Monday 10th of December 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    11-Jun-2018

هشاشة مزمنة في ليبيا منقسمة - حسن أبو هنية

الراي -  أثارت الحالة الصحية التي ألمت بالمشير خليفة حفتر البالغ من العمر 74 عامًا، والذي يسيطر على معظم شرق ليبيا، حالة من الخوف والقلق خشية من أن غيابه عن المشهد الليبي سوف يعزز من ثمار شجرة الهشاشة الليبية المنقسمة أصلا على نفسها، فقد دخل حفتر في غيبوبة مؤقتة أدخل على إثرها بمستشفى في باريس بعد إصابته بجلطة دماغية، بعد سلسلة من الانتكاسات الصحية بدأت في 5 نيسان 2018 ،وهو ما ادى إلى الإسراع باتخاذ قرار، وإخضاع مدينة درنة التي استعصت على قوات الكرامة لعدة سنوات، لكن الجملة الحالية التي أعلن عنها في السابع من أيار 2018 بدت أكثر شمولية وأشد عنفا، حيث باتت معظم أجزاء المدينة تحت سيطرة قوات المشير خلبفة حفتر، والذي يقود ما يسمى «الجيش الوطني.»

أحد الأسباب التي أدت إلى حسم خيار السيطرة على درنة هو الخشية من قبل الائتلاف الواسع الذي يقوده حفتر، وحلفائه الإقليميين والدوليين من حدوث حالة من الانقسام والتشرذم في صفوف قوات الكرامة، وبقاء جيب متمرد في الشرق الليبي، يوصف على نطاق واسع باعتباره خزانا للجهادين ومعقلا للإرهابيين، وقد اكتسب حفتر سمعة دولية باعتباره يخوض حربا ضد «الإرهاب»، وبحسب «باتريك وينتور» إن الرجل القوي في ليبيا الجنرال «خليفة حفتر» عاد إلى ليبيا بعد فترة علاج في باريس تخللتها شائعات عن وفاته، ليأمر بهجوم واسع على المناطق التي يسيطر عليها الإسلاميون، وبخاصة درنة، ويصور حلفاء حفتر الجيش الوطني الليبي كقوة للاستقرار مصممة على اجتثاث المتطرفين الإسلاميين، ومن بينهم مناصرين لجماعة الإخوان المسلمين.
لقد عززت الحالة الصحية لحفتر المخاوف من عودة الانقسامات إلى الشرق الليبي، وتبدد الجهود التي بذلت تحت شعار «حرب الإرهاب»، فثمة قناعة واسعة أن غياب حفتر عن مشهد الشرق الليبي سيعيد دينامية التحالفات الدولية والإقليمية والمحلية إلى سيرتها الأولى من الخلافات الانقسامات، بل ستغدو أكثر حدة وسط تأجيج مجتمع من الأحقاد، فقد دخلت ليبيا في مأزق سياسي منذ عام 2014 ،ولم تتمكن حكومة معترف بها من الأمم المتحدة بقيادة فايز السراج من التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل البلد، حيث ألتقى رئيس مجلس الدولة الجديد في طرابلس خالد المشري، ورئيس مجلس النواب في طبرق صلاح عيسى في المغرب لمناقشة اتفاق، ورغم أن معسكر السراج كان واثقا من الوصول لاتفاق، إلا أن نقاط الخلاف حول تقاسم السلطة لا تزال قائمة، ولم يشكل اجتماع باريس، الذي عُقد في 29 أيار 2018 بشأن الملف الليبي بقيادة سياسية فرنسية، أي اختراق حقيقي، والذي شارك فيه كل من خليفة حفتر، القائد الأعلى للجيش الوطني الليبي، وعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، وخالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، وأحد أعضاء حزب العدالة والبناء، وهو الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، بالإضافة إلى فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوفاق.
جاء البيان الختامي لمؤتمر باريس بثماني نقاط، استهدفت حلحلة الوضع السياسي في ليبيا، وقد أشار الرئيس الفرنسي إلى إجماع الأطراف الليبية الحاضرة على هذه النقاط، ولعل أبرز هذه النقاط هو الإعلان عن الانتهاء من الاستفتاء على الدستور أو إقرار القوانين الانتخابية قبل منتصف سبتمبر 2018 ،وإقامة انتخابات في النصف الأول من ديسمبر من العام نفسه، لكن سرعان ما تبددت الآمال المنعقدة على اتفاق باريس قبل أن يجف المداد الذي كتب به، في مشهد مكرر لسيناريو اتفاق الصخيرات الذي تم توقيعه في المغرب عام 2015 ،وظن البعض وقتها أن الأطراف الليبية توصلت إلى حل سياسي يضع حدا للنزاع، وهو ما اتضح أنه كان تصورًا خاطئًا وحلا غير واقعي وغير قابل للتفعيل.
تشير الحالة الليبية إلى حدوث مزيد من الهشاشة والانقسام على صعيد الدولة والمجتمع الليبي لأسباب داخلية وخارجية، فالديناميكبات الداخلية والخارجية الفاعلة والمحركة في ليبيا ما بعد القذافي تؤشر إلى حالة تحول في إطار من الاستمرارية، وتنتشر دينامياتها وكأننا ندرك في عالم بالغ القدم أننا متأخرون أو لاحقون عليه، وبحسب المُنصف ونّاش فإن الأزمة التي عصفت بالمجتمع الليبي ما بين شهري فبراير - أكتوبر 2011 ،وعاشها هذا المجتمع بكل جوارحه، أدت الى «تفكيك توازن المجتمع وإلى تدمير البنيات الاجتماعية والقبليّة وخاصة إلى استحضار تاريخ مسكون بالتوترات والخلافات القبليّة والجهويّة وإلى إعادة إحياء جغرافيا الأحقاد والصراعات بين الفئات والجهات»، لكن تلك التوترات والخلافات لا تعمل بمعزل عن دينامية المابعديات المعولمة التي تحركها قوى دولية وإقليمية.
إن الانقسام الليبي يستعاد اليوم بأكثر الفصول درامية حسب المهدي عزوز فقد أعقب ثورة جاءت أصلا لترجمة الآمال العريضة لليبيين، في الحرية والكرامة، وقد وحدت الليبيين الثائرين من أقصى ليبيا إلى أدناها، وحدهم التصدي لنظام قهري استمر على الجماجم أكثر من أربعين سنة، كما وحدتهم يوتوبيا بناء مجتمع الحق والعدل والحرية، تلك اليوتوبيا التي ظلت تحرك الليبيين في كل محطات تاريخهم المعاصر.
وقد كان الشعار الذي طغى على هتافات الثورة في 2011» لا شرقية لا غربية، ليبيا وحدة وطنية». فلم تجاف ثورة 17 من فبراير الوحدة الوطنية،كما لم تنتصر للتجزئة، وقد سارعت منذ اللحظات الأولى إلى تأسيس «ائتلاف 17 فبراير» كقيادة موحدة. إن ليبيي الأمس لم يوحدهم النضال السياسي ضد المستعمرين، بقدر ما وحدتهم دولة الاستقلال. أما ليبيو اليوم فقد وحدتهم الثورة على الدكتاتورية، في حين فرقتهم دولة ما بعد الثورة.
لا جدال أن قوات المشير حفتر ستفرض سيطرتها على كامل الشرق الليبي، ولن تستطيع «قوة حماية درنة» من الصمود طويلا نظرا لاختلال موازين القوة، وهو فصيل ليبي مسلح نشأ في 11 أيار 2018 ،اثر اندلاع معركة درنة الثانية، والذي يتكون بالأساس من مجلس شورى مجاهدي درنة، لكن المؤكد أن إخضاع درنة بالقوة الغاشمة سيؤسس لنهج راديكالي، ويعزز مجتمع الأحقادـ، فرغم طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مناطق سيطرتها الأساسية في ليبيا العام المنصرم، وعلى رغم انتعاش الإنتاج النفطي ليبلغ أعلى مستوياته منذ ثلاثة أعوام، تبدو ليبيا الآن أشد استقطاباً وانقساماً من أي وقت مضى، حسب فريدريك ويري, وولفرام لاشر؛ فحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس تتعثّر في تأدية وظائفها الأساسية، وتواجه تحدّياً وجودياً من فصيل شرقي يقوده اللواء خليفة حفتر ويحظى بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة، وبصورة مطّردة من روسيا. فضلاً عن ذلك، ينزلق الاقتصاد نحو الانهيار، ولايزال بإمكان المقاتلين الجهاديين أن يجدوا مكاناً لهم وسط الفوضى التي تعم البلاد.
وفي أماكن أخرى في ليبيا، تلوح في الأفق بوادر النزاع. في بنغازي، ألحق ما يُسمّى الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر هزيمة كبرى بتنظيم الدولة الإسلامية ومجموعات جهادية أخرى، لكنه تسبّب في هذا الإطار بتمزّق شديد في النسيج الاجتماعي للمدينة، ما أدّى إلى نزوح الآلاف وإطلاق العنان لقوى إقصائية مثل التعصّب القبلي والسلفية الشديدة المحافظية. غالب الظن أن الإسلاميين المطرودين من المدينة سيواصلون القتال، سواءً عبر شنّ هجمات تقليدية من خارج المدينة أو عبر تنفيذ عمليات إرهابية داخلها. وفي أقصى الشرق، تفرض قوات حفتر حصاراً على درنة، متهمةً الإسلاميين هناك الذين ألحقوا الهزيمة بالدولة الإسلامية بالانتماء إلى تنظيم القاعدة. وبهذا فإن حالة الهشاشة والانقسام تتنامى في ليبيا مع الإصرار على الحل العسكري في حسم الخلافات، في ظل الاخفاقات المتتالية للحل السياسي، وتتعمق معها الأحقاد داخل المجتمع السياسي والمدني الليبي، حيث العنف سيد الحلول، وهي بيئة تؤسس لردكلة المجتمع والدولة وديمومة العنف والإرهاب.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات