة حسب طبيعة المشاهد كانت بليغة للغاية في إثراء الفكرة العامة، وتزكية المعنى المُطلق المعبر عن الواقع العربي بشكل عام والمعنى الخاص بالواقع العراقي وأزماته وظروفه وملابساته.
 
كاتب من مصر