Wednesday 18th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    08-Apr-2022

الراعي في أحداث ومواقف مؤثرة 1/2

 الدستور-د. محمد عبدالله القواسمة

 
الراعي، الذي نتحدث عنه في هذا المقال هو الناقد والشاعر والباحث والمحقق والمترجم والمؤرخ الدكتور إحسان عباس (1920-2003)، وصفة الراعي لسنا من أطلقها عليه بل إنه من وصف بها نفسه، كما يسرد في سيرته الذاتية «غربة الراعي» التي أتمها عام 1996م وصدرت في طبعتها الثانية عن دار الشروق في عمّان عام 2006م، وهي التي نعود إليها هنا.
 
وهو طفل رعى عباس الأغنام في ريف قريته عين غزال، التي تقع على امتداد جبل الكرمل إلى الجنوب من مدينة حيفا، بدأ عاشقًا الطبيعة، ثم بعد أن كبر أغرم بالشعر الرعوي الذي يتناول حياة الرعاة وأهل الريف،وعد الريفيين من الرعاة، والقرية الموطن المثالي لهم، لأن تتمثل فيها حياة البساطة، والانسجام مع الطبيعة.
 
لزمت الصفة الرعوية إحسان عباس في مراحل حياته كلها،ولم تفارقه حتى فارق الحياة،وتجلت في سيرته الذاتية «غربة الراعي» في الصدقوقول الحقيقة، كما يشير إلى ذلك في المقدمة: «وجدتني أميل إلى كتابة سيرتي. ومنهجي فيها التزام الصدق فيما أسرده. لا لأن ما أكتبه تاريخ مهم بل لأنه يمثل تجربة إنسان حاول في كل خطواته أن يخلص للعلم والمعرفة»(ص5) إنه، كما يقتضي فن السيرة، يختار أهم المواقف والأحداث التي مرت في حياته، ويكون صادقاً في عرضها، يصل في ذلك إلى درجة عالية من البوح والشفافية دون أن يبالي بما يعترضه من لوم الأهل والأقارب.
 
يواجهنا في الصفحات الأولى من سيرته التراجيدية بقوله:» درب الحياة التي يسلكها ويسلكها الناس تفضي إلى مزبلة»(ص10)يصدر هذا الحكم بالخواء الذي ينتظر الإنسان في النهاية، وهو يتحدث عن طفولته عندما خرج من بيتهم في القرية، ليجد نفسه، وهو ينحدر نزولًا أمام مزبلة كأنها رابية.
 
ترى لماذا هذا الحكم؟ إنه يصدمنا لأنه يجيء بعد بلوغه من العمر عتيًّا، وبعد ما قدمه من أعمال فكرية وأدبية تقارب المئة؟
 
ربما هو سأم العمر، الذي يزحف نحو الثمانين، كما سأم زهير بن أبي سلمى حين بلغه:
 
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
 
ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم.
 
أو ربما هو مكابدة الناس والفقر، أو الاغتراب الذي صبغ حياته بالكآبة والأسى، وهو يتنفل كالراعي من مكان إلى آخر.يتنقل في وطنه فلسطين من القرية، إلى صفد وحيفا وعكا والقدس، ثم في خارج وطنه من القاهرة،إلى الخرطوم ثم بيروت ثم عمّان، والنهاية مقبرة وادي السير في عمان عام 2003م.
 
لا شك أن سيرة الدكتور إحسان عباس تطلعنا فضلًا عن البيئة التي عايشها على أهم المواقف والأحداث المؤثرة في حياته ووجدانه وأفكاره، والتي كانت وراء هذه الرؤية للحياة والناس. في مقدمة هذه المواقف زواجه من تلك السيدة الفاضلة التي أنجب منها ثلاثة أولاد: نرمين وإياس وأسامة.
 
يذكر عن زواجه في سيرته بأنه عاد من عمله في مدرسة صفد الثانوية عام 1943م، فوجد والده في انتظاره. أخبره بأنه جاء من القرية ليعلمه بخطبة فتاة له من بلدة قيسارية. صدم الفتى، واستنكر أن يقدم والده على هذا العمل الذي يخص مستقبله وحده. وعندما هدأ قليلًا سأل والده عن ثقافة الفتاة وجمالها؛ بوصف الثقافة والجمال معمارين مهمين في اختياره الزوجة. أجابه بأن الثقافة لا يعلم عنها شيئًا، أما الجمال فليس كما يجب، وما عليه إلا الرضا بما ارتضاه له. فهو لا يقبل أن تمرغ لحية أبيه في الوحل، بعد أن أعطى كلمة نهائية لوالد الفتاة.
 
أصر الوالد على تزويج ابنه في ذلك العمر ومن تلك الفتاة، ولم يستطع إحسان عباس أن يتمرد على قوانين العائلة وقوانين القرية، التي تجعل للأب السيطرة المطلقة على أبنائه؛ لهذا فحين ودعه عائدًا إلى القرية طلب منه أن يسلم على أمه، ويقول لها إنه في زيارته الأخيرة أطلق عليه رصاصة الرحمة وتخلص منه.
 
ويحلل الدكتور إحسان عباس أسباب هذا الإصرار من والده بأنه مثل الفلاحين يحب التبكير بالزواج، وأن يكون له أحفاد من ابنه الأكبر، ولكنه لم يتوصل إلى معرفة سر اختيار والده تلك الفتاة بعينها لتكون زوجته. وهو يراها مظلومة مثله أو أكثر منه؛ لأنها لم تقدر أن تقول لا لأهلها مثلما فعل، وإن كانت لاؤه دون فائدة.
 
شكل هذا الزواج صدمة لصاحبنا، وأثر في كل مرحلة من حياته، وجعله يفكر في الانفصال ولكنه كان يتراجع عنه بسبب الأولاد.» لا أطيق أن أزيد بها وبطفلينا عدد اللاجئين ولتمض الحياة بنا كيفما كانت»(ص207)
 
رغم السيئات الكثيرة لهذا الزواج من تلك السيدة الفاضلة، فإنه كان الدافع الكبير لدى إحسان عباس للانكباب على العلم والمعرفة، وبواسطته تمكن من إنتاج تلك الأعمال التي تعجز مؤسسة ثقافية بمفردها عن إنتاجها. وهو ينصفها في نهاية سيرته، بقوله إنها تولت تنشئة الأولاد حين كانوا أطفالًا، ومنحته، مع أنها لم تشاركه حياته العلمية، الوقت للانصراف إلى عمله، وكفته كثيرًا من النشاط الاجتماعي ليتفرغ للتأليف والإبداع، ورعت طلابه في بيتها» وكانت لهم «أمًا» وكانوا يخاطبونها بذلك»(ص243)
 
هكذا يظل زواج الدكتور إحسان عباس من الأحداث المؤثرة في حياته ووجدانه.