Saturday 16th of December 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    01-Aug-2017

ربط مستقبل العراق بماضيه - تريسكا حميد

 

 
متخصصة في قضايا وشؤون الشرق الأوسط
الغد- تريسكا حميد تتعرف على شخصية علي "بالعطلة"، الرجل الذي كشف عن تراث العراق وثقافته لشعب عازم على إعادة بناء مستقبله.
للتغلب على ألم فقدان شقيقته بمرض السرطان، ثم اختطاف أخيه على يد ميليشيات القاعدة في عام 2005، انغمس علي المخزومي في الكتب والموسيقى من ماضي العراق ليجد العزاء في تراثه الثقافي. 
ويمكن للعراق تقديم الكثير باعتباره مهد الحضارة. ويزخر النسيج التاريخي والثقافي للبلاد التي كانت موطنًا لأبناء بلاد الرافدين والبابليين والسومريين بالغنى والوفرة وقد ترسّخ اهتمام علي عندما كشف عن المزيد من الحقائق المدهشة من ماضي البلاد.
واليوم، شارك الشاب البالغ من العمر 29 عامًا في تأسيس شركة "بالعطلة"، وهي شركة ناشئة تساعد على إحداث ثورة بخطى بطيئة في قطاع السياحة في العراق وتشجع مواطنيها على تقدير قيمة كنوز تلك الأرض. 
بدأ علي حياته المهنية في وزارة الثقافة حيث قام بتنظيم الأنشطة واستضاف الزوار الأجانب، كما أسس "يوم الثقافة العراقي". وفي هذا الصدد، يقول: "لقد لاحظتُ أن الحكومة لم تكن لديها سياسة طويلة الأجل، بل يأتون بوفد ويؤدون مهامهم ويغادر الوفد. فليس هناك تأثير على المدى الطويل، ولا توجد برامج تعليمية مخصصة للأطفال أو الشباب".
ومن أكبر المشاريع التي عمل عليها علي أثناء وجوده في الوزارة، مشروع "بغداد عاصمة الثقافة"، حيث تم إنشاء مكتبات صغيرة في المقاهي وأقيمت حفلات الموسيقى الكلاسيكية. وعن ذلك يتحدث علي قائلاً: "كان أمرًا جيدًا وجميلاً، ولكن مرة أخرى لم يكن له تأثير على المدى الطويل. فبعد بضعة أشهر، نسي الناس الأنشطة. وقد لاحظتُ عدم وجود اهتمام بثقافة المتاحف، فهناك الكثير من الإهمال للمواقع التراثية".
لذلك فكر علي بفكرة شركة "بالعطلة"، وهي شركة تنظم رحلات إلى المعالم الأكثر شهرة في البلاد بصحبة مرشد سياحي محترف لعرض الجانب التعليمي للرحلة. وقد طرح فكرته في معرض "ستارت أب ويكند" في بغداد في عام 2013. وعن هذا، يقول علي: "قالوا إن فكرتي عديمة الجدوى وأنه ليس لدينا بنية تحتية للسياحة. وأخبروني أن أنسى الفكرة وأن آتي بفكرة جديدة. ولقد شعرت بخيبة أمل ولم أفكر فيها مرة أخرى لفترة من الوقت".
كان رد الوزارة مماثلاً وعندما قاد تنظيم "داعش" حملته الوحشية في البلاد وبدأ التدمير الممنهج للآثار التي كان علي يعتز بها كثيرًا، فتخلى علي عن أمله في أن تؤتي فكرته ثمارها. وبدلاً من ذلك، ومثل العديد من العراقيين في مثل عمره، فكر في الهجرة والتقى مع صديق له أثناء تناول القهوة لمناقشة خططه. وفي أثناء الحديث، ذكر فكرته بخصوص مشروع "بالعطلة" وحلمه في القيام برحلة واحدة على الأقل قبل مغادرته بغداد. 
قرر صديقه مجاهد الويسي، الذي يمتلك شركة إنتاج إعلامي، دعمه وتعهد بالمواد الترويجية لرحلتهم الأولى إلى بابل. ويقول علي عن ذلك: "بالطبع كنت أحتاج إلى تصريح لفتح المواقع التراثية خلال عطلة نهاية الأسبوع لأن الحكومة العراقية تغلق المتاحف والمواقع التراثية يومي الجمعة والسبت". 
وقد وافق الوزير على فتح بابل لمدة أربع عطلات أسبوعية في فبراير عام 2016 وأسس الصديقان شركة "بالعطلة" ليصبحا الشريكين المؤسسين للشركة. ويضيف علي: "ذهبنا إلى المواقع ووضعنا مسار الرحلة ودفعنا للمرشد السياحي. كما تواصلنا مع شباب عراقيين على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل  تحفيزهم، وقام هؤلاء بنشر إعلانات تشجع الناس على عدم تبديد المال على الشيشة في عطلة نهاية الأسبوع، وزيارة بابل بنفس السعر وتعلم شيء جديد وتكوين صداقات جديدة. وفرضوا رسومًا قدرها 25 دولارًا للرحلة وقاموا بتشغيل أغانٍ من الأربعينيات والخمسينات والستينيات، وهي أيام مجد الموسيقى العراقية".
خلال الشهر الأول، اصطحبوا نحو 200 شخص إلى بابل. ومع انتشار الخبر، ازداد الاهتمام وأراد علي التوسع في عروضهم، فقام برحلة إلى "هور الحمّار"، وهو جزء من أهوار بلاد الرافدين الشهيرة في جنوب العراق. 
وفي تعليقه على ذلك، يقول علي: "لقد قرأت الكثير عن الأهوار وشاهدت الكثير من مقاطع الفيديو، ولكن لم يسبق لي أن زرتها أبدًا، ولذلك خططت لرحلة منفردة لاكتشافها كسائح. لم أكن أعرف أحدًا".
توقف علي في الناصرية، وهي مدينة صغيرة على ضفاف نهر الفرات على بعد حوالي ساعتين بالسيارة من موقع "أور" الأثري، مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام. ولم يكن هناك سوى فندقين في الناصرية، كل منهما يضم 30 غرفة. 
عندما وصل علي إلى "أور" يوم الجمعة، رفض الحارس إدخاله لأنه لم يكن لديه تذكرة. ولم يكن بالإمكان شراء التذاكر إلا من الناصرية خلال أيام الأسبوع. ولم يسمح الحارس لعلي بالدخول إلى موقع "أور" إلا ببعض "الواسطة"، حيث التقى بأبو أشرف، المرشد المحلي. 
وعندما شرح علي خططه لتنظيم رحلة إلى أهوار بلاد الرافدين، المدرجة كأحد مواقع التراث العالمي لدى اليونسكو، أصبح أبو أشرف مولعًا بالفكرة، موضحًا حاجة المزيد من العراقيين إلى اكتشاف التنوع الحيوي الاستثنائي في المنطقة، بما في ذلك الجاموس والطيور والأسماك الفريدة بالنسبة للمنطقة. ثم قامت شركة "بالعطلة" بعد ذلك بإنتاج فيديو ترويجي للأهوار، وسرعان ما سجل مئات الأشخاص اشتراكهم متحمسين لاكتشاف المناظر الطبيعية. 
وسرعان ما بدأت الشركة تنمو، حيث نالت أكثر من 45 ألف "إعجاب" لصفحتها على موقع فيسبوك، كما أضافت إلى عروضها المزيد من التراث التاريخي والطبيعي للعراق، بما في ذلك رحلة التنزه لمسافات طويلة والتخييم في كردستان، في اتجاه الشمال. ويقول علي: "بدأنا بجولات السياحة البيئية في كردستان، وكانت أول تجربة من نوعها للتخييم الجماعي بالنسبة للعراقيين، خاصة بالنسبة للأشخاص القادمين من بغداد". 
منذ بدأت الشركة بتنظيم أول رحلة لها إلى بابل، سافر حوالي 10 آلاف شخص مع "بالعطلة". وقد حقق علي ومجاهد تقدمًا كبيرًا في القطاع، مما حدا بالوزارة الموافقة على فتح العديد من المتاحف والمواقع في العطلات الأسبوعية. ويوجد الآن فندقان آخران في الناصرية، كما تم افتتاح مطاعم جديدة وظهرت الآن منافسة من شركات سياحة أخرى.
ومع ذلك، هناك جانب مظلم لهذا النمو، ففي حين تركز "بالعطلة" على السياحة المستدامة والبيئية، لا تقوم الشركات المنافسة لها بذلك. وقد أصبحت السياحة من أكبر التهديدات التي تواجه الأهوار في الوقت الحالي، وهو ما دفع علي إلى تقليل رحلاتهم إلى هور الحمّار استجابةً لذلك. كما أنه يعمل مع الوزارة في محاولة لتقليل عدد السياح إلى الأهوار. وفي هذا الصدد قال علي: "كانت الحكومة سعيدة معنا وبدأت تنظر إلينا كمؤثرين في المجتمع، حتى أنها فتحت المتاحف في العطلة الأسبوعية وحققت مزيدًا من الدخل وبدأت في بيع التذاكر على أبواب المواقع". 
أما الأمر الأكثر إثارة بالنسبة لعلي ومجاهد، فكان اختيارهما لتمثيل العراق في منتدى المهنيين الشباب للتراث العالمي هذا العام، والذي نظمته اللجنة الوطنية البولندية لليونسكو للتعرف على كيفية ترميم المواقع المتضررة وإعادة إعمارها. وقد علق علي على ذلك بقوله: "يركز العراقيون على كيفية البقاء على قيد الحياة ولكن علينا الآن أن نفكر في كيفية إعادة إحياء شعبنا ونظامنا التعليمي ومؤسساتنا ومعالمنا الثقافية ومواقعنا الرمزية. فالتاريخ لا ينحصر في الماضي، بل ينبغي أن نستلهم منه العبر لخلق حاضر أفضل والتخطيط لمستقبل أفضل".
وبعد أن حقق علي حلمه بتأسيس شركة مثل "بالعطلة"، تبددت الآن جميع خططه للهجرة. ويقول علي: "تتمثل رؤيتي في تأسيس شركة توفر نمطًا جديدًا من السياحة للعراقيين". 
وتدرس شركة "بالعطلة" أيضًا العمل خارج العراق بعد تنظيم رحلة إلى مصر، حيث تعرف المشاركون على الأهرامات والحديقة الجيولوجية التي شاهدوا فيها الدلافين والجمال عن قرب. كما تخطط الشركة لتلبية احتياجات السياح الأجانب برحلات مصممة خصيصًا بمجرد تحسن الوضع الأمني. وتركز الشركة حاليًا على تمكين الشباب العراقي من اكتشاف تراثهم. 
وقد علّق علي على ذلك قائلاً: "بسبب الحروب، بدأ العراقيون يفقدون هويتهم، فهم لا يهتمون بالمواقع التراثية أو بأي من المباني، مثل المكتبات أو المتاحف أو المسارح، ويقولون إن هذه مشكلة الحكومة. وعلينا توعيتهم وجعلهم ينظرون إلى المواقع على أنها ملك لهم. وأنا أحاول من خلال شركة "بالعطلة" إيقاظ العراقيين والحفاظ على هويتهم وتراثهم".
ومع كل رحلة، يتقدم علي خطوات جديدة باتجاه تحقيق رؤيته، فهو يضمن عدم نسيان حضارات العراق العظيمة وتمكين شعبها من الارتباط بمستقبله انطلاقًا من تقدير قيمة وثراء ماضيه.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات