Friday 26th of April 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-Apr-2019

مستقبل السودان*عبدالله بن بجاد العتيبي

 الشرق الاوسط

عانى الشعب السوداني طويلاً ولعقود من الزمن من الحكم الأصولي لجماعة الإخوان المسلمين، وما جرّه على الدولة والشعب من عسف وظلم وديكتاتورية ترتدي رداء الدين وتتستر به وتتخفّى خلفه، ومعلوم أن جماعة الإخوان والإسلام السياسي عموماً هم أفشل الناس في إدارة شؤون البلدان وتنميتها، والسودان خير شاهدٍ.
ابتهجت الجماهير السودانية بسقوط حكم البشير ثم باستقالة رئيس المجلس العسكري الانتقالي عوض بن عوف الذي أكد في خطابٍ له أن أعضاء المجلس العسكري هم «تلاميذ سوار الذهب»، وعزّز ذلك عملياً باستقالته ونائبه في اليوم الثاني، وتسليم مقاليد السلطة للفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي سيقود دفة الحكم في مرحلة انتقالية تمتد لعامين.
التحديات كبيرة جداً أمام الدولة السودانية وشعبها، فإما أن تتجه للاستقرار وبناء المستقبل، وإما أن ترتكس في «استقرار الفوضى» وتضارب المصالح وتشتت المجتمع، ومن الدروس المهمة لما كان يعرف بالربيع العربي قبل ثماني سنوات، أن الجماهير لا تعرف متى تقف وتستأنف حياتها الطبيعية، بل هي مجبولة على استمرار الاحتجاجات وميالة إلى إبقائها حية كضمانة تطمئن شكوكها وارتيابها الدائم من الدولة ومؤسساتها.
مستقبل السودان رهنٌ بقدرة الشعب السوداني والمجلس الانتقالي في تأمين «استقرار الدولة»، والرفض القاطع لـ«استقرار الفوضى»، فهي المعادلة الوحيدة للنجاة الحقيقية من أي تبعاتٍ سيئة لمرحلة الانعتاق من الحكم الأصولي، فلا شيء يفشل الدول ويعيدها إلى الوراء مثل تفشي الفوضى والإدمان على الثورة.
علمنا التاريخ أنه في لحظة انتصار الاحتجاجات أو الانتفاضات فإن عدوّها الأول يصبح انتصارها إذا لم تتعلم كيف تتعامل معه، لأن الجماهير تبدأ في الاعتقاد أنها ما دامت قد انتصرت وغيرت النظام فهي قادرة على كل شيء بعد ذلك، ورفضها التسليم لأي سلطة مهما كان شكلها، ورفضها العودة لحياة الاستقرار، فكثير من الأفراد يتشكل لديهم شعور عميق بقيمة ذاتية قوية وجودها مقترنٌ بحالة الاحتجاج فهم لذلك يرفضون العودة للاستقرار، وينجرفون خلف الاحتجاجات للدفاع عن هذه القيمة الجديدة التي ستنتهي بمجرد عودة الاستقرار.
لا داعي لسرد كثير من الشواهد التاريخية البعيدة زمانياً أو مكانياً فيكفي استحضار ما جرى إبان ما كان يعرف بالربيع العربي في الجمهوريات العربية المنتفضة، حيث أصبح استقرار الدولة حلماً حقيقياً للشباب العربي هناك، وقد نجحت في العودة إليه بعض الدول مثل مصر، ولم يزل بعضها يعاني الأمرّين في سبيل العودة إليه مثلما يجري في ليبيا واليمن على سبيل المثال.
عمق السودان الاستراتيجي ليس في إيران ولا تركيا ولا قطر، بل عمقه الاستراتيجي في الدول العربية، والمشروع العربي الرائد نحو بناء الدولة الوطنية الحديثة ذات التنمية والبناء والانحياز للمستقبل، الذي تقوده السعودية ومصر والإمارات وغالبية الدول العربية، والابتعاد عن المشاريع المعادية للدول العربية، سواء كان المشروع الإيراني الطائفي أو المشروع الأصولي التركي المدعوم من قطر وجماعة الإخوان وجماعات الإسلام السياسي.
الحكم الأصولي الإخواني استمرّ في السودان لعقودٍ. وجماعة الإخوان السودانية مثلها مثل نظيراتها تمتلك تنظيماتٍ سرية ومدربة قادرة على زعزعة الاستقرار ونشر الإرهاب وضرب الوحدة الوطنية، وهي ستكون مدعومة بقوة من المحور الأصولي التركي القطري، والأخطر بالنسبة للسودان أن هذه التنظيمات الإرهابية كانت تعمل تحت سمع الدولة وبصرها وبدعم منها، وقد جاءت لحظة الاستفادة منها ما لم ينتبه الشعب والجيش السوداني لها مبكراً.
مثلما جرى في تجارب الجمهوريات العربية المنتفضة إبان ما كان يعرف بالربيع العربي، فإن عناصر جماعات الإسلام السياسي لا يتحدثون لغة الإسلام السياسي الفجة، بل هم قادرون على الحديث بلغة المفاهيم الحديثة، حيث العدالة والمساواة والحقوق وعشرات المفاهيم المشابهة التي يخفون خلفها أهدافهم الحقيقية وآيديولوجيتهم العنيفة.
الشعب السوداني قد يكون من أقدر الشعوب على كشف هذه الجماعات وتقلبات خطابها وكذب رموزها، وذلك بحكم تجربته الطويلة تحت حكمهم واكتشافه المضني لمدى قسوتهم ونفاق خطابهم والديكتاتورية الصارمة التي يعتمدونها بمجرد الوصول إلى السلطة.
الشعب السوداني شعبٌ مثقفٌ ومتعلمٌ وهو يعي الحاجة الملحة لبناء دولة حديثة باقتصادٍ ناجحٍ وتنمية مستمرة، وأن إعادة بناء الدول مهمة شديدة الصعوبة، والتحديات أمامها ثقيلة والطريق إليها مضنية، ومن دون الوحدة الوطنية القوية وتماسك المكونات السياسية والاجتماعية والعسكرية، فإن نسب الفشل أكبر من نسب النجاح.
تعرف الشعوب العربية تميّز الشعب السوداني وتماسكه، فللسودان سفراء يعملون في كثير من الدول العربية، ويشهد لهم الجميع بحسن الخلق وإتقان العمل والأمانة والإخلاص والتكاتف في الغربة الذي يميزهم عن كثير من الشعوب الأخرى، وتجربتهم التاريخية، وبخاصة في دول الخليج العربي، خير شاهدٍ على ذلك، وقد جاء اليوم الذي يثبتون فيه للعالم أجمع وعيهم وتميزهم على صنع الشيء ذاته في وطنهم وعلى أرضهم.
لدى السودان تاريخ طويلٌ من التعايش بين مكوناته المختلفة دينياً وعرقياً ومذهبياً على الرغم من الفتن التي أشعلتها قيادة الحكم الأصولي، والتي أدت لانقسام السودان وخسارته جزءا كبيرا من أرضه لصالح دولة جديدة مستقلة، وهو قادرٌ على استئناف ذلك التعايش الأعرق والأقدم من جديد وبناء دولة المواطنة الحديثة، بعيداً عن المغامرات غير المحسوبة لحقبة الحكم الأصولي.
من أكبر التحديات أمام السودان الجديد وبناء مستقبله أن البلاد ظلت ولعقود ملجأ لكل إرهابيي العالم وأصولييه، من «الإخوان» إلى «القاعدة» إلى عشرات الأسماء لحركات الإسلام السياسي، وأن مهمة التخلص منهم ومن شرورهم لن تكون سهلة على الإطلاق، وكلما تأخر الانتباه لهم، وجدوا ملاذاتٍ تضمن استمرارهم في بث الشرور ونشر التفرقة.
محاولات التشبه بما جرى إبّان ما كان يعرف بالربيع العربي قبل ما يقارب العقد من الزمان، هي محاولات ضد مستقبل السودان أكثر مما هي معه، فلا فائدة حقيقية للشعب السوداني من أنه يشبه ما جرى في تونس أو في مصر في الماضي القريب، بل الأفضل هو قراءة التجربة السودانية كنموذجٍ جديدٍ يمكن له تقديم الأفضل، وليس عليه أن يمرّ بالمشاكل والمآسي نفسها التي مرّت بها تجارب أخرى.
أخيراً، فكل الأماني للشعب السوداني والدولة السودانية بتجاوز هذه المرحلة الانتقالية بسلامٍ، وتحقيق استقرار الدولة ورفاه الشعب.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات