Monday 9th of December 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    28-Nov-2019

استكشاف الدروب نحو تضامن دائم للسود الأميركيين مع الفلسطينيين

 الغد-إيلي داي* – (مجلة 972+) 30/9/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
عندما زرت مخيماً للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية مع مجموعة من النشطاء من أحياء السود التي يقطنها أبناء الطبقة العاملة في الولايات المتحدة، شعرت بالدهشة من كَم ذكرني المكان بالوطن. لكنّه بعد ذلك لم يفعل.
 
* *
السفر مع “المدافعون عن الحلم” Dream Defenders في فلسطين هو تمرين في التغلب على المسافة. من بعض النواحي، يكون ذلك حرفياً فقط. وقد سافر الكثيرون منا، ومعظمهم من المنظِّمين الملوَّنين، من جميع أنحاء الولايات المتحدة، للانضمام إلى الحركة التي تتخذ من فلوريدا مقراً لها، والتي تعمل من أجل تحقيق العدالة العرقية والاقتصادية، في وفدها الرابع إلى فلسطين، مع وقفات في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية والخليل وغيرهما.
ساعدت هذه التجربة أيضاً في تضييق ما قد تبدو فجوة أخرى لا يمكن التغلب عليها: الشعور بأن كل واحد منا تقطعت به السبل وتركته منعزلاً في جزيرته الخاصة، والذي يواجه تحديات فريدة من نوعها لا يستطيع الناس في أنحاء أخرى من العالم فهمها. ويواجه النشطاء السياسيون والمنظمون المهمة الصعبة المتمثلة في جسر المسافة التي تجعل الكثيرين منا يشعرون بالعزلة، من دون محو الاختلافات المهمة على طول الطريق.
كان الغرض من الزيارة واضحاً: تعميق فهم الناشطين الأميركيين لطبيعة الاحتلال العسكري غير المشروع الذي تمارسه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وتعزيز سلاسل التضامن التي تربط بين الناشطين في الولايات المتحدة وفلسطين. ويعكس هذا الغرض الأخير حلم الأممية القديم -الاعتقاد بأن مصائر جميع الناس المنتمين إلى الطبقة العاملة في العالم متشابكة، وبالتالي ينبغي أن يكون كفاحهم من أجل العدالة متضافراً أيضاً.
على مدار الخمسين عاماً الماضية، حمل جناح يميني منتصر مطرقة ثقيلة لهدم تلك الفكرة، وقام بعمل رائع في “تفتيتنا إلى شذرات”، كما تقول زينة السوس، وهي منظِّمة تعمل مع “المدافعون عن الحلم”، والتي كانت أسرتها قد ُطِردت من فلسطين في العام 1948. ونتيجة لذلك، أصبح الناس الأكثر ثروة وقوة قادرين على تشديد قبضتهم، قبضة الموت، على المؤسسات التي تشكل حياتنا.
والرد، كما تؤكد السوس، ينبغي أن يشمل إحياء فكرة أن يرى الناس “أنفسهم مرتبطين دائماً بالآخرين”. ولا ينبغي أن يكون ذلك عملاً من أعمال “الصدقة”، وإنما واحداً متجذراً في غاية “تحريرك أنتَ”. وليس هذا كلاماً تجريدياً، كما تقول لي: إن الطريقة الوحيدة لإسقاط الأقوياء عن عروشهم هي أن يؤمن الناس العاديون “بمصداقية وبطريقة ملموسة بأن أعداءنا متشابهون”، وأن يتخذوا إجراءات جماعية ضد خصومهم المشتركين في الساحتين الخاصة والعامة.
لعل المثير في رحلة كهذه هو أنها توفر ثروة من اللحظات الصغيرة المدهشة، التي تتجلى في عرض أوجه شبه مذهلة لا يمكن للمرء أن لا يراها، والتي تساعد التعرف على هذا المصير المتشابك.
بعد ظهر أحد أيام الثلاثاء بالقرب من بيت لحم، نجد أنفسنا في مخيم الدهيشة للاجئين. وقد تأسس مخيم الدهيشة في العام 1949 لخدمة نحو 750.000 فلسطيني قام الجيش الإسرائيلي بتطهيرهم عرقياً خلال حرب العام 1948.
على طول أحد شوارع الدهيشة العديدة المنحدرة، ثمة حائط مزين بسلسلة من الأسماء والوجوه، لأشخاص كبار وصغار على حد سواء. ويشرح حازم، مرشدنا، أن كل واحد منهم قد قُتل على أيدي قوات الدفاع الإسرائيلية، وهو اسم يعتبره الكثير من الفلسطينيين أورويلياً بطريقة مضحكة بالنظر إلى السجل الفعلي لهذه المؤسسة، والذي يتضمن الاجتياحات المتكررة للمخيم في غارات ليلية، وحمل الأسلحة المخيفة وركل أبواب الفلسطينيين العزل واقتحام منازلهم.
وهذا الجدار مذهل –ليس لأنه يبدو شيئاً قادماً من عالم غير معروف. على العكس تماما -إنه نوع من العرض الساحق للحزن الذي يتخلل بلا شك مشهد مجتمعات السود الفقيرة من الطبقة العاملة في أميركا، والتي ينتمي إليها كثيرون من مجموعتنا، بمن فيهم أنا. ولم أندهش عندما اكتشفت أن المشهد أعاد آخرين إلى زوايا مماثلة في المدن التي يُسمّونها “الوطن”، حيث يتم تخليد اسم أو وجه شخص ما أحبوه على الإسمنت.
تقول داترا جاكسون، التي تعيش وتُنظِّم الأنشطة في دورهام بولاية نورث كارولينا بصفتها المدير المشارك الوطني لـ”مشروع الشباب السود” 100: “هناك الكثير من أشكال الفن المقاوِمة… إحياء ذكرى الأشخاص الذين ذهبوا”. ويذكر الجدار في الدهيشة جاكسون ببلدتها في فيلادلفيا، حيث تقول أن جدارية “رُسمت للتو عن أعز صديقة لي. لقد قُتلت في 2011… هذا هو الشيء الذي نفعله. كما تعلمون؟ نحن نبني المذابح. نضع الشموع. نضع الزهور”.
ما تصفه جاكسون عن رؤية تجربتها المأساوية الخاصة وهي تنعكس في حياة أشخاص آخرين، هو في أغلب الأحيان الكيفية التي يبدأ بها الطريق إلى التضامن -عبر الحدود والمحيطات والمساحات الشاسعة الأخرى.
تتعقّب جاكسون استيقاظها الخاص على النضال الفلسطيني وراء في الزمن إلى العام 2014، عندما بدأت “الحركة من أجل حياة السود” في إقامة الصلات بين “الاحتلال في فلسطين والحرب على أميركا السوداء”. وفي العام 2018، أقام “مشروع الشباب السود” 100، صلات أوثق بين التجربتين أيضاً.
جنباً إلى جنب مع شبكة من المجموعات الأخرى التي نُظمت تحت شعار “تحالف رورهايم—فلسطين لنزع العسكرة”، قاد هؤلاء الناشطون “حملة لعرقلة التعاون بين قسم شرطة دورهام لدينا وقوات الدفاع الإسرائيلية”، وهو ما جعل دورهام المدينة الأولى في الدولة التي تحظر تبادل تدريب رجال الشرطة مع إسرائيل. وكان ذلك إعلاناً واضحاً عن الأولويات الأخلاقية والاستراتيجية: إن القوات التي غالباً ما تجعل حياة الفلسطينيين جحيماً دستوبياً من المراقبة عالية التقنية، والاضطهاد والعنف، وأولئك الذي يدمرون بانتظام مجتمعات السود، يجب أن لا يتبادلوا المعارف حول كيف يفعلون هذه الأمور بطريقة أكثر فعالية.
يعكس هذا الموقف تحولاً قوياً أوسع في الرأي العام لصالح النضال الفلسطيني من أجل تحقيق العدالة. في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص، عززت الحركة الدولية للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل وغيرها من الجماعات المكرسة بقوة، مثل “الصوت اليهودي من أجل السلام”، ومنظمة “إن لم يكن الآن”، عززت الوعي بجرائم إسرائيل المعترف بها دولياً ضد شعب فلسطيني أعزل تماماً وبلا دفاع على الإطلاق.
تجب الإشارة إلى البعض قد تحملوا مسؤولية أكبر من الآخرين عن كشف هذا الفصل البشع من التاريخ. ويشرح البروفيسور روبن دي. جي. كيلي هذا الوضع جيداً عندما يوضح: “… بصفتي دافع ضرائب أميركي، فإن من الضروري أن أتخذ موقفاً حاسماً ضد السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي تعرِّض العالم بأسره للخطر”. وينطلق هذا الموقف من مبدأ أخلاقي أساسي آخر: تحمل المرء المسؤولية عن أفعاله. أو في حالة مواطني الولايات المتحدة، الأفعال التي يتم تنفيذها باسمنا، مثل الدعم العسكري والدبلوماسي والاقتصادي الحاسم الذي يقدمه بلدنا لمعاملة إسرائيل الرهيبة للفلسطينيين.
بالنسبة لأمجد العراقي، منسق الأنشطة في مركز “عدالة”، المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، فإن الزيادة الكبيرة في الدعم من الناشطين الأميركيين السود “أعادت الشباب والحيوية” إلى حركة “مقموعة ومضطهدة بوحشية” على مر السنين. وهو يعزو هذا الشعور العميق بالرفقة إلى “فهم متزايد لحقيقة أن (الأميركيين السود والفلسطينيين) ليسوا مختلفين تماماً”.
ويمكن أن تكون التشابهات مذهلة حقاً.
ثمة جرائم واضحة ضد الكرامة الإنسانية. ويواجه الفلسطينيون، سواء في داخل إسرائيل أو في الأراضي المحتلة، نظاماً بيئياً كاملاً للهيمنة. وقد صنف مركز “عدالة” أكثر من 65 قانوناً تقوم “بتقيد حقوق الفلسطينيين في جميع مجالات الحياة”. المدارس الأدنى مستوىً؛ المياة الملوثة؛ مصادرة الحق في الاحتجاج وحرية التعبير؛ فرض قيود شاملة ومهينة على حرية الحركة؛ الفصل العنصري المتفشي والقسري في أماكن مثل الخليل؛ وجود مؤسسة واسعة وشاهقة للمراقبة والاعتقال والاحتجاز.
إنها صورة كابوسية تشبه بشكل مخيف تلك التي تواجه الأميركيين السود. لقد تم ضرب الفلسطينيين بمطرقة اجتماعية واقتصادية ثقيلة، مع وضع هدف بسيط في الاعتبار: خلق أغلبية تتمتع بامتيازات خاصة، وأقلية بلا حول ولا قوة، مقيدة بشكل دائم في مكانة المواطنة من الدرجة الثانية.
كان ربط النقاط بهذه الطريقة بمثابة أساس لعدد لا يحصى من الحالات التي شبك فيها الناس الذين يعانون أذرعهم معاً في جميع أنحاء العالم. وقد شرح كُتاب وعلماء وناشطون أكثر ذكاءً مني بعناية كيف أن المعاناة التي يمكن رفعها عن الفلسطينيين تنطوي على نقاط تشابه هائلة مع البؤس الذي يمكن تجنبه في أماكن أخرى من العالم أيضاً. هناك ضحايا من السكان الأصليين للمشاريع الاستيطانية-الاستعمارية في الدول النطاقة بالإنجليزية، مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. وهناك احتلال الهند القاسي والمتكشِّف لإقليم كشمير. وهناك معاملة الولايات المتحدة الشريرة للاتينيين على الحدود الجنوبية.
لا ينبغي أن تكون هذه التجارب متطابقة تماماً حتى يستنتج المرء، كما فعل الكثيرون منا في مرحلة ما من رحلتنا في فلسطين ما يلي: “نعم، لقد رأينا هذا من قبل”.
ولكن، ما الذي يحدث عندما لا يعود هذا صحيحاً؟ عندما يتبين أن جوانب معينة مما يواجهه الآخرون هي شيء مختلف عن أي شيء سبق وأن رأيناه نحن من قبل؟
على العشاء في إحدى الليالي في حيفا، قرب اللحظات الختامية للرحلة، قال مارك لامونت هيل، وهو ناقد عنيف وغير اعتذاري لمعاملة إسرائيل القاسية للفلسطينيين، أنك في مرحلة ما “تدرك أن (التركيز على أوجه التشابه) غير كافٍ”.
“هناك شيء مختلف جوهرياً” بين التحسين الذي حدث في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، وبين “فقدان أرضك فعلياً”، و”حتى عدم حصولك على المواطنة” من الأساس. بل إن الأمر يصبح أكثر صعوبة لدى محاولة “مقارنة ما يحدث في غزة بما يحدث في أي مكان في الولايات المتحدة”.
وفي الحقيقة، بما يحدث في العالم كله. فالفلسطينيون في غزة، 50 في المائة منهم من الأطفال، يعيشون تحت حصار لا يرحم من جميع الجوانب، محشورين فيما وصفه ديفيد كاميرون، رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق، بأنه “سجن مفتوح” -ولم يُترك لهم أي مخرج من منطقة اعتبرها مسؤولو الأمم المتحدة “غير صالحة للعيش”.
تلك المنطقة غير الصالحة للعيش هي واحدة حيث 97 في المائة من المياه “غير صالحة للاستهلاك البشري”. واحدة حيث تضع إسرائيل الفلسطينيين المحاصرين “على نظام حميّة” من دون السماح لهم “بالموت جوعاً” وتعرضهم بشكل روتيني لما يسميه مسؤولوها “قص العشب”، وهو تعبير لفظي عن إقصائهم بالآلاف.
“التشابه”، إذن، قد يفتح الباب أمام التعاطف. لكن تأسيس نوع التضامن الذي يمكن أن يدوم وأن يتغلب على مشاعر العزلة الأكثر رسوخاً يتطلب شيئاً أكثر من ذلك.
ليس ثمة عصاً سحرية، لكن هناك مسارات واضحة للعمل. وقد واصل هيل ليتحدث عن تجاوز حالة عدم اليقين التي تحدث عندما يواجهك إدراك من قبيل، “لا أعرف ما هذا”، إلى تصميم أعمق على “أن يكون لديَّ تضامن من خلال الاختلاف”. ويقول هيل: “لست بحاجة إلى أن نكون متماثلين. إنني أستطيع أن أفهم (تجربتك) بشروطها الخاصة”.
يذكرني هذا بأن الأممية، في أفضل حالاتها، تقدم مجموعة واضحة من المبادئ الأخلاقية التي يجب اتباعها، والتي تجعل من الأسهل شق الطريق قُدماً في لحظات عدم اليقين. والمبدأ الذي يتردد صداه أعلى من غيره هنا هو الأكثر تأسيسية؛ ذلك الذي يربط بين الناس في كل مكان على أمل توسيع حرية الإنسان إلى أقصى حد ممكن على الصعيد البشري الجمعي: وجود إيمان ثابت لا يتزعزع في حقنا الأساسي في تحديد مستقبلنا الخاص.
يقول هيل: “هذا نوع من المشاريع الجماعية المشتركة. إننا لا ندافع نيابة عن الفلسطينيين، وإنما نحن شركاء مع الفلسطينيين من أجل الحق في تقرير المصير… وإدراك أن ما يحدث هناك ليس استثنائياً، وإنما هو جزء من عملية عالمية أكبر من الاستعمار المتأخر والليبرالية الجديدة، وأن ما يحدث في فلسطين سيكون له تأثير على بقية العالم”.
بالنسبة للكثيرين، هذا ما قصده الدكتور كينغ حين قال إن كل إنسان “مرتبط بواحدة من حزم القدر” مع “الشرور الثلاثية من العنصرية، والاستغلال الاقتصادي، والعسكرة” والتي تضفر مصائرنا كلنا معاً.
أخيرًا، أخبرتني السوس بأن “المدافعين عن الحلم” يأملون في جعل الرهانات الضخمة للتضامن أقل خفّة وتجريداً وأكثر مادية وقابلية للمس، مع آثار إنسانية واضحة: “الإطار الذي كنا نستخدمه هو ‘التضامن ليس ترفاً’. إنه في الحقيقة خيارنا الوحيد لتهيئة الظروف لمستقبل صالح حيث يمكن لشعبنا أن يعيش”.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Finding a path to an enduring Black-Palestine solidarity
*كاتب وناشط من ديترويت، حيث يكتب عن السياسة والعرق والطبقة. تظهر كتاباته في العديد من المجلات والصحف والمواقع.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات