Monday 22nd of May 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    30-Apr-2017

في كيفية قراءة المستقبل - ابراهيم العجلوني
 
الراي - قراءة الواقع هي أول ما يباشره المرء من قراءة المستقبل، وقراءة الواقع لا تتم إلا بقراءة الماضي، ونتيجة هاتين المقدمتين ان مَنْ لا يقرأ الماضي لن يكون في طوقه قراءة المستقبل.
 
وكما أن الواقع طبقات ودوائر يُفضي بعضها الى بعض فإن الماضي طبقات ودوائر ايضاً، والذين يكتفون بالمعطيات المباشرة للواقع والماضي، كما يلاحظهما التجريبي والاخباري على حد سواء يَفُوتُهم الكثيرُ من حقائق وجودهم ووجود الآخرين، ولا يملكون بحال القدرة على توقع ما سيكون.
 
إن الوقوف عند سطح الواقع او عند ما يباشره الوعي منه في لحظة زمنية لا يعدوها، ثمّ القفز بالظنون والتخمينات الى ما يلي تلك اللحظة من آنات، لن يُثمر اي تصوّر حقيقي للمستقبل، وهو امرٌ لا يقارفهُ إلا كُسالى العقول ممن يغيبُ عنهم ان الواقع أطباق بعضها فوق بعض، على نحو ما تكون الكُرَةُ المطاطية ذات الجلود السبعة، وأن فهمه على حقيقته يتطلب دراسة بنيوية لمستوياته كلها، تلك المستويات والاعماق التي لا نعلمُ مِنْ أيها تبدأ الموشراتُ نحو المستقبل، وفي ايها يستبقي الماضي زخمه، وعلى اي وتيرة يكون ايقاع الحياة المستمر في كل آن.
 
***
 
نخلص مما تقدم الى ان رؤية المستقبل رهينة بفهم الحاضر والماضي معاً، ولما كان ذلك لا يكون إلاّ بتمام العِلم بهما، فإن من المشكوك فيه ان يتوافر ذلك إلا لقلّة قليلة من اهل العلم والاختصاص، وعليه فإن دعوى القراءة المستقبلية لا تتحقق من أقرب سبيل، ولا بالأماني العذاب ولا بالتفلسفُ والتحذلق.
 
***
 
حتى في العلوم الدقيقة المتعلقة بما دون الذرّة من موجودات، فإن في كبار العماء وعباقرة الفيزيائيين من يجزم باستحالة التنبؤ بما سيكون من حركة هذه الموجودات بالغة الصِغر، إذ منتهى علمُ ذلك ان يقال فيه: لا أعلم. ومن قال: «لا أعلم» في مثل هذا المقامِ.. فقد علم.
 
***
 
وبقَدْر ما يتورع العلماء عن قراءة مستقبل حركة المادة في أدنى وجوداتها، فإن في الناس من يجرؤ على ان يرسم مستقبل البشرية اعتماداً على ظاهر ما يُرى من احوالها، وعلى ما يظن من قدرته على توجيهها في مآربه او على تسخيرها لخدمة أهدافه وتحقيق غاياته.
 
***
 
ولقد يبلغ الغرور ببعض جبابرة الارض ان يتصوروا إمكانَ ان يقرروا مصائر الامم والشعوب، وأن يحددوا لها ما تأتي وما تَدَعُ واين تمضي، وان يَزَعوها – بنيران مؤصدة تطّلع على الأفئدة – في مسالك وعرة ومهالك مُبيرة، ولم يبق إلاّ ان يصرفوا في الخلق: «أنا أُحيي وأُميت» او «أنا ربكم الأعلى» أو كما قد توحي اليهم حماقة الاستكبار زُخرف القول غرورا.
 
***
 
وكما كان مصير النمرود ومصير فرعون الى البوار والهلاك فإنّ مصير هذا الاستكبار الى بوار وهلاك أيضاً.
 
وهو دليل قائم على ان قراءة مستقبل الطغاة في الارض مرتبطة بقراءة ماضيهم قريباً كان او بعيداً.
 
وما عِلْمُ غدٍ، إذا علم «الأمسُ» بعجيب..
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات