Saturday 20th of October 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    29-Dec-2017

البكاء على الأموات والتباكي على الأحياء - معاذ بني عامر
 
الغد- أحد ملامح العصر، وهو بمثابة الخلفية أو المرجعية التي تحتكم إليها غالبية العقول في العالَم العربي، ويصبح الخروج على ناموسها عملا مُكلفاً على المستويين العقلي والوجداني. 
إذاً، أحد ملامح العصر،هو: 1- البكاء على الأموات. 2- التباكي على الأحياء. رغم الطابع المأتمي الذي تضطلع به هذه العقول فيما يتعلق بالوضع الراهن، لا سيما ساعة مقاربته أو الحديث عنه. فالبكاء على ما نحن عليه ما هو إلا واجهة لحقيقةٍ لا يتم التعمية عليها فحسب، بل تفضح خيارات هذا العقل الموميائي (على العموم، لا على الإطلاق، لكي لا تكون ثمة تعميمات عبثية) وتذهب به بعيداً ناحية ركونه إلى قبر يجلس على ناصيته ويندب حظّه بعد أن مات العظام والكبار؛ وهروبه من الرحم الذي يمكن أن يلقّح فيه بذرته المُبدعة، ويعيد إنتاج مجده الحضاري.
ولربما انعكست هذه الرؤى التي تدعّي البكاء في العَلَن، في حين أنها تتباكى في الجوهر، على مختلف مجالاتنا الحياتية. فهي غير متعلقة بموضوعة استدعاء الجثث على المستوى الديني، والتغنّي بالسلف الصالح، مقابل الخلف الطالح. بل يتعدّى الموضوع تلك البؤرة رغم التركيز الكثيف عليها، إلى كثير من المجالات والمناطق. وثمة سؤال يبرز هنا: مَنْ مِنَّا لا يبكي على الأموات، ولا يتباكى على الأحياء؟
مَنْ مِنَّا لا يجلس على ناصية قبر ويندب حظّ الأجيال الحالية المُخفقة، بسبب ابتعادنا عن تعاليم أصحاب القبور؟ 
مَنْ مِنَّا لا يدخل في حالة من النوستولوجيا ناحية الزمن الماضي، بصفته زمن الطوبى والآمال الكبيرة، ولا ينظر –بالمقابل- بازدراء وتعالٍ إلى الزمن الحالي، وكأنه الوحيد المعصوم من هذا التصنيف العبثي، لكنه يدعّي بكاءً على ما نحنُ عليه؟
ساعة يعيب العقلاني العربي على السلفي أو المتدين، أنه يعيش في الماضي، عبر استدعاء صور التابعين والأئمة؛ ألا يعمل هو الآخر على استدعاء جثة ابن رشد وأبناء المدرسة الاعتزالية؟ أليس متموقعاً في الماضي هو الآخر؟ ألا يبكي بكاءً مريراً على ناصية قبر القاضي عبد الجبّار والنظّام وابن رشد، أم ما ينطبق على الآخرين لا ينطبق عليه، فالمدرسة الاعتزالية تجاوزت العقل السلفي في كثير من الأمور، ومن حقّهم أن يستأنفوا مقولاتهم العقلية نظراً لتغييبها والتعمية عليها لزمن طويل؟ ألا يمنح مثل هذه الأقوال أسبقية للذوات الميتة على الذوات الحيّة، وقدرتها على استبصار مآلاتنا الآنية أكثر منا، حتى وهي غائبة؟
وبالتوازي ما المقولة التي تعادل مقولة (قياس الشاهد على الغائب) في القوة والحضور في عموم العقل العربي، سواء على المستوى الديني أو الثقافي أو الأدبي أو النقدي؟
أليس المتنبي أفضل بما لا يقارن من أي شاعر على قيد الحياة؟
وأليست الخنساء مثال الصبر والحنان الطافحين؟
وأليس الأئمة يتحكمون بمسلكياتنا من لحظة الميلاد إلى أبد الآبدين، في إخفاق صريح للاجتهاد الفقهي الحالي؟
وأليس علي ومعاوية يتحكمان بمفصليات حياتنا السياسية حتى هذه اللحظة؟
وفي العموم، أليس الغائب هو الذي يفرض سيطرته العقلية والوجدانية من جهة، والواقعية من جهة ثانية على الشاهد؟
دعوني أتقدّم خطوة ناحية الأمام، وأسأل: ماذا فعلنا لكي نتجاوز هذه المحنة؟
أنا أقول –دعونا نساهم بحزمة من الإجابات دونما خجل أو مواربة، لكي نفكّ حالة الاحتقان في العقول والعيون، وتبكي بكاء حقيقياً على ما نحن عليه، لا تباكيا عبثيا- إننا يائسون من بعضنا البعض أو بالأحرى كافرون ببعضنا البعض، وما تلك الدموع التي نذرفها إلا دموع تماسيح. فنحن نستخدم مطارق كبيرة لا لنخدش بها رؤوسنا فحسب، بل ولتقضي علينا قضاء مبرماً. فالكُلّ يدّعي التغيير، لكنه يائس من الأجيال الحالية، بصفتها أقل من طموحاته العظيمة!
لِمَن نُقدّم مشاريعنا إذاً؟ إذا كانت الأجيال فاشلة كما نصفها، وفي الوقت ذاته لا نفتأ نكتب لها؟ أنكتب لكي نعتاش فقط، وما تلك الدعوات الإصلاحية إلا من باب جبر الخواطر المكسورة؟
في مقابلة مع المترجم المُبدع "إمام عبد الفتاح إمام"، يسأله "سامح إسماعيل": 
ولكن، ألا تعتقد معي أن رسالة التنوير لا تنسجم وعزلة المثقف؟ فالمثقف العضوي ينبغي أن ينخرط في الصفوف من أجل تحقيق تنوير حقيقي؟
يجيب إمام عبد الفتاح في واحدة من بكائيات العقل العربي في تجلّيه العبثي، وكفره بما نحن عليه:
"عن أي تنوير تتحدث؟ أين هو هذا التنوير؟ وهل توجد إرادة حقيقية للتنوير؟ الكلام عن التنوير بات على سبيل الاستهلاك ليس إلا. لم يعد أحد يقرأ، والكل منشغل بهموم وصراعات الحياة، أصبح الهم المعرفي آخر ما يشغل المجتمعات العربية". (انتهى الاقتباس).
أليس هذا كفرا بالأجيال الحالية، ودفعا بها ناحية الانطواء والتقهقر والهزيمة، وعلى يد مَنْ؟ 
ماذا يقول الإنسان العادي؟ أليس من حقّه هو الآخر أن يكفر بالمثقّف، وندخل جميعا في مناحة جماعية دون أن نساعد بعضنا على تجاوز محنتنا؟
وفي نموذج مضاد تماما للنموذج السابق، يقول "إمام عبد الفتاح إمام" في تقديمه للطبعة الثالثة من كتاب (تاريخ الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط) من تأليف "إتين جلسون": 
"هل يمكن لنا أن نأمل أن يظهر بين شبابنا الذين يدرسون الفلسفة الإسلامية –جلسون آخر- يقوم بإبراز العناصر الجديدة في الفكر الإسلامي...".
أليس هذا نوعا من الانفصام يتمثّله العقل العربي –تجلّى في أقوال إمام عبد الفتاح، لكنه يعكس نمطاً جمعياً- في عموميته؟
دعوني أعود خطوة إلى الخلف، وأعود فأسأل السؤال السابق ذاته: ماذا فعلنا لكي نتجاوز هذه المحنة؟
أليس الأولى أن نفتح المجال أمام عيون عقولنا وعيون أبصارنا، لكي تبكي على ما نحن فيه، بما يحتمله هذا البكاء من صدق وشفافية على تقديم ما هو نافع ومفيد لنا وللآخرين؟
لماذا نكفر بالقرّاء طالما أننا نكتب لهم؟ ولماذا نتهم الناس في أذواقهم طالما أننا نرسم لهم؟ ولماذا نتهم الناس في أفهامهم طالما أننا نتأول لهم؟
لِمَ لا نؤمن ببعضنا بعضا، وتكون الدموع التي نذرفها دموعاً حقيقية، وليس دموع تماسيح تنتصر للغائب –أياً كان- على حساب الشاهد؟
لِمَ لا نؤمن بالشاعرة "إيمان عبد الهادي" إيماناً مجديا على المستوى النقدي، بما يجعلها تتقدّم آلاف المرات على الخنساء وغيرها من نماذجنا الميتة؟
لِمَ لا نُطهّر أفهامنا من النماذج الأحادية القديمة، ونسعى إلى تقرير مصائرنا بما لدينا من طاقات مُبدعة؟
لم ما نزال نعتقد أن الأرحام عاجزة عن إنجاب من هو أكثر إبداعاً من نجيب محفوظ؟
لِمَ لا نمنح أنفسنا فرصة لبكاءٍ حقيقي على الآخرين، حتى لا يذرف علينا الغير دموع تماسيح؟
لم لا نؤمن إيماناً عقلياً أن التغيير يتطلب رأسمال بشري، وهذا الرأسمال موجود بيننا الان، لذا دعونا نكتب له لأنه يقرأ، ونؤمن بمبدعيه لأنهم موجودون، ونشجّع رساميه ونقود أطفاله ونساعد مُسنّيه...الخ.
لم لا نهدم مُسلّماتنا حول الجيل الفاشل، ونسعى إلى بناء معمار قوامه رأسمال بشري كبير، يمكنه أن يجترح المعجزات إذا ما تهيّأت له الحواضن المناسبة، وأولها إيماننا به، فبدونه سنبقى بحاجةٍ إلى الأموات، والأموات لا ينفع معهم إلا ذرف الدموع وإهلاك العيون دون طائل أو جدوى.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات