Sunday 17th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    01-Jan-2021

سوزان غاوي والأدب الأخضر

 الدستور-سوزان غاوي

محمد المشايخ
 
شهد أدب الطّفل العربي خلال القرن الحادي والعشرين، قفزة نوعية، من خلال ازدياد عدد كـُتّابه، ورساميه، ودور النشر التي تهتم بكتبه ومجلاته، إلى جانب إقبال القطاعين الخاص والعام على تنظيم معارض الكتب الخاصة بالطفل، واستحداث المكتبات المتنقلة التي تصل للأطفال أينما كانوا، وتخصيص جوائز لأدب الأطفال، والاهتمام المتزايد بالرسوم والإنتاج، كل ذلك بهدف تمتين أواصر العلاقة بين الأطفال والمطالعة، بعد أن ابتعد معظمهم عنها، وانشغل بالألعاب الالكترونية.
 
وقد واكب الاهتمام الرسمي والشعبي بأدب الأطفال، اهتمام آخر من قبل الأدباء، الذين طرقوا موضوعات جديدة تهم الأطفال، وصاغوها بأساليب بسيطة، ومصوّرة،او مقترنة بالرسومات، وضمن هذا التوجه، صدر أخيرا عن دار عالم الخيال للنشر والتوزيع في عمان، قصة للأطفال بعنوان (مغامرة ليا) من تأليف الأديبة سوزان غاوي (عضو رابطة الكتاب الأردنيين، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب) والتي سبق لها أن أصدرت عددا من قصص الأطفال المصورة منها:سلسلة أنا اقرأ فالقراءة عيد، وسلسلة أنا اقرأ فالقراءة فرح، وسلسلة أنا اقرأ فالقراءة كنز، وقصة الفيلة الثلاثة.
 
قصة (مغامرة ليا) متخصصة بموضوع الأزمة البيئية، التي تعتبر من أبرز وأكبر تحديات القرن الجاري، والتي يتجاهلها المبدعون بعامة، وأدباء الطفل بخاصة، رغم اعتراف معظمهم أن «للأدب البيئي»و»للأدب الأخضر» دورا كبيرا ومهما في تشجيع الأطفال على الاقتراب من بيئتهم وفهم مشاكلها.
 
وضمن هذا التوجه، اتخذت سوزان غاوي من أدب الخيال العلمي، ومن عالم الغابات والحيوانات، وسيلة لكتابة هذه القصة التي تتلخص في تحليق الطفلة «ليا» مع العصافير والفراشات بين الحدائق الجميلة، للإشادة بها، وبأثرها الطيّب على الانسان، وعلى جماليات المكان والبيئة، الأمر الذي يدفع كل الكائنات الحية للتنزه بها، ثم تحليقها ثانية معهن إلى حدائق يلقي المتنزهون بنفاياتهم على ارضها، فيهجم عليها الذباب، وتحط عليها الكثير من الحشرات، فيهرب منها الناس، وتهرب منها كل الكائنات الحية، وترفض التنزه بها.
 
ولأن «ليا» قامت بهذه الرحلة مع جدتها «سوزان» فقد غيّرت الكاتبة في قصتها صورة الجدة النمطية، التي يصورونها في القصص على انها عجوز كبيرة في العمر، ولا تستطيع السير إلا بواسطة العصا، او الاتكاء على أحد الأقارب، فأبرزت الجدة وهي في ريعان الشباب، صبية معطاءة، وغير كبيرة في السن، وتمارس دورها بكل نشاط وحيوية في الحياة العامة، عدا عن كونها ربة اسرة.
 
كثيرون من الشباب والصبايا صاروا في مقام الجد والجدة، لأن ابناءهم وبناتهم تزوجوا وهم صغار، فحوّلوا الاباء والأمهات إلى جدود وجدات.
 
تهدف سوزان غاوي من كتابتها هذه القصة التي تحض على النظافة، إلى تسليح الأطفال بالثقافة والمعرفة البيئية، لأنهما أول الأسس التي يبدأ منها الطفل رحلة الحياة، ولذا تنطلق من إيمانها بأن البيئة ميدان واسع جداً، له علاقة وثيقة بكثير من مفاصل الحياة، وكأني بها تشير إلى استحداث معظم دول العالم وزارات للبيئة، وإنشائها الكثير من مؤسسات المجتمع المدني المتخصصة بها.
 
إن الكتابة للأطفال، من أصعب فنون الكتابة والتأليف، بدليل أننا نجد أدباء كبارا، يكتبون في كل الأجناس الأدبية والفكر ولا يقتربون من أدب الطفل، أما الموهوبة سوزان غاوي، فهي صاحبة الخبرة الطويلة، والمعرفة بأدق تفاصيل قصص الأطفال، ولا سيما أنها صاحبة أسلوب رشـيق ممتـع، جميل، بسيط ، تتجلى بساطته في وضـوح الكلمـات، وتشكيلها بحركات الإعراب حرفا حرفا، ووضـوح التراكيـب اللغويـة وترابطهـا، وقوّتها، هذا عدا عن تضمينها لأسلوبها مثيــرات تــوقظ أحاســيس الطفــل ومــشاعره، وتمده بالكثير من التشويق والجاذبية، الأمر الذي تجلى في قدرة الكاتبة على إبداع المشاهد السينمائية، فشعر الأطفال وكأنهم يشاهدون فيلما ، بل وابعد من ذلك، يشاركون في أحداثه، بدليل أن حفيدي سند، قام بعد مطالعته للقصة، ورسوماتها التي إبدعتها «سمانثا هتنشنسن» قام بتقبيل صورة «ليا»، لأنها أوصلت له رسالة سوزان غاوي المتمثلة بضرورة حماية البيئة من الملوثات، واعتبار نظافة البيئة ليس من الايمان فحسب، بل واجب اجتماعي وانساني وأخلاقي أيضا.
 
وبذلك تستكمل سوزان ما حرصت عليه في كل مؤلفاتها، التي تهدف إلى بنـاء الإنـسان، وتنمية شخـصيات الأطفـال جـسميا وعقليـا ونفـسيا واجتماعيـا ولغويـا، وصـقل سـلوكهم وفـق القـيم الايجابية الجميلة التي تدفع البشر للتعايش مع بيئتهم ومع غيرهم بسلام وأمان، عدا عن تنميـة مواهــبهم وملكـاتهم، وأخيلتهم، وارهــاف الحــس الجمــالي لــديهم، وأكــسابهم المزيــد مــن الخبــرات، وتوسيع مداركهم .
 
«مغامرة ليا» قصة ابتعدت عن المباشرة، وخلت من الوعظ والإرشاد والنصح ، كما ابتعدت عن الوصف غير المفيد، ولم تلجأ إلى السرد الوصفي الطويل، وكانت تكتب من منطلق احترام ذكاء الصغار ووعيهم، وقدمت بأسلوب جمالي مدهش، ومن خلال السرد والرسوم، معلومات بيئية صحيحة تحاكي ذكاء الطفل، وترسخ جــذور الخيــال المجنح والمحلق فــي أدبهم.