Wednesday 28th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    01-Oct-2020

نحن والثقافة الغربية

 الدستور-د. مهند غازي الزامل

روت لنا كتب السُّنة النبوية حديثًا عن المصطفى عليه الصلاة والسلام ما نصه : « ما كان مِنْ أمرِ دينكم فهو لي، وما كان مِنْ أمرِ دنياكم فأنتم أعلم به «- صحيح مسلم-.
هذا الحديث الشريف ؛ يُعتبر قاعدة منهجية وضرورية لفهم منطقِ البناء الحضاري والثقافي، إذ أنّه يُفرِّقُ بين الجانبِ العِلميّ المادي الخالص، والجانب الدّينيّ والفكري والإنساني العام. وَوِفقَ هذا الوعيُ ؛ انطلق العرب والمسلمون الأولون يُشيِّدون حضارة فتيّة ًقويّة ًمتفوّقة مادِيّا، في نفسِ الوقتِ الذي تتأسَّسُ فيه على عقيدةٍ وشريعةٍ وعبادةٍ موصولةَ السَّند بالله ربِّ العالمين ؛ فكان التناسق والتناغم والشمول والتوازن مِنَ الخصائص الجليّة للمدنية وبنائها الحضاري العام.
يتضحُ مما قدّمنا مِنْ عَرْضٍ لمفهومِ الحضارة أنّ الجانبَ « المدنيّ « مِن هذه الحضارة ؛ أيّ الشق العِلمي/ المادي هو الذي يمكن اعتباره ميراثًا إنسانيّا عامّا، لا تختصُّ به أمّة دون أمّة، وإنّما كُلّ إنسان وكُل شعبٍ وكل أمة أسْهَمَتْ في صُنعِهِ بقِسْطٍ.
فهذا الإنجاز العلمي/ المادي؛ بتقنيّاته المُبهرة، والذي تشهده الحضارة المعاصرة، أسَّسَ له ومَهَّدَ علماء وباحثون هم من أبناء حضارة العربية والإسلام، سواءٌ في مجال العلوم الرياضية، أو علوم الطِّبّ والفلك، وغيرها، بالإضافة إلى المناهج العلمية ذاتها وفي مقدّمتها المنهج التجريبي ؛ والذي كان نقطة َتحوُّلٍ في الحضارة الجديدة.
ومن ثمّ يكون من حقِّ كُل مُثقَّفي اليوم، بل من واجبهم، العمل على تحصيل هذه العلوم والمعارف بكُلِّ سبيل، والمجاهدة في السيطرة على مناهجها وإمكاناتها ؛ لأنّ ذلك التحصيل هو الشرطُ الأساسي أو أحدِ رُكنيّ النهضة المرتجاة، وبدون تحصيله واكتسابه تظلُّ الأمة في موقعٍ من الضعفِ والتخلف، يتيحُ للأمم الأخرى فرضَ وصايتها الفكرية وغير الفكرية عليها، ويمكِّنُ أعداء الأمة مِن إرباكِ محاولاتِ نهوضها والإجهازِ عليها في يُسرٍ وبدون عناء.
وإنّ تحصيلَ هذه العلوم والمعارف، وإجادة التعامل معها وبها، لا تقفُ قيمته عند المكتسبِ المادي المباشر للأمة، بل تتعدى ذلك إلى تعميق ثقة المثقف بنفسه وإمكانياته، وتحريك إرادته وحَفزِها نحو التَّقدُّم، في حين يُؤدي غيابها وضَعفِ الأمة في تحصيلها إلى انتشار روح اليأس والإحباط ولا سِيّما في الجيل الجديد، ومع هذا الميراث « المدني « تستطيع الأمة أن تفيد من إبداعات الحضارة المعاصرة في وسائلِ وطرقِ التنظيم والإدارة، مع تطويعها وتوظيفها بما يتلاءم والخُلُق الحضاري الأصيل، وبما يخدم طبيعة المجتمع الثقافي الحضاري الأصيل وأهدافه ورسالته الإنسانية.
وهو الشيء الذي فعله عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عندما دوّنَ الدّواوين مُستفيدًا مِنْ تجربة الحضارة الفارسيّة في هذا المجال.