Friday 23rd of June 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Dec-2016

متلاعبون يحولون "ذهب الأردن" إلى زيت مغشوش

 ‘الغد‘‘ ترصد صراعات خفية يشتعل أوارها في موسم الزيتون وضحيتها المواطن

 
منى أبو حمور
عمان -الغد-  يدفع ارتفاع أسعار زيت الزيتون وانخفاض الدخل الشهري للعديد من المواطنين، إلى البحث عن حلول أقل تكلفة لسد حاجتهم من الزيت، الأمر الذي يجعل منهم فريسة سهلة لسماسرة زيت الزيتون.
وتتعدد أوجه الاحتيال على المواطنين، حيث أصبح هناك من يمتهنون أسوأ أنواع التضليل لينالوا من جيوب المواطن ومن قوته ومصدر غذائه الأساسي الذي ينتظره كل عام.
وهناك صراعات خفية رصدتها "الغد"، أبطالها بعض تجار الزيتون في موسمهم الذهبي، ويروح ضحيتها المواطن الذي يجهل أساليب غش زيت الزيتون، الذي يحوله بعضهم من منجم للفيتامينات والمعادن إلى سم قاتل يفتك بالأجساد.
ويأتي في مقدمة طرق الاحتيال إدخال أصباغ وتركيبات إلى الزيت تحوله إلى "سموم قاتلة، بدلا من مادة غذائية باركها الله"، وفق المواطن الخمسيني أحمد عناسوة الذي كان أحد ضحايا هؤلاء التجار.
ويروي عناسوة حكايته مع سماسرة الزيتون، قائلا "اشتريت عشر عبوات من زيت زيتون بسعر اعتقدت أنه لقطة، لكنني تفاجأت أن عبوة واحدة كانت حقيقية، هي التي أجري عليها الاختبار في مكتب البيع، في حين كان محتوى البقية عبارة عن ماء وزيت وترسبات الزيت (طرطب)".
وتختلف تجربة عناسوة عن المواطن الأربعيني خالد صالح، سكان إحدى قرى محافظة البلقاء الذي سارع بعد انتهائه من قطاف زيتون أرضه إلى إحدى المعاصر المجاورة في منطقته ليجني خيرات أرضه، غير أنه فوجئ أن عدد عبوات الزيت التي أنتجتها مزرعته قليلة مقارنة بالأعوام الماضية، فضلا عن "رداءة الزيت الذي لم يعتد على رؤيته من قبل".
ويضيف "حين راجعت المعصرة وأبلغتهم باستحالة أن يكون هذا الزيت زيتي، صرخ مسؤول المعصرة في وجهي وقال لي هذه مشكلتك"، فبدأ صالح من جهته رحلة البحث والاستكشاف عن أسباب رداءة منتجه لهذا العام.
ولرغبته الشديدة بمعرفة سبب رداءة منتجه وضعف إنتاجه، عرف صالح، بعد أن تعرف على أحد العاملين في المعصرة، بأنه "تم تبديل أكياس الزيتون الخاصة به بأخرى، وهو أسلوب تنتهجه بعض المعاصر مع صغار المزارعين ذوي الإنتاجية المحدودة".
وقال العامل لصالح: "هذه غلطتك.. ما وقفت على عصر زيتونك".
عموما فإن حرفية تجار الزيتون في إيجاد أساليب مبتكرة يصعب كشفها، فاقت توقعات كثيرين، خصوصا عندما يعبئ المشتري زيته بيده من "الفرازة"، في ظل ضعف الرقابة على تلك المعاصر، وامتهان أصحابها للغش، وفق المواطن الخمسيني أبوعلاء (اسم مستعار)، الذي كان ضحية أخرى لإحدى معاصر زيت الزيتون في مناطق الشمال.
وفي هذا الصدد، يقول أبو علاء "أصررت على شراء الزيت من المعصرة، وملأت تنكاتي من المحقان"، معتقدا أنه استطاع أن ينفذ من مطرقة الغش، ليتفاجأ، بعد أن اشترى ثمانين تنكة من المعصرة، أن "الزيت غير صالح للاستهلاك البشري، وفق نتائج الفحوصات التي أجرتها المؤسسة العامة للغذاء والدواء عليها".
وهكذا ذهبت أموال أبو علاء هدرا، والتي تزيد على 6400 دينار، حيث اشترى العبوة الواحدة بقيمة 80 دينارا، كون هذا الزيت معتمد وموثوق ومن المعصرة مباشرة، ناهيك عن التعب الجسدي والنفسي الذي تكبده جراء تعرضه لعملية نصب واحتيال.
وكانت وزارة الزراعة حددت أسعار الزيت للعام الحالي، بسعر يتراوح ما بين 70 و75 دينارا للتنكة الواحدة.
غير أن عدم صلاحية الزيت "لا تقتصر على إضافة الأصباغ فقط"، وفق مدير مديرية الرقابة على الغذاء بالمؤسسة العامة للغذاء والدواء الدكتور محمد الخريشا لـ"الغد".
ويوضح الخريشا الأسباب التي تؤدي إلى إفساد الزيت، منها انتهاء صلاحية الزيتون أو عطبه، جراء سوء طرق حفظه، أو طرق نقله غير السليمة، فضلا عن استخدام أكياس البلاستيك بدلا من الخيش، والتي تتسبب بتلف حبات الزيتون، خصوصا في ظل ارتفاع درجة الحرارة، وهذا ما يعرف بظاهرة "التزنخ".
ويلحق "التزنخ "الضرر بحبة الزيتون ذاتها  قبل العصر، حيث تصبح نسبته أعلى من الحد المسموح به وفق معايير وأسس "الغذاء والدواء"، وبالتالي يصبح غير صالح للاستهلاك البشري.
ويلعب سماسرة دورا كبيرا في توسيع دائرة الغش في موسم الزيتون، فالمواطن جعفر محمود، من سكان العاصمة، كان استدل على سمسار من معارفه يروج لزيت "ذات جودة عالية"، لافتا إلى أن السمسار كان يدعي أنه "يبيع بأسعار رخيصة رغبة منه بالتيسير على الناس".
غير أن فرحة جعفر بالتوفير لم تدم طويلا، بل تحولت إلى حزن شديد، بعد أن شاهد نشرة الأخبار التي أعلنت عن "الغذاء والدواء"، بالتعاون مع الجهات الأمنية، بالتحفظ على الزيت الذي يبيعه السمسار، بعد أن ثبت أنه مغشوش.
وكانت مرارة جعفر بعد اكتشاف تعرضه للغش كبيرة، سيما وأنه لم يكن من السهل تأمين 250 دينارا اقترضها، ثمنا لخمس تنكات مؤونة عائلته للعام المقبل.
وفي مثل هذا الوقت من كل عام، يضطر جعفر أن يأخذ سلفة يتم اقتطاعها شهريا من راتبه لشراء "الذهب الأصفر" لأسرته، ووجد أن شراء تنكة الزيت بخمسين دينارا، يمثل سعرا مغريا بالنسبة له، ما أثار فضول جعفر الذي تساءل عن سبب انخفاض سعر الزيت، فكان تبرير السمسار بأنه "زيت العام الماضي".
بدوره، يشير المدير العام لمؤسسة المواصفات والمقاييس الدكتور حيدر الزبن إلى أن زيت الزيتون الأردني له قاعدة فنية تبين صفاته وشروطه، مؤكدا "أنه لا يمكن لأي زيت غير مطابق للمواصفات والشروط أن يمر من خلال مختبر المؤسسة".
وتتوافق "الغذاء والدواء" مع "المواصفات والمقاييس" ونقابة المعاصر الأردنية، على إلصاق بطاقة بيان واضحة فوق تنكة الزيتون، لتبيان مواصفاته والقاعدة الفنية ومكان المنشأ، وفق الزبن الذي اعتبر أن هذه الخطوات المهمة "قد تحد من عمليات غش زيت الزيتون".
وأوضح الزبن "استحالة التلاعب بهذه البطاقات، سيما وأن المؤسسة أعطت هذه المعاصر أرقاما سرية موجودة فقط في "المؤسسة"، ونقابة المعاصر، الأمر الذي يضع حدا لكل من يحاول التلاعب والغش داخل المعاصر".
ويطالب بـ"عدم التهاون مع كل من يحاول التلاعب بالزيت وغشه، وأن يتم تحويله إلى النيابة العامة وتطبق عليه عقوبات قانوني "الغذاء والدواء "و"المواصفات والمقاييس"، فيغرم مبلغا ماليا يصل إلى خمسة آلاف دينار، ويسجن من ثلاثة أشهر إلى سنة".
ويتابع أن "إدخال بطاقة البيان على عبوات الزيت حققت نتائج إيجابية، حيث تضمن جودة الزيت بالنسبة للمشتري، كما تحدد الجهة المسؤولة عن الزيت الموجود داخل العبوة، وبالتالي تسهل ملاحقته في حال ثبوت التلاعب والغش".
وتلزم "الغذاء والدواء" بدورها المعاصر، بوضع بطاقة البيان على عبوات الزيت التي تباع للمواطن ولغاية خمس تنكات.
ويقر الخريشا أن طواقم المؤسسة تبذل جهدا كبيرا في مواسم قطاف الزيتون، للتصدي لعمليات الغش.
ويعتبر أن "ما يقوم به بعض التجار الذين يمتهنون غش الزيت لا يقتصر على المتاجرة بأرواح الناس وحسب، وإنما يسعون أيضار لضرب سمعة المنتج الوطني، من خلال تمرير منتج لا علاقه له بزيت الزيتون".
ويؤكد ذلك مفيد أبو عذية، صاحب شركة معاصر وأحد كبار مصدري ومستوردي زيت الزيتون إلى الأردن وخارجه، حيث استطاع، وتحت شعار "ذهب الأردن"، توصيل زيت الزيتون إلى المغتربين في الولايات المتحدة الأميركية.
وتعد أميركا من أكبر الأسواق الاستهلاكية لزيت الزيتون في العالم، حيث يتم استهلاك ما يقارب 254 ألف طن سنويا، أي ما يعادل 41 % من إنتاج الزيت العالمي، وفق أبو عذية الذي اعتبر ذلك "فرصة يمكن استغلالها لتسويق زيت الزيتون الأردني بشكل أكبر".
ويضيف أن زيت الزيتون الأردني حقق مستوى عاليا من الجودة على المستوى العالمي، وأن أي عملية غش في الزيت وإضعاف المنتج، سيخل بمرتبته وصورته في العالم. 
ويتصدر خلط الزيت، بحسب الخريشا، أكثر أنواع الغش، حيث يشكل زيت الزيتون الحقيقي 20 % فقط من المزيج، و80 % زيوت أخرى، وعادة ما يكون زيت الصويا، حيث تكون تكلفة الزيت التقديرية على التاجر نحو 10 % من ثمن العبوة، والباقي ربح، مبينا أن" الزيت الذي يتراوح سعره بين 45-60 دينارا هو زيت زيتون مغشوش دون أدنى شك."
ويقول إن "طريقة الغش الثانية كانت تمارس بشكل كبير عندما كانت الحدود مفتوحة مع سورية، وتعتمد على استخدام أصباغ تعطي انطباعا بأن العبوة عبارة عن زيت الزيتون من حيث اللون والرائحة، إلا أن آثارها مدمرة على الصحة".
وفي هذا النوع من الغش تكون العقوبات مغلظة ورادعة، لأنها مخالفة لقوانين "الغذاء والدواء" من جهة، وضارة بالصحة ويترتب عليها إجراء قضائي مختلف تماما من جهة أخرى، ما حد من انتشارها.
ويؤكد الخريشا أن "هؤلاء التجار الذين يمارسون الغش محدودون، لكن إن لم يتم ردعهم بالقانون سيزدادون وبالتالي سيكون المواطن هو الضحية".
ويعتقد أن قانون "الغذاء والدواء" رادع بما يكفي، حيث عالج قضية الغش بتغليظ العقوبات، لكنه "لا يتناسب مع قوانين الجهات الأخرى"، مؤكدا مسؤولية المؤسسة عن "كافة عبوات زيت الزيتون بمجرد خروجها من المعصرة، في حين أن كل ما يباع داخل المعصرة هو من اختصاص وزارة الزراعة".
كما يعتبر الخريشا أن العقوبات التي تتخذها وزارة الزراعة بحق المخالفين "غير رادعة، لاسيما بحق المعاصر التي لم تلتزم التزاما كاملا بوضع بطاقات البيان، إذ إن عدم وجودها يخلي أصحاب المعاصر من مسؤولية المنتج الذي قامت ببيعه للناس".
وفي هذا الشأن، يؤكد الناطق الإعلامي باسم وزارة الزراعة نمر حدادين "ملاحقة الوزارة للتجار الخارجين عن القانون والممتهنين لغش الزيت، وفق قانون العقوبات".
وفيما يتعلق بضرورة التزام المعاصر بوضع بطاقة البيان على العبوات، يؤكد حدادين أن هذا الأمر "ملزم للتجار، أما المزارعون ذوو الإنتاجية المحدودة فيتم إعفاؤهم من هذا الالتزام".  
ويدعو المواطنين إلى "عدم الشراء من الباعة المتجولين والمكاتب غير المعروفة".
من جهته، يكشف نقيب المعاصر الأردنية عناد الفايز عن "تواطؤ بعض الجهات الرسمية مع سماسرة زيت الزيتون الذين يغشون الزيت ويتاجرون بأرواح الناس، ويتسب بإلحاق الضرر الصحي بهم"، مؤكدا أن النقابة تقوم بدورها الرقابي على أكمل وجه، على أداء المعاصر وضرورة التزامها بوضع بطاقة البيان على عبوات الزيت الخاصة بها.
كما يؤكد اتخاذ عقوبات رادعة بحق المعاصر المخالفة، حيث يتم إغلاقها وتحويلها إلى الجهات الأمنية.
ويطالب الفايز بضرورة تشديد العقوبات وتغليظها على من "تسول له نفسه التلاعب بصحة المواطن"، مضيفا "رغم ضبط كميات كبيرة من زيت الزيتون المغشوش، إلا أن الحكومة إلى الآن لم تعلن عن أسماء الأشخاص المتلاعبين حتى يكونوا عبرة لغيرهم".
ويضيف "أعتقد أن هؤلاء الأشخاص مدعومون من قبل مراكز قوة في البلد، فهم ليسوا أشخاصا عاديين بل متنفذين نتيجة استمرارهم بالغش وعدم محاكمتهم علنا".
وكانت محافظات الشمال تصدرت أعلى النسب في الزيت المغشوش، حيث تمكنت كوادر "الغذاء والدواء" من ضبط نحو 20 ألف تنكة منها، إضافة الى ضبطها مصنعا في منطقة رحاب يصنع زيتا مغشوشا بزيت الصويا ويتم تعبئته في عبوات صغيرة الحجم.
كما تم ضبط 4 آلاف كيلو من الزيت المغشوش في عجلون، والتي أثبتت نتائج الفحوصات المخبرية ارتفاع نسبة الحموضة فيها، حيث قامت المؤسسة وبالتعاون مع الجهات المعنية، بالتحفظ على كميات الزيت التي تم سحبها من الأسواق.
وفي المفرق، ضبطت مديرية الصحة 7 أطنان من الزيت غير الصالح للاستهلاك البشري، والتي كان يتم بيعها للمستهلكين، في عدد من المحلات التجارية.
وفي العاصمة، "ضبطت المؤسسة 250 تنكة زيت مغشوشة خلال الأسبوعين الماضيين، فيما أحالت المخالفين إلى الجهات المختصة لإجراء المقتضى القانوني بحقهم، بموجب قانون الغذاء، في حين تم ضبط نحو  100 تنكة و500 لتر داخل خزان، إضافة الى عبوات من زيت الصويا، و300 عبوة بلاستيكية بأحجام متنوعة ومجموعة كبيرة من الملصقات"، وفق مصدر أمني مسؤول في مديرية شرطة الرصيفة.
muna.abuihammour@alghad.jo
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات