Thursday 14th of December 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    15-Apr-2017

نحو إطار شامل لإعداد المعلمين وتدريبهم (1 - 2) - د. محي الدين توق
 
الغد- أتناول في هذه المقالة والتي تليها بعض التطوّرات لوضع إطار شامل لإعداد المعلّمين وتدريبهم. 
حظي موضوع التعليم في الأردن باهتمام متزايد من قبل الصحافة المحليّة والمجتمع المدني، وقد طغى موضوع المناهج والكتب المدرسيّة على هذا الاهتمام لأنه يتمتع بحساسيّة مجتمعيّة وثقافيّة وسياسية. وفي بعض الأحيان خرج النقاش المجتمعي عن طوره التربوي المتوازن إلى حد توجيه الاتهامات القاسية لبعض الكتّاب والمثقفين الذين طرحوا أفكاراً جديدة وجريئة تستحق التفكير فيها ودراستها بجديّة.
 إنّ المناهج والكتب المدرسيّة عامل واحد فقط من العوامل المؤثرة في فاعليّة العمليّة التعليميّة التعلميّة. إلّا أنّ إصلاح المناهج لوحده لن يقود الى اصلاح التربية، إلّا اذا رافقته اجراءات أخرى. وعلى رأس هذه الاجراءات، كما تشير التجارب الدوليّة الناجحة، اصلاح برامج اعداد وتدريب المعلمين. 
ان أفضل المناهج التعليميّة لا تؤدّي الغرض المطلوب منها فيما اذا وضعت بين يدي معلّمين غير مؤهلين وغير مدربين ولا يمتلكون الذخيرة المعرفيّة والمهاريّة والاتجاهات المطلوبة. وكما لا يمكن النظر الى المناهج التربويّة نظرة تجزيئيّة مسطّحة، لا يمكن كذلك تناول موضوع اعداد وتدريب المعلمين بشكل مجزّأ وبالقطاعي. اذ لا بدّ من وجود إطار شامل لاعداد وتدريب المعلمين ينطلق من رؤيا ورسالة وأهداف واضحة ومحدّدة تحظى بقبول وتوافق مجتمعي. وفيما يلي محاولة لتطوير الإطار الشامل هذا بالاستناد لأفضل الممارسات والمعايير الدولية في هذا المجال.
مواصفات المعلم المطلوب
ينطلق أي إطار لإعداد المعلّمين وتدريبهم من المواصفات المطلوبة في المعلّم. فمن هو المعلّم المطلوب؟ على الرغم من أنّ الاجابة عن هذا السؤال تتأثّر بالسياقات السياسيّة والاجتماعيّة للدول، إلاّ أنّ الأدب التربوي يزخر بالكثير من الصفات المطلوبة في المعلّم، والتي أصبحت محل إجماع وأصبحت تعتمد كأساس للسياسات المتعلقة باختيار المرشّحين للالتحاق بمهنة التعليم. وفيما يلي أهم هذه الصفات:
1. المعلّم صاحب مهنة ورسالة يسعى لتحقيقها من خلال عمله، فهو يمتلك هويّة انسانيّة ووطنيّة ومنظومة قيميّة يكون بموجبها مثالاً يحتذى في السلوك والالتزام بالعمل ويتحلّى بالصبر والحلم والحكمة والتواضع وتقبُّل النقد والرأي الآخر ويُقدّر ثقافة الحوار.
2. يمتلك المعلّم فلسفة تربويّة واضحة توجه سلوكه التربوي تتلاقى ولا تتعارض مع فلسفة الدولة.
3. يكون المعلّم مؤهلاً من النواحي الأكاديميّة والتربويّة معاً، ويمتلك المعرفة البيداغوجيّة للمحتوى، واستراتيجيّات متنوعة في التعليم في مستوى معيّن، ويستخدم استراتيجيّات تقويم مناسبة لطلبته تركز على تحسين تعلّمهم أكثر من تركيزها على تقييم تحصيلهم.
4. يمتلك المعلّم معرفة كبيرة بخصائص الطلبة الذين يعلّمهم، ونموهم، وتعلّمهم، وكيفيّة التعامل معهم، ويستثمر هذه المعرفة ليطوّر ثقتهم بأنفسهم، ويُنمّي طاقاتهم الابداعيّة، ويوجههم نحو مصادر المعرفة واجراء الأبحاث وكتابة التقارير والحوار البنّاء والنقد الذاتي والاندماج النشط في التعلّم وحل المشكلات.
5. يمتلك المعلّم مجموعة من المهارات الحياتيّة كإستخدام الحاسوب وتقنيات المعلومات والاتصال، ومهارات التواصل، والقيام بالبحوث الاجرائية، وكفايات في العلاقات الانسانيّة بما فيها مع المجتمع المحلّي، وتوقع الصراعات وادارتها، والعدالة الاجتماعيّة وحقوق الانسان والمواطنة، واتقانه اللغة الوطنيّة اتقاناً جيّداً قراءة وكتابة ومحادثة والالمام بلغة أجنبيّة واحدة.
6. يمتلك المعلّم الصفات القياديّة التي تمكنّه من أداء عمله بكفاءة ونجاح والمهارات اللازمة للتعامل الناجح مع كافة الشركاء في العمليّة التعليميّة التعلُّميّة.
لقد قامت وزارة التربيّة والتعليم بوضع مواصفات للمعلم ومدير المدرسة، الّا أنّ هناك حاجة لتطوير هذه المواصفات على ضوء النقاط المشار اليها اعلاه والممارسات الدوليّة الناجحة من جهة، ووضع هذه المواصفات حيّز التنفيذ الفعلي واعتبارها كمعايير لاستقطاب المؤهلين للالتحاق بمهنة التعليم واختيار المرشحين من جهة ثانية.
استقطاب المؤهلّين للالتحاق بمهنة التعليم 
انّ كافة الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في التقدُّم التربوي تمكّنت من استقطاب أفضل الكفاءات البشريّة للالتحاق بكليّات اعداد المعلّمين، ممن حصلوا على تقديرات عالية في المرحلة الثانويّة والذين يتمتعون بالصفات الشخصيّة والأخلاقيّة التي تؤهلّهم ليكونوا معلّمين من جهة، ومن الذين يمتلكون الرغبة والاستعداد والقابليّة للتعليم من جهة ثانية، اضافة الى امتلاك المهارات اللغويّة والاتصاليّة والثقافة العامة من جهة ثالثة.
 ولتحقيق هذا الأمر لجأت العديد من الدول الى اعتماد مبادىء المقابلات للمرشحين، والايفاد والمنح الدراسية لأفضل المرشحين. كما أنّ الاحتفاظ بالمعلّمين المميزين هو بنفس الدرجة من الأهميّة بسبب أنّ القطاع التعليمي العام يفقد سنويّاً الآلاف من المعلّمين الذين اكتسبوا خبرات جيّدة حيث يذهبون الى مدارس القطاع الخاص المميّزة أو الى دول الخليج العربيّة. وتشير التجارب الناجحة في هذا المجال الى أنّ هناك عدة عوامل تحفّز الشباب والشابّات للالتحاق بمهنة التعليم والبقاء فيها منها الحوافز الماديّة، وبيئة العمل، والنظرة المجتمعيّة للتعليم كمهنة محترمة ومقدّرة. 
واقترح في هذا المجال تطوير مبادرة "علِّم من أجل الأردن" على غرار المبادرة الأمريكيّة الناجحة "Teach For America" بحيث يقوم الخرّيجون المتميّزون من الجامعات الأردنية في تخصُّصات العلوم والرياضيّات والعلوم الطبيّة والهندسيّة وتكنولوجيا المعلومات والادارة بالتعليم في المدارس الحكوميّة في المناطق النائيّة والأقل حظّاً لمدة سنتين على سبيل المثال بعد أن يتم تدريبهم تدريباً تربويّاً أوليّاً على أن يتم اعطاؤهم فيما بعد أولوية في التعيين والترقيّة وبحيث تحتسب لهم كل سنة خدمة في هذا البرنامج بسنتين أو ثلاث سنوات خبرة في القطاع العام.
إعداد المعلّمين قبل الخدمة 
تتضمّن برامج اعداد المعلّمين في العادة عدّة محاور أهمها رؤيا ورسالة وأهداف البرنامج، والمحتوى التعليمي، وعدد سنوات الدراسة والساعات المعتمدة المطلوبة للتخرج، وطرق التعليم الحديثة المستخدمة، وتنظيم وادارة مكون التربيّة العمليّة التطبيقيّة، واعتماد البرنامج وتقييمه المستمر. 
وتشير التجارب الدوليّة الناجحة الى أنّ الأطر العامة للقواعد المعرفيّة اللازمة للمعلّمين الناجحين تشمل محتوى المادة العلمي، وأساليب وطرق التعليم والتقييم، ومعرفة المنهاج، والخصائص النفسيّة والذهنيّة للمتعلّمين، والخصائص التربويّة للدولة المحدّدة في التشريعات الوطنيّة والسياسات التربويّة والأهداف التربويّة المعتمدة. واستناداً الى أفضل الممارسات الدوليّة في هذا المجال، أرى ضرورة اعتماد ما يلي في برامج اعداد المعلّمين قبل الخدمة: 
أ. بناء المحتوى التعليمي لبرنامج الاعداد بشكل منطقي يضمن ربط المادّة النظريّة بالتطبيق بحيث تغطّي ما ورد أعلاه مع اعطاء عناية خاصة باللغة العربيّة كنظام يسهل عملية التعلُّم والتعليم ويؤكد الهوية الوطنيّة للطلاب. 
ب. رفع مستوى برامج اعداد المعلمين لترتقي للمعيار الدولي الذي يتطلّب حالياً مدة خمس سنوات لإعداد المعلّم أكاديميّاً وتربويّاً (أي ما يعادل 160 ساعة معتمدة) يخصّص منها ما لا يقل عن 24 ساعة معتمدة للتدريب العملي وفق النموذج التكاملي (التلازمي) حيث يمنح الخرّيج في نهاية البرنامج درجة الماجستير في التعليم. 
ج. الموازنة بين المعرفة النظريّة والتطبيقات العمليّة لها وفق النموذج التكاملي (التلازمي) في برامج اعداد معلمي مختلف المراحل التعليميّة، على أن يتم مراعاة المتطلبات الخاصة لبعض فئات المعلّمين كمعلّمي التربيّة الخاصة والتربيّة المهنيّة والتربيّة الفنيّة. ومن الممكن أن يتم استحداث مسارين في تخصص معلم الصف يركز أحدهما على المواد العلميّة، ويركز الثاني على اللغات والمواد الانسانيّة. وفي جميع الأحوال يجب أن تركز برامج الاعداد على اكساب المعلم القدرة للقيام بكافة المهارات التي تتطلبها عملية التدريس، كتخطيط الدروس وتنفيذها وادارة الصف وتقييم التعلُّم ومتابعة أداء التلاميذ وتنظيم النشاطات اللاصفيّة والمشاركة فيها.
د. صياغة المخرجات التعليميّة لبرامج الاعداد بطريقة قابلة للقياس من خلال أدوات قياس وتقييم فعّالة لتحسين تحصيل الطلاب وضمان الجودة.
ه. رفد كليّات ومعاهد الاعداد بأفضل أعضاء هيئة التدريس الاختصاص والخبرة والكفاءات العالية في التربيّة لتنفيذ برامج الاعداد.
و. تطبيق استراتيجيّات وطرائق التعليم الحديثة في برامج اعداد المعلمين والتي تبتعد عن التلقين والحفظ وتركّز على الاكتشاف وحل المشكلات وتوليد المعارف واستخدام التكنولوجيا في التعليم، مع ضرورة تنويع أساليب التعليم بما يناسب طرق التعلّم لدى الطلبة.
ز. تنظيم وادارة مكون التطبيق العملي الميداني في برامج الاعداد من خلال الشراكة الكاملة بين كليّات ومعاهد المعلّمين والمدارس المتعاونة أو النموذجية التي يتم اختيارها وفق معايير محددة وتحت اشراف معلّمين مساندين ضمن اطار تعاون توضع له معايير خاصة بالمعلم المساند ودوره في التربية العمليّة، ويفضّل أن يوضع للمعلّم المساند برنامج تدريبي متخصّص يمكنّه من ارشاد الطالب المتدرّب.
ح. اخضاع برامج اعداد المعلمين وتدريبهم للمراجعة والتقييم والتحديث من قبل مؤسسة وطنيّة مستقلة بهدف ضمان جودتها، ولتنفيذ ذلك بشكل مؤسسي ومستمر يقترح انشاء مجلس وطني (أو هيئة وطنية)، يكون مستقلاً عن وزارة التربيّة والتعليم أو وزارة التعليم العالي أو الجامعات، يتولى اعتماد برامج الاعداد وضمان جودتها. ويمارس هذا المجلس أعماله استناداً الى:
• المبادئ الاسترشاديّة التي تكوّن الاطار المرجعي لرؤيته ورسالته وأهدافه.
• المعايير المستخدمة للحكم على جودة برامج اعداد المعلمين.
• المبادئ الأساسيّة التي يرتكز عليها في اعتماد واجازة برامج اعداد المعلّمين في الجامعات والمعاهد.
• الاجراءات العمليّة المتّبعة في تقديم الطلبات من الجامعات والمعاهد لإجازة البرامج.
• آلية المراجعة والتقييم لبرامج اعداد المعلّمين بشكل دوري لضمان استمراريّة الجودة.
ويمكن أن تعطى لهذه الهيئة مهمة اعتماد المدرّسين والمدرّبين في برامج اعداد المعلّمين لضمان وحدة الرسالة وجودة التدريب، علماً بأنّ عددا من الدول العربيّة قد بادرت بانشاء هيئات من هذا النوع مثل مصر والجزائر والسعوديّة.
 
* مدير سابق لبرنامج اليونسكو/ الأونروا لتعليم اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسورية ولبنان والضفة الغربيّة وغزة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات