Monday 18th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Jan-2021

فكرة عن قيمة الأدب في عصرنا

 القدس العربي-نبيل ياسين

لن استشهد بأي كاتب أو مفكر غربي، كما جرت عادة كثير من الكتاب العرب ظنا منهم بأن ذلك يعزز كتاباتهم. لن أقتطف فكرة عالمية تعزز قيمة الأدب، أدبنا خصوصا. سأروي ما يشعرني بقيمة الأدب من تجربتي الشخصية، وأستطيع القول إنها تجربة ثلاثة أو أربعة أجيال منذ النشوء الحديث لدولنا بعد الحرب العالمية الأولى.
في عام 1964 دعا أخي ـ المعلم ـ زميلا معلما تخرج معه من معهد المعلمين، كان قد تعين في أحد الأقضية التابعة لمحافظة العمارة (ميسان) في شرقي جنوب العراق.. إلى مائدة الغداء، كان قد ترك عدد شهر تموز/ يوليو من مجلة «الآداب» اللبنانية الشهيرة. وبعد الغداء سألته ما إذا كانت الآداب تصل العمارة فقال بالطبع، ولكنني في بغداد منذ خمسة أيام، وخشيت حين أعود إلى العمارة فأجدها قد نفدت، فاشتريتها من بغداد. كانت محافظة العمارة من المحافظات المهملة من قبل الحكومات المتعاقبة، وكانت توصف بالتخلف، رغم أنها إحدى أهم سلال الغذاء للعراق. كانت «الآداب» تنفد في أقضية ونواح بعيدة، كما تنفد مجلات أدبية أخرى. وحين نشرت قصيدة لي في «الآداب» عام 1970 أذاع البرنامج الثاني في الإذاعة المصرية (نقد العدد الماضي) وهو تقليد حرص عليه مؤسسها سهيل إدريس بتكليف ناقدين شهريا لنقد قصائد «الآداب» وقصصها. وفي عام 1974 كنت في مهمة صحافية في محافظة أربيل لإجراء بعض التحقيقات الصحافية لمجلة «ألف باء» الأسبوعية. وأثناء تجوالنا في المدينة، أنا والمصور، وفي شارع فرعي غير رئيس رأيت العدد الجديد من مجلة «الآداب الأجنبية» التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة السورية، في واجهة مكتبة صغيرة، دخلت واشتريت العدد خوفا من نفاده حين عودتي إلى بغداد.
كان قطاع المعلمين في العراق ينتمي إلى الطبقة الوسطى بشكل عام، وكانت هذه الطبقة ترى الأدب ضرورة من ضروريات وجودها ونموها، وكان هناك إيمان سائد بأن الأدب والمعلم متلازمان، وأن الأدب، بمثابة ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون ظاهرة ثقافية، ومنذ العهد الملكي كان معظم العسكريين العراقيين يعيشون على الأدب، باعتباره جزءاً مكملا للشخصية العسكرية، حتى إن عددا من العسكريين كانوا شعراء مثل نعمان ماهر الكنعاني ووسيم الذويب وخالد الشواف الذي كتب عددا من المسرحيات الشعرية في الخمسينيات والستينيات، كما أن رئيس الوزراء العراقي الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي كان يجيد الخطابة ارتجالا، أخطأ مرة وهو يخطب في بيت من شعر المتنبي، فقال:
الرأي قبل شجاعة الشجعان… هي أول وهو المحل الثاني فانتبه لهذا الخطأ مباشرة وصححه قائلا: هو أولٌ، وهي المحل الثاني. ولم يكن هذا الاهتمام بالأدب وقيمته يقتصر على المعلمين والمحامين والتجار ورجال الدين والسياسيين والزعماء العسكريين العراقيين، وإنما كانت مرحلة عربية عامة، كانت فيها الطبقة الوسطى في عدد من الدول العربية تستهلك الأدب، وتضفي عليه قيمة اجتماعية وثقافية، الأمر الذي ينعكس على الإنتاج الأدبي.
 
 
كانت قيمة الأدب تبدأ من القراءة، وكانت الكتابة لا تنفتح إلا من خلال مفتاح القراءة، ورغم أن الأمية كانت واسعة ومنتشرة في مجتمعات نامية، خاصة الأمية في صفوف الذين لم يتسن لهم التعلم بسبب كبر سنهم، أو تواجدهم في القرى والأرياف، أو مزاولتهم لمهن لم تتطلب التعلم، إلا أن النخب كانت تتسع كلما دفعت الجامعات بمئات جديدة من خريجيها إلى الحياة العلمية والثقافية والاقتصادية.
في عام 1978 صدر ديواني الثاني «الشعراء يهجون الملوك» بعد أربع سنوات من منعه وتم تقييد توزيعه. وفي العام نفسه تواجدت في البصرة في مهرجان مسرحي. كانت البصرة أكثر من غيرها، تسقي الحقول الثقافية في بغداد بالأدباء. حين التقيت بالشاعر الراحل محمود البريكان، وهو من جيل السياب، سألني ما إذا كنت قد جلبت نسخا من ديواني، لأنه اعتاد أن يشتري الكتب من مكتبة يعرفه صاحبها، فيحتفظ له بنسخة من كل كتاب، لكنه هذه المرة لم يستلم سوى نسخ معدودة جدا من ديواني، فلم يستطع الاحتفاظ بنسخة له. لكن الأمر لم يتوقف عند البريكان، فقد شكى عدد من أدباء البصرة من عدم حصولهم على نسخ من الديوان. حين عدت إلى بغداد أبردت للبريكان نسخة مهداة.
قيمة الأدب تكمن في تداوله وانتشاره، وهذا يجعل من الكتاب مصدر معرفة ومصدر متعة في الوقت نفسه. فالقراءة هي قيمة الأدب وكثيرا ما كنت أتساءل عن هذه القيمة حين تمت تسمية المصحف بـ«القرآن» وليس بـ«الكتبان».
لا أشير إلى كتاب مانغويل «تاريخ القراءة» رغم أهميته لمعرفة قيمة أدب أوروبا، ولكنني أشير إلى تاريخ القرّاء، وهم الطبقة التي اختصت بتواتر قراءة القرآن وهم سبعة ما يزال القرآن يقرأ وفق قراءاتهم، فأي قيمة كانت وما تزال للقراءة؟
أليست القراءة، المرتبطة بوجود القارئ، هي ما تتجلى فيها قيمة الأدب، فما قيمة أدبنا بلا قراءة؟ فالقراءة هي التقييم الاجتماعي للأدب، قبل التقدييم النقدي الذي كان مرافقا للإنتاج الأدبي العربي. وماذا عن عصرنا؟ حين تكون القراءة عسيرة في مجتمعات أخذت تفقد صلتها بالمرجعيات التقييمية، ومنها مرجعية اللغة، فقيمة أدبنا تكمن أولا، في لغته، ولكن ماذا نفعل بقيمة أدبنا اليوم، ولغة هذا الأدب تتدنى أو تنهار أو تتحول إلى انعكاس لمستوى تفكير الآخر، وليس مستوى تفكيرنا، بيد أن الذين يصرخون بأن هناك مؤامرة على لغتنا ينطلقون من الدافع الديني، أو القومي ولا ينطلق من الدافع الثقافي، بما فيه من جماليات وإبداع. منذ عقدين أو ثلاثة عقود، حلّ الأدب المنقول بدل الأدب المقروء. وصارت القراءة المحدودة، التي تنتقل عبر السماع، تفقد الأدب قيمته وتحوله إلى (تداول) شفاهي مزور في أكثر الأحيان. عادة ما تكون الأجيال الجديدة أكثر معرفة نتيجة التراكم، لكن أجيالنا تقفز على التراكم وتشغف بالبدء من الصفر. وفي كل مرة يكون فيها الصفر نقطة الانطلاق، يكون الأدب قد فقد التراكم وفقد التاريخ. فمن يؤرخ للأدب اليوم في بلداننا، بينما يتراكم تاريخ أدب أوروبا حتى صرنا نتخيل أنه تاريخ أدبنا.
 
شاعر وكاتب عراقي