Thursday 23rd of November 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-May-2017

والدي الذي رحل - د. كميل موسى فرام
 
الراي - قبل سنوات رحلت يا والدي عنا وعن هذه الدنيا فجأة بدون مقدمات بيوم شكل بركانا عائليا ما زالت ارتدادته تتقاذفنا وجعلتنا نعاتب النفس والأيام ونحترق بذاتنا إن قصرنا بعد أن سجلت مسيرة عطائك أنموذجا عائليا/ وطنياً/ عالمياً بالدرجة الكاملة، بيوم مثل مفصلاً أساسيا بحاضرنا للمستقبل، بعد أن حفرت بصخر الأيام ونقشت على جدرانه ملحمة نجاح تدرس عبراتها لمن يبحث عن التميز بعد دفن المستحيل بتخطي عثرات الزمن، ودعني أخبرك بعد أن استقر قاربك في احضان السماء حيث يستريح العظماء بأنك لم تغادر دنيانا أبداً، فنحن نطبق المبادىء التي تعلمناها ونهلنا من رصيدها بقدر احتياجاتنا التي وفرت لنا احترام الذات والآخرين، ومنحتنا درع التميز والانتاج، نقفز عن صغائر الأمور ونسامح حيث شيم الكبار بتقدير الذات والتعايش مع المحيطين، وهناك صفحات نقشناها بحبر محبتك استجابة لإرادتك فما زلنا طلاباً في مدرستك نتعلم وننهل ما استطعنا لرصف المسار الذي يجعلنا قامة وطنية تعطي بلا حدود أو انتظار لمكافأة حيث القناعة بكل أركانها حاضرة كما أوصيت.
 
نحن ندرك ونؤمن أن الموت حق وإرادة، وندرك أيضا أن ساعة الفراق غير محببة مهما تأخرت ولكن نزف الألم الذي اعتصرنا عندما رحلت في ذلك اليوم الربيعي صنع الحذر من إحداثيات يوم الأربعاء من شهر نيسان فغدونا نكرهه، فقد كنا وكنت أنا بأمس الحاجة لنصيحة منك توظف فيها خبراتك لخيرنا وسط أعاصير الحيرة وضباب الأيام بعد اختلاط والتباس غير مبررين بين الصح والخطأ، بين الأنانية والتضحية، الاختلاس والأمانة، وغير ذلك من المترادفات المتضادة، لكننا تخرجنا من مدرستك التي أكسبتنا مهارات التميز؛ الانضباط، الاخلاص، الصدق، التواضع، الابداع، المشاركة، وقبل كل ذلك عنوان بداية كل يوم بالابتسامة وطلب الرضا والتوفيق، لتنتهي ساعات اليوم بصلاة شكر على ما أنجزنا بدون ندم على فرصة قفزت أو محطة لم نحلل بياناتها.
 
رحيلك عنا يا والدي منذ ثلاثة عشر عاما هو الحدث الأقسى بمقاصة الأيام، فدمعنا دما ونزفنا حسرة وسط أمواج حياتية قاتلة كفيلة بحرق أمانينا بعد أن تبخر دمع العين لتصبح حياتنا جرداء صحراوية، حيث تذكرنا نصيحتك بضرورة مواصلة زراعة أشتال الأمل بالغد في بساتين قلوبنا التي نكّست أعلامها حزنا، وربما أخبرك اليوم أن فصول رحيلك عنا لم تنتهي كما يعتقد البعض لأنك تسكن بيننا وفي قلوبنا بما تركت من إرث التلاحم والمحبة بين أفراد العائلة الصغيرة والكبيرة، ففقرات دستور التحصيل العلمي تُحترم كما أوصيت ولن يفاجئك الانجاز لأحفادك تحقيقا لرغبتك أو نظرتك بعد التحاقهم بالكليات الجامعية ذات التنافس الأعلى لتسلحهم بالعلم والمعرفة الذي يؤهلهم للانخراط بالعمل والخدمة كما رأيت وأوصيت، وبنفس النظرة والهمة يسير الباقون على مقاعد الدراسة المدرسية لتأمين مظلة الاستقرار وتطبيق نصوص قانون التفوق والتميز العائلي.
 
الوطنية تسكن قلوبنا فلم نهاجر أو نفكر بذلك بالرغم أن ظروف الواقع اليوم مغلفة بضباب التداخل ويصعب علينا اختراق بياناته لتحليلها، وربما أنك محظوظ بعدم معاصرتك للربيع العربي الذي خلط امور الواقع بتوجهات استعمارية نسفت القيم التي شربناها في مهد العروبة، فعدونا ليس وحيدا كما تعلمنا، فأعداء الداخل أكثرية وحرقوا بساتين الأمل والطموح، لنعيش بألم الشعارات التي برهنت الكلام على ورق، فشعوبنا تتقاتل مع بعضها بفصائل الانتماء الخارجي، ويؤسفني أن أخبرك أن بلاد الخير والاستقرار قد أصبحت ضمن بركان الفوضى بدون الوصول لتحليل معادلة بسيطة تفسر الأحداث، فالحروب الداخلية وثورات التغيير ترسم بين أصحاب الأجندات المتناحرة، وتترجم على صور القتال والدمار وتدمير البنية التحية للأوطان لتصبح الشعوب لاجئين حتى داخل أرضهم وأصبح الحرمان من أبسط مبادىء الانسانية ركناً للعمل، فلهيب الاقتتال لا يفرق وينفذ عبر الجهلة المأجورين.
 
السلم والأمان داخل حدود وطننا الأردن يختلف يمنحنا بطاقة الاستقرار بحكم الرعاية الهاشمية التي أحببتها وأورثتنا اياها، فالتضحيات التي تقدم قربانا للوطن تثمر ببشائر الغد الذي كنت أنت تحدثنا عنه، فحكمتك العائلية من التاريخ لرصف حدود الحاضر وتصور المستقبل قد أنتشرت على المستوى الأكبر لثبوت معطياتها ونتائجها، لأنك رسمت مبادىء العمل والتصرف وتوقع النتائج بقدر البذل والعطاء ضمن الامكانات المتوفرة وليس بتلك ضمن محاضر الوعد، فكنت مثالنا بالقناعة والاكتفاء، وها نحن لا نملك إلا أن نبكيك لاختيارك البعد عنا، وتأكد يا والدي أن رحيلك لفردوس السماء لم يبعدك عن ناظري للحظة واحدة حتى الساعة، فالنسيان مع الأيام لا يناسبني أبداً، بالرغم أن ملامح موسى الصغير وحركاته هي صورة عن الأصل وربما يحرجني عندما يسألني عنك وسبب تعلقي فيراني أدمع ليعتذر. لك الرحمة ولنا موعد بلقاء بمشيئة الله.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات