Thursday 21st of September 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    30-Aug-2017

قصة تطوير كلية التربية بجامعة النجاح - د. جودت أحمد المساعيد
 
الغد- حين التقيتُ د. رامي الحمدالله، رئيس جامعة النجاح الوطنية في نابلس للمرة الأولى العام 1999، أبدى اهتماماً شديداً بمسألة تطوير كلية العلوم التربوية في الجامعة، والتي كانت من وجهة نظرهِ تُعاني من نقاط الضعف الواضحة، ما يقتضي الإسراع في تشخيص كل ذلك أولاً، ثم وضع الحلول الملائمة لها ثانياً، سواءٌ على مستوى برامج الدراسات الدنيا أو مستوى برامج الدراسات العليا. وحتى يجعل الأمر عملياً بدرجةٍ أكبر، قام بتشكيل لجنةٍ أكاديميةٍ رسميةٍ لتطوير تلك الكلية برئاسة نائب الرئيس وعضوية ثلاثة أساتذة آخرين، كنتُ واحداً من بينهم. 
طلب الرئيس مني شخصياً بعد ذلك كتابة تقريرٍ شاملٍ عن تشخيص الأوضاع الموجودة ولا سيما التي هي بحاجةٍ ماسة إلى عملية التطوير، على أن يعقبها خطوة طرح المقترحات المناسبة لعلاجها. وقد طلبتُ منه آنذاك، إعطاء التوجيهات لعميد كلية التربية بتسهيل مهمتي من أجل مقابلة أي عضو هيئة تدريس لديه، والرد على الأسئلة العديدة التي قد أوجهها له، إضافة إلى الاطلاع على الملفات الرسمية المختلفة، كلما تطلب الأمر ذلك.   
وبدأتُ فوراً بالتفكير في تحديد النقاط التي سوف يتم تناولها في التقرير الذي سأقدمه لإدارة الجامعة عند انتهاء المهمة، ثم انتقلتُ بعد ذلك إلى تحديد مواعيد مع أعضاء هيئة التدريس في الكلية، ضمن أوقات فراغهم، موضحاً لهم أن المقابلة هي عملٌ مهنيٌ محض للغاية، يهدف إلى تلمس جوانب القوة إن وجدت، تمهيداً للتمسك بها والعمل على دعمها، وتحديد مواطن الضعف من أجل التخلص منها أو التخفيف من حدتها على الأقل. كما أكدتُ لهم بأن المعلومات التي يتم جمعها من خلال مقابلاتهم، ستظل طي الكتمان، بحيث لن يتم نسبها إلى قائليها مطلقاً، ولن تستخدم إلا من أجل جلاء المواقف وتحقيق أهداف التطوير، وسيتم الاستعانة بها لكتابة التقرير، ولمعرفة الحقائق على أرض الواقع دون تهويل أو تضليل.
كنتُ ألتقي بكل عضو هيئة تدريس على حِدة، وفي مكتبه الخاص، حتى لا يتغير عليه الجو النفسي والأكاديمي بالدرجة الأساس. وكان سؤالي الأول يتركز حول إعطاء نبذة مختصرة من جانب الزميل أو الزميلة، عن السيرة الذاتية من حيث التخصص والأنشطة البحثية والتدريسية، ثم الانتقال بعد ذلك إلى طرح وجهة نظرهِ في جوانب القوة التي يراها موجودة في كلية العلوم التربية التي يعمل فيها، وجوانب الضعف التي يلمسها فيها، والمقترحات التي يعتقد بأنها تعالج ذلك الضعف وتعمل بالتالي على تطوير الكلية نحو الأفضل.
كانت اللقاءات تطول أحياناً، بمقدار ما يطرحه الزملاء من معلومات، وما يعقبها من أسئلة أطرحها عليهم مُعلقاً على ما يُقال، أو مستوضحاً لما أسمعه من أفكارٍ أو آراءٍ أو وجهات نظر. وكنت أستغلُ قيام الزملاء بالاستطراد أحياناً في أحاديثهم المطولة، كي أقوم بكتابة رؤوس أقلام لما تعرضوا له من موضوعات، مختتماً كل لقاء بالتذكير بالنقاط التي طرحها الزميل، وفيما إذا كانت لديه الرغبة في إضافة الجديد إليها أو حذف بعضها. وقد لاحظتُ من تلك المقابلات عدم وجود خوفٍ أو حرجٍ أو ترددٍ في قول ما يعتقدون أنه يمثل وجهات نظرهم من جهة، وفي رغبتهم الصادقة بضرورة تطوير الكلية والتخلص مما تُعانيهِ من نقاط ضعفٍ عديدة. 
لم أعتمد فقط على مقابلة أعضاء هيئة التدريس في الكلية من أجل كتابة التقرير النهائي أو التصور المقترح لتطوير الكلية، بل وضعتُ في الحسبان أيضاً ملاحظاتي اليومية، ورجوعي إلى العديد من الملفات الرسمية الموجودة في الكلية، بل وتوجيه أسئلة لطاقم السكرتاريا في الكلية والأقسام، وإلى لقاء مدراء المراكز وشؤون الموظفين والمكتبة العامة وغيرهم ممن يرتبطون بطريقةٍ أو بأخرى لخدمة الكلية. 
عكفتُ بعد انتهاء مهمة المقابلات للزملاء، وجمع المعلومات من هنا وهناك، على كتابة التصور المقترح لتطوير كلية التربية، والذي بلغ عدد صفحاته ستين صفحة كاملة، بدأتها بالمقدمة القصيرة لما يشمله التصور من خطوات، ثم الانتقال إلى اقتراح ثمانيةٍ من الأهداف المنشودة أو المرغوب فيها لأي كلية تربية في العالم، والتعرض بعد ذلك لموضوعٍ جوهريٍ يتمثل في مبررات تطوير كلية التربية في جامعة النجاح بالذات، والتي شملت مبرراتٍ عامة وأخرى خاصة. أما المبررات العامة فتمثلت في متطلبات العصر من العلم والمعرفة، والتطورات الكثيرة التي حدثت داخل المجتمع المحلي، واللحاق بدول العالم المتقدم في الرقي والبناء والعمران. أما المبررات الخاصة فتدور كلها حول الواقع الذي كانت تعيشه كلية التربية بجامعة النجاح آنذاك، والذي كان يواجه الكثير من نقاط الضعف بلغت (53) نقطة، يتمثل أهمها في انعدام وجود معمل للتدريس المصغر، وآخر لعلم النفس، وثالث للغة الإنجليزية.
كما كانت الكلية تُعاني من النقص الحاد في أعضاء هيئة التدريس لبعض التخصصات، ومن ضعف الميزانية اللازمة لاستقطاب الأساتذة المرموقين، وعدم كفاية المكاتب الخاصة بالمدرسين، وندرة الأنشطة التطويرية الخاصة بأداء أعضاء هيئة التدريس، وضعف روابط الاتصال بين كلية التربية بجامعة النجاح، وغيرها من كليات التربية داخل فلسطين وخارجها، وضعف تأثير الكلية في البيئة المحلية، وضعف العلاقة بين الكلية ووزارة التربية الفلسطينية، ووجود ثغرات واضحة في الخطط والبرامج والمقررات الدراسية، وكثرة أعداد الطلبة المقبولين في برامج البكالوريوس أو الماجستير.
كما خلت الأقسام التي تطرح برامج الماجستير من وجود لجان دراسات عليا، ووجود قاعات التدريس بالقرب من أماكن الضوضاء، وقلة المراجع التربوية الحديثة في المكتبة، والتخبط الذي يسود عملية تسجيل الطلبة للمقررات، وعزوف الطلبة عن أخذ المقررات الاستدراكية قبل الإجبارية، وضعف الطلبة الواضح في اللغة الإنجليزية، وضعف التنسيق بين الكلية والمدارس الحكومية والخاصة لتطبيق برنامج التربية العملية، وقلة عدد المشرفين على الطلبة خلال تطبيق برنامج التربية العملية، وقيام المدرسين المساعدين من حملة الماجستير بتدريس مواد إجبارية واختيارية عديدة، وضعف التوصيف الدقيق للمقررات المطروحة، وغياب التنسيق بين أعضاء هيئة التدريس ممن يقومون بتدريس عدة شُعَب للمقرر الواحد، والتنسيق الضعيف بين أقسام الكلية ذاتها، وعدم وجود نائب للعميد أو مساعدين له، وندرة الأجهزة التعليمية المناسبة، وضعف العلاقات الإنسانية بين أعضاء هيئة التدريس، وضعف مستوى دليل الكلية آنذاك، وغيرها من النقاط.
في نهاية التقرير، تمّ اقتراح عدة وسائل لتطوير أداء أعضاء هيئة التدريس تتمثل في إقامة الندوات العلمية الشهرية، وعقد الدورات التدريبية للمستجدات العلمية في مجال التخصص بمعدل دورة واحدة سنوياً على الأقل،  وعقد المؤتمرات التربوية، وتبادل الزيارات العلمية مع جامعات أخرى، وتقديم الاستشارات التربوية، وإجراء المزيد من البحوث التربوية، واستخدام التقييم الأكاديمي السنوي، وطرح برامج على مستوى الدكتوراة، ومنح شهادات التقدير والتميز من الجامعة للنشطاء من أعضاء هيئة التدريس.
أما عن تطوير خدمات الكلية للمجتمع المحلي، فقد تمَ التوصية بضرورة توثيق العلاقة بين كلية التربية والمدارس الحكومية والخاصة، ودعوة أبناء المجتمع المحلي لزيارة الكلية للاطلاع على أنشطتها من وقتٍ لآخر، وتفعيل عملية استعانة المجتمع المحلي بأعضاء هيئة التدريس، واستغلال كلية التربية لأنشطة المناسبات المحلية، وقيام علاقة وثيقة بين الكلية ووزارة التعليم العالي.
وبالنسبة لتطوير البرامج والخطط الدراسية، فلا بد من تقييم البرامج آنذاك، من أجل معرفة مدى مجاراتها لأحدث التطورات العلمية من حيث المجالين المعرفي والتربوي، والاستفادة من خطط الجامعات العربية أو الأجنبية العريقة وبرامجها المتنوعة، مع اختيار المناسب منها، بحيث لا يؤثر على الثوابت الدينية والوطنية للمجتمع المحلي. أما عن المعامل التي ينبغي إنشاؤها في الكلية، فتتمثل في معمل الإرشاد النفسي، ومعمل القياس والتقويم، ومعمل التدريس المصغر، ومعمل علم النفس، ومعمل تكنولوجيا التعليم، ومعمل التربية الرياضية، ومعمل التربية المهنية، ومعمل التربية الفنية، ومعمل التربية الأسرية.
واختصارٍ شديد، فإن عملية التطوير الأكاديمي لأي كليةٍ من كليات الجامعة، سواء كانت علميةٍ أو إنسانية، يجب أن لا تتم ضمن مراحل ارتجالية أو عشوائية أو مزاجية، وإنما بخطواتٍ علميةٍ دقيقةٍ، تتطلب جهوداً كبيرة، ومراجعة دائمة، من أجل تحقيق الأهداف التي تنشدها تلك الكلية، لخدمة الأجيال الصاعدة من جهة، والمجتمع الذي تنتمي إليه تلك الأجيال من جهةٍ ثانية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات