Thursday 21st of September 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Sep-2017

مجاملة مدمرة - بلال حسن التل
 
الراي - تحدثنا في المقال السابق، عن كيف أن العيد كشف زيف المشاعر وبرودتها، والزيف صفة لا تطبع تصرفاتنا في الأعياد فقط، ولكنها صارت سلوكاً متجذراً في حياتنا، تحت مسمى «المجاملة» التي صارت شماعة نعلق عليها كل أخطائنا وخطايانا، ونبرر بها كل عيوبنا، وكل زيفنا، فبعد أن كانت المجاملة سلوكاً اجتماعياً، يمارسه بعضنا على نطاق محدد، في بعض المناسبات، عندما يضطر للتواصل مع من لا يتفق معهم، فيضطر إلى «تعزيتهم» في حالة وفاة، أو مواساتهم في مصاب، صارت المجاملة تطبع سلوكنا السياسي والثقافي، وتتغلغل في كل نواحي حياتنا، فتطبعها بطابع الزيف، بكل نتائجه التدميرية، والأمثلة على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر:
 
كثيرة هي المرات، التي وقع فيها، بعض السادة النواب، مذكرات نيابية، حتى إذا جد الجد، وحان الحين، سحبوا تواقيعهم، فإذا سئلوا عن سر هذا اللحس للتواقيع، قالوا أنهم لم يقرأوا المذكرة أصلاً، وأنهم وقعوها مجاملة لزميلهم الذي تبنى المذكرة ابتداء، أو أنهم لحسوا التوقيع مجاملة لهذه الجهة أو تلك.
 
التوقيع ولحسه، في إطار المجاملة، ليس حكراً على بعض النواب، فنوابنا هم شريحة من مجتمعنا، وما بهم هو نتاج تربية مجتمعنا، وفي مجتمعنا كثيرة هي الحالات، التي صدرت فيها بيانات سياسية، وغير سياسية، ثم لحس الكثيرون من الموقعين عليها تواقيعهم، وكانت تبريراتهم لذلك هي نفس تبريرات النواب، الذين أشرنا إليهم، ولا غرابة في ذلك، فالبيئة السياسية والاجتماعية واحدة.
 
وما دمنا في إطار السياسة والبرلمان والانتخابات، فإنه لابد من أن نشير إلى ممارسة أخرى، من ممارسات المجاملة المدمرة، وهي ما نشهده في افتتاح المقرات الانتخابية، على اختلاف أنواعها, فكم هم أولئك السادة المتحدثون في افتتاح هذه المقارات كانوا مقتنعين بالمرشح الذي يتحدثون عنه، بل أكثر من ذلك ما هو حجم معرفتهم به، قبل الادلاء بشهاداتهم وإشاداتهم به؟
 
غير المتحدثين بافتتاح المقرات الانتخابية, كم هي نسبة الصدق، فيمن يأمون مقرات هؤلاء المرشحين، ويعلنون تأييدهم لهم، حتى إذا أفرغت الصناديق من ما في بطونها، لم يحصل المرشحون على عشر من أمّ مقراتهم، وأعلن تأييده لهم، فإذا سئلت بعض هؤلاء الذين يؤمون مقرات هذا المرشح، أو ذاك عن سر ذهابه إلى المقرات أجابوا « مجاملة»، متناسين أن إعلان تأييد مرشح هو موقف سياسي، فهل هذه المجاملة هي أحد أسباب زيف حياتنا السياسية؟
 
ومن السياسة وزيفها أيضاً، نضرب مثلاً آخر، على المجاملة المدمرة، هي تلك التي يشارك فيها بعض الساسة، وغير الساسة في ندوات ومؤتمرات حول قضايا مثيرة للفتنة، دون اقتناع منهم، لكنهم يشاركون مجاملة للمنظمين، فتكون مجاملتهم وبالاً عليهم وعلى غيرهم.
 
ينقلنا الحديث عن الندوات والمؤتمرات إلى الحديث عن لون آخر من ألوان المجاملة المدمرة، في حياتنا، أعني به المجاملة في مجال الثقافة والإعلام، فكثيرة هي المقالات الخالية من المضمون، ومن الفكرة، وأحياناً من الترابط، ناهيك عن ركاكة اللغة، فإذا سألت عن سر النشر قيل لك «مجاملة «لفلان، أو لأن «علان» توسط لصاحب أو صاحبة هذا المقال، الذين أو اللواتي صار بعضهم وبعضهن أصحاب زوايا ثابتة في وسائل النشر «كان الله في عون الزملاء المسؤولين عن المقالات في وسائل إعلامنا» وهو أمر ينسحب على الاستضافات في وسائل الإعلام المرئي والمسموع، فالكثير من هذه الاستضافات يتم من باب المجاملة، ثم نسأل عن سر إدبار الناس عن المشاهدة والاستماع، وما دمنا في إطار النشر والناشرين، فإن ذلك يقودنا إلى نوع آخر من أنواع المجاملة المدمرة، والمتمثل في هذا الحجم الهائل من إعلانات نعي بعض المتوفين, الذين تتسابق الشركات والمؤسسات والأشخاص إلى البكاء عليهم من باب المجاملة لهذا المتنفذ أو ذاك الممول, دون النظر إلى الآثار المدمرة للاقتصاد وللعادات الاجتماعية لهذه المجاملة.
 
يقودنا الحديث عن العادات الاجتماعية, إلى الحديث عن صنف آخر, من أصناف المجاملة المدمرة, في حياتنا, وهو الإسراف والتبذير في بعض دعواتنا للولائم, والمصحوب بها السهولة في استجابة كبار القوم لدعوات « مراق الطريق», سواء كانت هذه السهولة في قبول دعوة غداء, أو عشاء, أو قبول دعوة للمشاركة في جاهة لخطبة عروس عقد قرانها, منذ زمن وصار, الأمر رياء اجتماعياً, يشارك فيه علية القوم «مجاملة» دون أن يأخذوا بعين الاعتبار أنهم يدمرون أشياء كثيرة, من بينها هيبتهم ورمزيتهم ومكانتهم بين الناس.
 
كثيرة هي ممارسات المجاملة المدمرة في حياتنا, أخطرها تلك التي لها علاقة بهويتنا الوطنية وللحديث صلة.
 
Bilal.tall@yahoo.com
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات