Saturday 25th of November 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Apr-2017

هل بالاحتراق سعادة ؟ - ناديا هاشم العالول
 
الراي - وتتصاعد ألسنة اللهب بالموقد الحجري ناثرة من حولها الشرارة تلو الأخرى، محتفلة بأمسية ربيعية ما زال برد الشتاء يكافح للبقاء بأجوائها، فتارة يخترق ببرودته واجهة الربيع بمحاولة عبثية لفرض وجوده، وتارة أخرى يستقوي عليها بزخّات مطرية مقتضبَة تزيده اغترابا..
 
وبين هذا وذاك وبين طقطقة الحطب وفحيح الرطوبة الهاربة من بين ثناياه تستكين النفس البشرية متهادية على إيقاع هذه الخلطة الإستثنائية وهي تنثر الطمأنينة والهدوء في نفْس الإنسان والزمان والمكان..
 
وتشتعل الأفكار أكثر وأكثر على أزيز الشرار المحلِّق متطايرا بين ثنايا اللهب كبقايا ألعاب نارية أوشكت على الإنطفاء بعد ان أدَت دورها البهلواني المرافق لكل احتفائية مظهرية تتباهى بها النفس البشرية ولكنْ: ما مدى درجة السعادة الحقيقية التي تُحْدِثُها فعلا مثل هذه المظاهر الاستعراضية الفردية والجمعية بداخل النفس البشرية لترفع من منسوبها على مقياس سعادة تتباين وفق درجاته سعادة النفوس والشعوب.. مقياس سعادة تم استحداثه لمواجهة طوفان تعاسة زاحف!
 
فنرى شعبا ما يتربّع وفق هذا المقياس الموحَّد على أعلى درجات السعادة، وآخر يحتل منتصفها، في حين يحكم المقياس على شعب ثالث بالتعاسة لتربعِّه على أدنى درجات السعادة..
 
مقاييس تهلّ علينا في يوم السعادة العالمي بعد أن اعتمدته الأمم المتحدة في 20 آذار مضيفة المزيد من الإحتفائيات الآذارية لتشكِّل عبئا اكبر على البشرية جمعاء..فكثْرة الاحتفالات تماما مثل قلّتها لأنه إنْ زاد الشيء عن حدّه نقص.. والعِبْرة بالتطبيق وليست بالتنظير..
 
ويزداد اشتعال الحطب مع اشتعال الأفكار وترتفع نسبة الفلسفة بالأفكار المتواردة بحثا عن كل ما هو حقيقي، بعد ان اتفق الفلاسفة على ان الحقيقة مفقودة لكونها تقبع داخل جدران البناء الفكري، فالفكر هو الذي يحتضن الحقيقة ولا وجود للحقيقة خارج الفكر ولا بالواقع المعاش.. فيحاول المفكّرون التجسير بين الواقع والحقيقي للوصول لنوع من المثالية ترفع منسوب السعادة الجمعية عبرتوليفة يتم أخذها بعين الإعتبار، او لا يتم على الإطلاق وفق درجة إمتثال الأفراد والشعوب لقوانين وثقافة إيجابية تصبو للتطور والتقدم او.. العكس تماما..
 
ولهذا تعاني الشعوب غير الممتَثِلة للعقل والحقيقة والمتخبطة بحالة مستمرة من وهم دائم، يبعدها عن الخيال المبدع والواقع الحقيقي لغياب الحقيقة عن قواميس تنظيرها، فما بال التطبيق؟ مما يضعها بجداره على أعلى درجات التعاسة.. فكما للسعادة سلّم كذلك للتعاسة!
 
فالتعاسة برأينا المتواضع مقترنة بعدم التوافق وغياب الوفاق والاتفاق.. فبدلا من الاجتهاد بالبحث عن انجع وسائل السعادة الجمعية، تراها تعتمد على إتعاس بعضها البعض من أجل الحصول على جرعة من السعادة المؤقتة، وما ان يبدأ إنحسار أثر هذه الجرعة حتى تجتهد بإيجاد سبل أخرى لإتعاس غيرها ولو بقول او سلوك او عمل على مستوى الأفراد والجماعات..فسعادة البعض تكمن بإتعاس البعض اخر.. وهلم جرا.. لتصبح سمة من سمات وسلوكيات الفرد والجماعة، فتؤدي تراكماتها الى خلق ثقافة متجذرة.. ثقافة إتعاس الآخرين كمهارة تغدو بنظر عشّاقها انها السلوك الأمثل وأنها أسلوب حياة !
 
ولعل ثقافة «الداعس والمدعوس» بقيادة السيارات وحوادثها تعكس حقيقة توجهات البعض «الداعسية» –بالسين- السلوكية على الصعد كافة لتُشَكّل حالة مرَضِية مستشرية يجدر علاجها قبل فوات الأوان..او ربما فات؟
 
فحالة «الداعس والمدعوس» تنجم عن احتراق نفسي داخلي تُدعى– متلازمة التوقف- عن العمل.. عمل اي شيء من أي نوع، نتيجة إجهاد نفسي بسبب كثرة العمل وضغوطه او قلّته!
 
فهكذا إحتراق مُقْعِد تعود أسبابه لعدم توافق المرء مع نفسه أولا ولا مع غيره ثانيا..فالوفاق يبدأ من الذات الداخلية.. فإن تجاهلنا طلباتها الحقيقية تُصاب بإجهاد يُقْعِدُها عن العمل الإيجابي لتجد ضالّتها بإتعاس الآخرين كأسهل أداة لتملأ فراغهم الداخلي محققة لهم نوعا من الرضى الذاتي- بنظرهم–وهي أحسن من بَلاش، فالكُلّ يبلَش بالكُل حتى تفاقم الوضع بربيع عربي حارق مارق..
 
فالخريف العربي الجهنمي لم يتأَتّ من فراغ بل نبع من كل ذات عربية تشكو من الاحتراق النفسي، وكم كان ارضاؤها سهلا بحينها عبر صمام أمان صحيّ حقيقي يناسب ذاتَها الداخلية، منفّسا عنها من تُخْمة المقاهي والمطاعم والأراجيل، تخمة خانقة من حيث الشكل والمضمون تنتهي بمشاجرات مع «الجرسون «نتيجة احتباس نفسي فاقَمْناه بحلولنا المغلوطة، معرقلين بذلك وصولنا لمرحلة الطمأنينة الداخلية بفسْحة ذاتية يخلو بها المرء مع نفْسه ولنفْسه.. كالتريّض مشيا على الأقدام..او الاستماع لألحان الطبيعة، او شرب الشاي على ايقاع فرقعات حطب يتناثر شراره.. أوْ أوْ..
 
ولأننا نخطئ بالاختيار فترانا نعيش مظاهر السعادة دون مضمونها مصوّرينها مسجّلينها محتفين بها «دون أن نعيشها على الإطلاق «وهذا مربط الفرس! والحل يكمن بان نتعلم كيف نُسْعِدُ انفسَنا حقيقة قبل ان يُسْعِدَنا الآخرون..او يُسَعْدِنونا!
 
hashem.nadia@gmail
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات