Saturday 19th of August 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    23-Feb-2017

الجمال والحضارة - د. صلاح جرّار
 
الراي - الحضارة الحقيقية هي التي تسعى إلى إضفاء الجمال على كلّ شيء، والجمال في نظري هو جوهر التحضّر الإنساني، وهو من هذه الزاوية كلُّ ما ترتاح إليه النفس ممّا تدركه الحواسّ، وهو لا يقتصر على جمال الوجه وتناسق القوام وما إلى ذلك من سمات الجمال البشري، وهي سماتٌ لا تمثّل إلاّ جانباً ضئيلاً جدّاً من الجمال بمعناه الواسع، ولكنّه يشمل كلّ شيء في حياة البشر ممّا تقع عليه أبصارهم وتسمعه آذانهم وتلمسه أيديهم وتشمّه أنوفهم وتتذوقه ألسنتهم وتحسّ به أرواحهم وترتاح له نفوسهم وتعيه عقولهم وتدركه أفهامهم.
 
والأمم المتحضّرة هي التي تراعي ذلك كلّه من غير أن تغفل جانباً واحداً منه، لأنّ الأصل في الجمال التكامل: جمال اللسان وجمال الروح وجمال الهندام وجمال السلوك إلى آخر هذه السلسلة من ضروب الجمال.
 
وعلى ذلك فإنّ من سمات المجتمع المتحضّر أن لا يقبل بأن يقع النظر فيه على ما تنبو عنه العين، كالقمامة في الشوارع والحدائق العامّة والمدارس، ولا يقبل بأن يطرق مسامع أبنائه ما يزعجهم أو ما يكون شاذاً ونشازاً، ولا يقبل أن يأكل أو يشرب ما يثير الاشمئزاز والغثيان، ولا يقبل بأن تلامس أيدي أبنائه ما يسبب التلوّث لهم ويلحق الأذى بهم، ولا أن يشمّ أبناؤه الروائح الكريهة الصادرة من المرافق العامّة والأسواق وغيرها، ولا أن يتنفس أبناؤه الهواء الفاسد والملوّث، ولا ما يسبب لهم الألم والمعاناة والفقر والجوع والجهل أو غير ذلك ممّا ينزع عنهم جمال الحياة وبهاءها.
 
ولذلك فإنّ مظاهر تحضّر المجتمعات من مدارس وجامعات واختراعات وطرق وجسور وصناعات ومستشفيات ووسائل اتصال ووسائل مواصلات وقوانين وتشريعات ومؤسسات قضائية وخدمات وزراعة وتجارة ووظائف وغيرها ليست إلاّ وسائل لتحقيق جمال الحياة، وإذا لم تنجح هذه المظاهر في تحقيق الجمال المنشود لحياة الإنسان فإن ذلك يؤشرّ على خللٍ في هذه المجالات أو في بعضها أو خلل في مساراتها وتطبيقاتها.
 
إن الأصل في الحضارة أن تنعكس على صورة جمالٍ في حياة الناس في مأكلهم ومشربهم ولباسهم ومسكنهم وكلامهم وسلوكهم ووعيهم وذوقهم وأخلاقهم وصحّتهم الجسمية والعقلية والنفسية ونظام حياتهم ومحافظتهم على البيئة من حولهم وحسّهم الجمعيّ والإنساني. والسلوك الحضاري هو الذي يستنهض الجمال الكامن داخل النفس البشرية فيجعل من الإنسان، سواء أكان أبيض أم أسود أم أصفر أم أحمر وطويلاً أم قصيراً وسميناً أم ضامراً، إنساناً جميلاً يرتاح الآخرون لكلامه وسلوكه وخلقه.
 
ولذلك فإنّ جمال أي شخصٍ في سلوكه وأخلاقه وذوقه، هو دليلٌ على تحضّره، وكذلك الحال في المجتمعات، كلّما ازداد الجمال فيها دلّ على ازدياد تحضّرها.
 
salahjarrar@hotmail.com
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات