Friday 6th of December 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jul-2019

الفساد والتنمية والمستقبل المجهول*غالب سعد

 الراي-لا مستقبل لأي شعب دون تنمية حقيقية، ولا تنمية تُرتجى بوجود الفساد، في هذه الدائرة الجهنمية يعيش مواطنو بعض الدول في قلق على مستقبلهم، ويتذمرون من كل شيء تقريباً، ولكن القلق الأكبر يأتي من سياسات الدولة / السلطة وأدائها، وكأنها أم المشاكل، والشماعة التي يعلقون عليها تقصيرهم وفشلهم، هذا ما يرددونه في المجالس والشوارع، حين يخرجون للمطالبة بالإصلاح، وينشرون هذا الخطاب التحريضي المتشائم بين الناس، حتى أصبح سبباً إضافياً للقلق ولتهديد السِلم الأهلي، ولحسن الحظ، فإن الوطن ليس كله كذلك، بل فيه الكثير من النماذج الجميلة المُشَرِّفة، التي تعطي بصدق وإخلاص، وتعيش بتواضع ووقار، ولا تنتظر شكراً من أحد.

 
إن الحديث عن ظاهرة الفساد، بموضوعية ومسؤولية، هو سلوك إيجابي، يساهم في تنظيف المجتمع، وتحسين نوعية الحياة المشتركة، والحفاظ على الموارد وتعزيز هيبة الدولة وقوتها ودورها، ولرؤية المستقبل مع الفساد، يكفي النظر لتجارب الآخرين، الذين زلت بهم القدم، ووقعوا ضحية صراع المصالح، وعبث القوى الخارجية، واكتشفوا بعد فوات الأوان، أن الفساد بكل أنواعه، توأم الجمود السياسي، وهما بوابة الشعوب الى التهلكة، هذه خلاصة الحال في المجتمعات العربية، وغيرها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ولا يُستثنى من هذه القائمة، المجتمعات الغنية الغارقة في البذخ، فهي غارقة أيضاً في الرعونة السياسية والتخلف الفكري والاجتماعي، ولم تكتشف بعد، أن التنمية السياسية الحقيقية هي القاطرة التي تقود كل عربات التنمية الأخرى، نحو المستقبل.
 
لقد أتيحت الفرصة لتلك المجتمعات، عند خروجها من تحت الاستعمار، لبناء دول وطنية العصرية، على أساس التنظيم العقلاني والمواطنة وسيادة القانون، بدلاً عن الإدارة البدائية، القائمة على القوة الذكورية، والعصبيات والمحسوبيات والعواطف والغيبيات، وكان من الطبيعي أن تتولى القوى والنخب الاجتماعية، إنجاز عملية التحول، إلّا أنها تعثرت، ووقفت في منتصف الطريق، ربما كانت تفتقر للخبرة المناسبة في الإدارة والتنظيم، ولكنها بالتأكيد، كانت تفتقد الإرادة الكافية لإنجاز المهمةً، فبدلاً من أن تقوم بنقل المجتمع الى ثقافة الدولة الحديثة ومتطلباتها وضوابطها، قامت بإغراق مشروع الدولة بثقافتها التقليدية السائدة، وحولته من إطار لتنظيم وتحديث المجتمع، إلى أداة في يد النخبة، لتكريس النظام القديم، بأطرافه وأساليبه وقيمه، ومصالحة، وانتهى الحال، إلى مشروع دولة غير مكتمل، ومجتمع يتخبط، بين مصالح النخبة في دولة هشة يستغلون شرعيتها وأدواتها، و احتياج عامة الناس، لدولة صلبة حاضرة، تنظم لهم حياتهم ويستندون اليها عند اللزوم.
 
تعود ظاهرة الفساد إلى الطبيعة البشرية، ورغبة الإنسان في إشباع إحتياجاته بأي ثمن، لذلك عرفت البشرية أشكال التنظيم، من الديانات، حتى الدولة، بمفاهيمها وقوانينها وأجهزتها، لتنظيم العلاقات بين الناس، وتجَنب استعمال القوة في إشباع حاجات البعض على حساب الآخرين، ولذلك ترتبط ظاهرة الفساد والفوضى، بسلامة وضع الدولة، ويمكن الجزم، أن غياب الدولة أو ضعفها، يجعل من المجتمع بيئة حاضنة للفساد، ويخسر فرصته في التنمية والاستقرار، ويصبح مهدداً بمستقبله ووجوده، ومع الوقت، يصبح حتى الإصلاح مستعصياً، فالفساد آفة سريعة النمو والإنتشار، وتتشكل في منظومة حية، لها قوة دفع ذاتي وآلية دفاع عن وجودها، فالفساد أشبه بسلعة تحتاج لمُنْتِج ومستهلك، يعتمد كل منهما على الآخر، ولهما مصلحة مشتركة في وجودها، ومن الفساد أنواع ودرجات كثيرة، وجميعها ضارة وغير قانونية، فهناك فساد التقصير والتقاعس عن القيام بالواجب، وهناك فساد التطاول أو التجاوز، أي القيام بأشياء ليست من حق أو اختصاص من يقوم بها، وهناك فساد الإنحراف، أي القيام بالواجبات والمسؤوليات بشكل خاطئ، وهو ما يسمى، إساءة استخدام السلطة وتوظيفها في غير ما خُصصت له، سواء للتربح المباشر أو غير المباشر، أولإلحاق الضرر بشخص ما، وفي كل الحالات، يقترن الفساد بالصفة غير القانونية، الخاضعة للتجريم والتحريم، قانونياً ودينياً وأخلاقياً.
 
إن السلطة المستخدمة في الفساد ليست دائماً، سلطة رسمية مستمدة من الدولة، وليس بالضرورة أن تكون سلطة حقيقية أو مشروعة، أو على درجة من الأهمية، بل قد تكون سلطة أمر واقع أو وهمية، أو صلاحية محدودة، اجتماعية أو اقتصادية أو دينية...الخ، وأي كانت حالات الفساد ً فهي تجري بين أشخاص، قرروا، على مسؤوليتهم أن يكونوا أعضاء في منظومة فساد، ولا علاقة للدولة أو المؤسسة أو الموقع الذي ينتمون إليه، لأن الدولة أو المؤسسة ليست سوى كيانات افتراضية محايدة، يفترض أن تعمل بالنظام القانوني الموضوعَ لها، ولا يتحمل الخطأ والمسؤولية، إلّا من صدر عنهم الفعل الفاسد، حتى لو انتحلوا اسم الكيان التابعين له أو استخدموا أدواته، ويجب أن تمتد المسؤولية لتطال رؤساءهم في الوظيفة، لتقصيرهم في مراقبتهم ومحاسبتهم، وفي كل حالات الفساد، لا يجرؤ الفاسد أن يرتكب جريمته، دون أن يكون مطمئناً، سواء لاعتقاده بضعف وتهاون المسؤول عنه، أو تآمره وإشتراكه بالفعل الجرمي، أو لاعتماده على حماية من مصدر آخر للقوة، وتزداد منظومة الفساد جرأة وخطورة حين تتقمص الشرعية، وتحتمي بالقانون ومؤسسات الدولة، وتصبح أخطر حين تتسلل لدوائر صياغة وتعديل القوانين والأنظمة وتفسيرها وتنفيذها، فتُحكِم سيطرتها على البيئة التي تعمل بها، وتقفل الطريق على خصومها، بما في ذلك تحييد أجهزة الرقابة والإنذار والمحاسبة، وربما تصل لتطويق المرجعيات العليا وصناع القرار، وتسيطر على قنوات التواصل معهم، بحيث لا يسمعون سوى صوتها وتقديرها للأمور، ولا تريهم سوى ما تراى، هنا تصل منظومة الفساد الى جهاز المناعة في جسم الدولة أو المؤسسة، لتشل حركتها، وإذا شعرت بصحوة جادة وملاحقة جيوب الفساد، فقد تنقض بشراسة، وتغرس أنيابها في من يعترض طريقها، ويهدد وجودها أو من له صلاحية لمحاسبتها.
 
إن جوهر ظاهرة الفساد هو تحقيق المصالح والمكاسب المادية أساساً، والمعنوية أحياناً، وذلك بشكل غير قانوني على حساب أصحاب الحقوق والأولويات، وفي ظل الفساد تسود مشاعر الإحباط وفقدان الثقة في شفافية القوانين والقواعد والإجراءات، أو في نزاهة وجدية تطبقها، ويختل التوازن في المجتمع، ويفقد ثقته بالسلطة واحترامه لها، وينتشر الترهل، ويتراجع الإنتاج والجودة، وتتعثر مسيرة التنمية، وتهرب الإستثمارات والمستثمرون، هذا لمجرد الإحساس بوجود الفساد، فما بالك حين يصطدم المواطنون بالوقع، ويعيشون تعقيدات الحياة والعملية التنموية، إجراءات التأسيس والإستيراد والتصدير، والتكاليف والأسعار والضرائب والرقابة والتفتيش، والديون وتحصيلها، وخلف كل ذلك ملابسات لا حصر لها، تبدأ من مراحل التعليم والكفاءة العلمية والأخلاقية، للمسؤولين والموظفين والقوى العاملة، وأخيراً فإن الوضع الإقتصادي والإجتماعي، من الفقر والبطالة وعدالة التوزيع، ومؤشرات الإنتاجية، والإنضباط والعنف المجتمعي وانتشار الجريمة والطلاق والهجرة، كلها مؤشرات لا تُخطئ، وتدق لنا ناقوس الخطر، وتحثنا على طرح المزيد من الأسئلة وإنتظار المزيد من الإجابات.
 
إجابات منتظرة من المواطنين أنفسهم، كل حسب إمكاناته ومكانته ومسؤولياته، داخل مؤسسات الدولة أو من خارجها، فإذا حضرت الدولة بشرعيتها وأدواتها، ومسؤوليها، لتسمع من المواطن، وتطبيق القانون على الجميع بعدالة وفعالية، فسيظهر وجه الوطن الجميل، ونكتشف كم فيه من منابع الخير، وبشائر الأمل، ونماذج البذل والعطاء، التي لا تحصى، وعليها الرهان، لمواجة التحديات الخارجية والداخلية، بما فيها تحديات التنمية، واجتثاث منظومة الفساد.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات