Saturday 20th of October 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    09-Jan-2018

الخيط الرفيع.. - د. زيد حمزة

الراي -  الخيط الرفيع هو عنوان الرواية التي كتبها إحسان عبد القدوس في خمسينيات القرن الماضي وكنا نتابعها بشغف وشوق على حلقات اسبوعية في مجلة (روز اليوسف ) المصرية التي كان يرأس تحريرها، كما تابعنا قبلها وبعدها رواياته العاطفية الاكثر تحرراً والاجتماعية الأبرز تمرداً والسياسية الاجرأ ثوريةً مثل (في بيتنا رجل ) و (النظارة السوداء ) و (لا أنام) و (أين عمري )، وقد أُخرجت كلها للسينما ولاقت نجاحا كبيراً بفضل مكانة

كاتبها كصحفي شجاع تعاون مع الضباط الاحرار وهم يحضّرون سراً لثورة 1952 ،وبفضل اعجاب الملايين برشاقة قلمه وبراعته في سبر�' أغوار النفس البشرية ، وكذلك بفضل تعلق الشباب والشابات به وبوسامته واعتقادهم بأنه هو نفسه بطل قصصه وعاشقها الأول..!
 
كان شعار الرواية تحت العنوان (بين الحب وغريزة التملك خيط رفيع.. رفيع جداً) هو المغزى الذي قصده الروائي رغم انه كان ملتبساً غريبا حينذاك ولم يحدث أن قرأت في مثل سياقه الا بعد ثلاثين عاماً لإربك فروم استاذ الفلسفة في جامعة هارفرد في كتابه of Art The Loving حيث عرض وحلل على مدى ثلاثمئة صفحة أنماطا وانواعاً من العواطف البشرية التي يمكن للقارئ أن يكتشف (الخيط الرفيع) بين حناياها، ثم يتصادف اليوم اي بعد ثلاثين سنة أخرى من الاطلاع على دراسات وتجارب في شتى الثقافات أن أسمعها على لسان جيتسونما تنزين بالمو Palmo Tenzin Jetsunma البوذية التيبتية وهي تتحدث بحكمة بالغة البساطة عن الفرق بين الحب الاصيل وبين الرغبة في الالتصاق حد حجز حرية الآخر.. واريد الآن استطراداً أن استعير العنوان لكي اتحدث قليلا عن ((الخيط الرفيع)) الذي يتسلل الى نواحٍ عديدة أخرى من حياتنا وعلاقاتنا ومواقفنا وقناعاتنا الانسانية التي نحملها أو نعيشها لكننا لا نفطن لوجوده واذا لمحناه لا نعيره اهتمامنا أو لا ندرك خطورته، وسوف ألتقط من مجتمعنا نموذج التعاطف في مناسبات الاحزان والأتراح بطقوس التعزية وعاداتها وتقاليدها التي نمارسها بارادتنا أو رغما عنا أكان في النعي او التوجه لدواوين العزاء أو المشاركة في احتفالات التأبين حين تقام فاجدها تقع على جانبي خيط رفيع يكاد لا يفصل بين المجاملة والنفاق او بين العواطف الصادقة وتلك التي نصطنعها سعيا لمصلحة وجرياً وراء اطماع، ومع ذلك نسلّم بها ونردد بكل اطمئنان ألا ضير فيها ما دمنا نؤديها بملء حريتنا واختيارنا وما دامت تُدخل على نفوس الحزانى والمفجوعين راحة نفسية تخفف من معاناتهم فضلاً عن أنها تَخضع مع الزمن لعوامل التغيير والتطوير التي تخفف من غلوائها أو تلطفّ بعضاً من صعوباتها وتقلّل من عناء أدائها على كل الاطراف، فها نحن نراها لدى بعض الشعوب المتقدمة وقد أخذت أشكالاً وأنماطا أقل تعقيداً وأكثر صدقاً، دون أن تُخل بجوهر المشاعر الانسانية أو تخدش كبرياءها واحترامها، لكننا نجد الضير كل الضير حين نكتشف مثل هذا الخيط الرفيع ممتداً في صميم مواقف سياسية تتذبذب بين الاخلاص والخيانة بما يثير فينا الجزع والغضب، أو عندما نلمحه بغير عناء بين من يدّعون الامانة والاستقامة وهم غارقون في الفساد والغون في الرشوة والمحسوبية حيث لا يجوز لنا إلا أن نجاهر بما رأينا وان نطالب بسو�
 
'ق المتهمين الى المحاكم، أو حينما نعلم علم اليقين أن هذا العقائدي أو ذاك قد انتقل من النقيض الى النقيض على جانبي الخيط الرفيع فتنكر لمبادئه وخان تاريخه وانقلب على عقبيه وراح يُلبس فئات كان يعتبرها رجعية ومعيقة لتقدم المجتمع لبوساً خادعاً يظهرها وكأنها من جماعات الاصلاح والانقاذ، أو ذاك الذي وضع نفسه في خدمة سياسات كان ينعتها بالعمالة ويطالب بمحاربتها أو اصبح يرافق جهاتٍ كان يتهمها بل يدينها بالانحراف والاساءة لمصالح الشعب والوطن فان الأمر عندها يقتضي الحذر وتنبيه الناس حتى لا يقعوا فريسة هذا التحايل المدروس والمقصود الذي يبلغ حد الافتاء بنعمة الطغيان وتسويغ قمع الحريات بذريعة حماية الوطن!
 
وبعد.. أما عن الخيط الرفيع وتأرجح المثقفين على جانبيه كي تلاحقهم وصمة (مثقفي السلطة) فقد شهدنا منهم الكثير في ماضينا ولعلنا نحس بالغصة حين نتذكر شاعرنا العظيم ابا الطيب المتنبي بكل بهائه حين سقط في مدح كافور الاخشيدي ثم ما لبث ان انقلب الى هجائه بقول يطعن فيه ابسط مبادئ الحرية في كل العصور (لا تشترِ العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد)، لكن�' ينعشنا أن يصمد على الجانب الآخر من الخيط الرفيع ابو العلاء المعري الاكثر شموخاً بفكره وفلسفة حياته.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات