Tuesday 17th of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    08-Sep-2017

(النصّ) و(العالَم): دخول.. خروج (1 - 2) - معاذ بني عامر
 
الغد- على مستوى الوعي، كانَ "أفلاطون" قد اتهمَّ "هوميروس" بتضليل الشباب بكتاباته الفاسدة؛ مُمتعضاً منها ورافضاً لها، لما تنطوي عليه من حسّ خادش للأخلاق.
على مستوى اللاوعي كان "أفلاطون" يُؤسِّس لما أسَّس له "هوميروس" من الناحية الإبداعية، فـ (سقراط الأفلاطوني) معادل موضوعي لـ(طروادة الهوميروسية)!.
إذاً، كان كلّ من "أفلاطون" و"هوميروس" يمارسان نفس الدور الذي مارسته (قنافذ شبونهاور)، فهما يتنابذان ويتباعدان –وإن كان أحدهما ميتاً والآخر حيَّاً في وقت التعميم الأفلاطوني- على المستوى الأخلاقي، لكنهما يعودان ويقتربان من بعضهما البعض على المستوى الإبداعي.
إنَّ الزاوية الأخلاقية التي نظر "أفلاطون" من نافذتها، وأطلَّ على أعمال "هوميروس" الإبداعية هي بمثابة درجة الحرارة العالية التي تجعل من الإنسان كسولاً، وتجعله في غِنىً عن الآخرين، لذا يسعى إلى تصفيتهم والبراءة منهم، على اعتبار نقص حادث وخادش في أطروحاتهم، غير مُنسجم بالضرورة مع مرجعياته المُحتشمة. لذا سيكون القرار–على المستوى الوعي- بطرد هكذا أعمال من دائرة الرحمة والحكم عليها باللعن والإثم. أما على مستوى اللاوعي لن يكون ثمة حرارة عالية، بل سيكون ثمة برودة مُحفّزة على الدفء لذا ستقترب القنافذ من بعضها البعض، ويصبح منظرها أكثر جمالاً وبهاءً، وهي تعيد تشكيل غابة الإبداع الإنساني، وتجعل منها مثاراً لدهشةٍ في العقل، لا يفتأ يَعْجَب لمنظرها البديع وهي قادرة على التراصّ والتلاحم، في تشكيل جميل يتعالى على المرجعيات الضيقة، فهو بإزاء مُنجَزٍ إنساني قادر على التجاور والتحاور طالما أنه بإزاء الإنسان على الإطلاق.
وعليه، فقد اجتمع "افلاطون" و"هوميروس" في صعيد واحد، فقد أبدعا نموذجين –في نصوصهما- تجاوزت ما هو موجود في العالَم، لذا صار "سقراط الأفلاطوني" هو محور نقاشاتنا، حتى في حال تواجد سقراط التاريخي. وبزّت "طروادة هوميروس" طروادة الحقيقية، وصارت هي حجر الرحى الذي تدور عليه حواراتنا وجدالاتنا، ساعة نُناقش الأدب الإغريقي.
وكما حدث لكلّ من "سقراط الأفلاطوني" و"طروادة هوميروس"، حدث لكثير من الأحداث والأشياء، التي استطاعت أن تنوجد في العالَم بسبب نصٍّ ما، أكثر من تواجدها في العالَم الحقيقي، بما يضع (النصّ) في منافسة حقيقية –على المستوى الإبداعي- مع (العالَم).
ابتداءً من "أنكيدو" وليس انتهاءً بـ"مطر بدر شاكر السياب"؛ مروراً بـ حيّ بن يقظان لابن طفيل، راسكولينكوف بطل الجريمة والعقاب لـ دوستويفسكي؛ وزوربا نيكوس كازانتزاكي، معطف غوغول، ليلى صاحبة المجنون، يحيى سميحة خريس، فاوست غوته، جوستين بطلة رواية المركيز دو ساد التي تحمل نفس الاسم؛ جان فالجان بطل رواية البؤساء لفكتور هيغو، عِطر باتريك زوسكيند...الخ. فهذه الأمثلة –إضافة إلى كثير من غيرها- ليست وليدة الخيال المحض، أيّ أنّ تأسيسها في النص المعرفي لم يتأتّ من العَدَم، بل انبنى على واقع بالضرورة، وكلّ ما يفعله المبدع هو إعادة إنتاج هذا الواقع بطريقةٍ جديدة، ما يُدخلها في منافسة حقيقية مع الواقع أو مع العالَم، إذ يُصبح سؤالاً مثل: أيهما أهم سقراط الأفلاطوني أم سقراط التاريخي؟ مطر بدر شاكر السيّاب أو المطر الحقيقي الذي يهمي فوق شوارع بغداد؟ يحيى الكركي الموجود في وثيقة تاريخية يتيمة في إحدى المكتبات التركية، أم يحيى الذي أبدعته سميحة خريس وحوّلته إلى كائن من لحمٍ ودمّ، ومسكون بهواجس كبرى حول الله والحرية والكرامة والوجود؟
سيصبح هذا السؤال مفصلياً أثناء تناول الحدّ الفاصل بين النصّ والعالَم، نظراً للأهمية الكبرى التي اضطلعت بها كثير من النصوص في التاريخ الإنساني، وجعلته يرتهن إلى هذه النصوص كما يرتهن إلى العالَم الذي يعيش فيه. وفي كثير من الأحيان تجاوز النصّ العالَم، وأصبح أكثر أهمية للمؤمنين به من العالَم، بل إن العالَم خضع لمواضعات هذا النص، والرؤى التي يحملها، إلى درجة التبسَ فيها الأمر على القارئ. بما يمنح العمل الإبداعي ميزةَ الخلق والإيجاد كمرحلةٍ أولى، والمنافسة مع العالَم كمرحلةٍ ثانية. فالكاتب –وهذه الحالة- مُوجِد لشيء أو بالأحرى مُعدِّلٌ لشيء كان قد وُجِدَ في العالَم، بطريقة جعلت منه شيئاً جديداً نافسَ الشيء الأصلي وزاحمه على موجوديته في العالَم، وصارَ يُؤشّر عليه بالبنان، بصفته نقطة تحوّل في تاريخ الوجود الإنساني. فوجود شخص مثل "أحدب نوتردام" في العالم هو بالمعايير الأنطولوجية اجتراح كبير وإضافة جوهرية من خارج العالَم؛ تحديداً من داخل الذات المُبدعة، على ما هو موجود في العالَم. فالإزاحة التي اضطلع بها "فكتور هيغو" هي إزاحة إبيستمولوجية وإنْ كانت جمالية بالدرجة الأولى، على اعتبار تموضعها في عمل أدبي، لكن سيكون لهذه الإزاحة شأن أنطولوجي أساساً، فالأحدب هو عنصر فاعل من عناصر المجموعة البشرية حتى وإنْ قرَّ في نصٍّ أدبي، فلا يكاد يُذكر الحدب في العالَم، إلا ولأحدب نوتردام الذي أبدعه فكتور هوغو نصيب من هذا الذِكر، حتى في وجود حُدباء غيره في العالَم، إلا أنه يبقى مائزاً حتى وهو محض ورق، فالدم الذي يسري في عروق هذا الكائن الورقي، دمّ حار ودفّاق وصاخب، بما يتفوّق على دماء المشابهين له على أرض الواقع، إلى حدّ يصبح معه هذا الأحدب أكثر قدرة على تشكيل جزء كبير من آرائنا وتوّجهاتنا على المستويين الذهني والمعيشي. 
وعليه، فالمنافسة جدّ حقيقية بين النصّ والعالَم، لا سيما ما تعلّق منها بتشكيل انطباعات الإنسان عن وجوده. لكن يبقى سؤال: إلى أيّ حدّ يصبح التموضع في النصّ، وعدم الخروج إلى العالم، أمراً مُستحسناً بالنسبة لإنسان يسعى إلى مقاربة وجوده مقاربة تعدّدية، تنوّعية، أكثر منها تجربة أحادية وقطعية؛ سؤالاً 1 - مُشرعاً في وجه الإنسان، تحديداً مرحلة ما بعد النص، وقدرة الإنسان على ترميز رؤاه في نصّ بعينه، وإحداث إزاحة داخلية لما هو خارجي؛ وسؤالاً 2 - مشروعاً نظراً للتحديات التي يمكن أن تنطوي عليها مرحلة الانسحاب من العالَم والتموضع الأخير في النص، أو بالأحرى في نصّ بعينه؟.
للإجابة عن هذا السؤال لا بد لي من التأشير على نوعين من النصوص ، سأبسط لهما في المقالة القادمة، لكي تكون رؤية: (الدخول في النص/ الخروج من العالم) والرؤية المقابلة لها: (الخروج من النص/ الدخول في العالَم)؛ ليس رؤية واضحة فحسب، بل ومساهمة في دفع الإمكان الحضاري ناحية الأمام.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات