Thursday 18th of July 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    12-Jul-2019

الشاعر محمد مقدادي يُعبدُ أرصفة العشق والحياة بموسيقى الأمل

 الدستور-عمر أبو الهيجاء

الشاعر والكاتب الدكتور محمد مقدادي من الأسماء الشعرية والأدبية والفكرية التي استطاعت طيلة مسيرتها الإبداعية منذ ثمانينيات القرن الفائت أن تحفر عميقا في تربة الإبداع بالجهد والمثابرة ومواكبة كل التطورات التي طرأت على جسم القصيدة العربية.
فالإبداع مسألة حياتية وإنسانية يعيشها المبدع حلّه وترحاله، ولم يألو جهدا الدكتور محمد مقدادي في السعي في الكشف عن خفايا كل ما هو مدهش في ثنايا الحياة لينشأ قصيدته المسكونة بتموجات قلبه وتقلبات الحياة وإرهاصاتها الكثيرة، من هنا، نجد الشاعر محمد مقدادي يذهب بعيدا في نقد الواقع المؤلم الذي نعيش، يعانيه برؤى ومضامين تسكنه ويسكنها ولكي تكون أكثر قربا من ذائقة القارئ لتحاكي وجدانه وأحاسيسه ومشاعره من خلال رسم وترجمة شؤون الذات المنصهرة مع كل النوافذ التي تفضي إلى الهمّ الجمعي للإنسان العربي.
محمد مقدادي شاعر يُعبد أرصفة العشق والحياة بأزاهير قلبه والأمل المشع بألوان قزح المرسومة على مساحات الحلم الذي يأخذه إلى أنثاه المشتهاة الرابضة بين ضلوعه.
من هنا، أقول ليس من السهل سبر أغوار أسفار محمد مقدادي في عوالم القصيدة، لأنه شاعر  جاء مسلحا بالثقافة والمعرفة، هذه المخزون المعرفي قد انعكس على مجمل تجربته الإبداعية، فجاء شعره إنسانيا ومعرفيا وإشكاليا، فنلاحظ أن قصيدته قصيدة مثقفة، غاصت في جدلّية الحياة والموت، ونهلت من الموروث التراثي والثقافي، وكذلك غاصت في المادة التاريخية، مما أعطى قصيدته هذا البعد المعرفي والثقافي، وأرّخت أشعاره للجرح العربي وواكبت كل التحولات التي مرّت بها الساحة من انكسار للذات وهزائمها، قصائده محتشدة بالكثير من الذكريات والمآسي والمراثي، فكان الموت والفقد سمة بارزة في جلّ منتجه الإبداعي.
أردت من هذا التمهيد، الولوج إلى آخر إصدارات الشاعر مقدادي، ديوانه الشعري «على قلّة الياسمين»، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ويأتي هذا الديوان بعد العديد من الإصدارات الشعرية التي تجاوزت الخمسة عشر ديوانا وعددا من الكتب الفكرية والفلسفية وكتب الاقتصاد والعولمة وغير ذلك من الكتب الإبداعية في المسرح الشعري، من ما سبق ذكره يتبيّن أن الشاعر د. مقدادي شاعر وكاتب متنوع، حظيت كتاباته وإبداعاته بالعديد من الدراسات النقدية محليا وعربيا ودوليا.
«على قلّة الياسمين»، عمل شعري جسّد فيه الشاعر علاقته وانتماءه للمكان، علاقة حميمة مع كل الأمكنة التي شاغلته وتوزّعت فيها خطاه، لهذا نرى جسده النابض والمتعب في آن واحد جزءا لا يتجزأ بأي شكل من الأشكال عن الأثر الذي تركته في مخيلته هذه الأماكن، فنراه عاشقا حالما بحجم حضوره في مفردات التراب وروح المكان، ويصور لنا كم ضاقت أيضا به البلاد رغم هذا الحب الفائض، فم يعد له كل ما يريده، فنراه بفم نازف يصرّح كم تقاسمه المارقون والعابرون وكذلك لصوص اليوم، وفي شدّة ما آلت إليه هذه الحياة من خراب، يهرب الشاعر حتى من ظله اللصيق به.
يقول:
(كان وجه مدينته باهتا
ووجه القرى
مطفأ كالرماد
كان يملك قبل الخروج فؤدا
ولمّا نأى
فرَّ ذاك الفؤاد والبلاد التي جمعته ظلالاتها
تفرَّق فيها وضاقت به
كل هذي البلاد، ومن يومها
وزعته الجهات).
ومما يحسب للشاعر مقدادي هذا النفس الطويل الذي حاول جاهدا فيه أن يتجنب الوقوع في مصيدة الإيغال بالرمزية، فجاءت لغته صافية لا تتخذ لها سلما أدراجه توصل إلى الغموض أو الاغتراب في بناء الصورة الشعرية المشوشة، بل اتخذت سبيلها في الوصول إلى عقلية القارئ بيُسر، فاستخدام الشاعر للكنايات التي تجسّد ما يرسخ في النفس البشرية من مشاعر وأحاسيس وعواطف تم التعبير عنها بفيض من الحزن الدفين في ثناياه – ثنايانا، إذن إنه العمر المصاب بالأسى والفقدان.
(لم يبقَ من عمري
سوى العمر الذي أفنيته
عمرا لديك
لم يبق من دمعي
سوى الدمع الذي أجريته
خوفا عليك
لم يبق من جمري سوى
ما قادني يوما إليك).
هناك ثيمة أساسية في ديوان محمد مقدادي «على قلّة الياسمين»، حضور البحر في أكثر من قصيدة، أحيانا يصور لنا الشاعر البحر بغموضه وهذا المجهول الذي يغلفه، وأحيانا نرى البحر بجمال طقوسه وتجلياته وموسيقى الحياة التي تأخذ الإنسان عوالم جديدة إلى سكنات البحر وزرقته التي يحتفي بها قلب كل عاشق نازف، وأحيانا نرى البحر طريدا عابسا مريضا ومحاصرا بالحصى، حيث لا بلاد له ولنا في كل هذي المنافي، وكما يصور لنا «كل باب يفضي إلى جسد البحر»، البحر الذي يشدّنا المرأة ورائحة العشب، ضمن رؤية وصور بانورامية تؤثث لشكل الحياة وتفاصيلها، ولشكل الذئاب المتربصين بالأمة، وشكل القصور المؤثثة بالجماجم ونوافير الدم في الساحات..بحر مقدادي غارق فيه ومرصع بالجثث والخراب، وفي المقابل نرى بحرا طافحا بالعشق وياسمين البيوت والشوارع.
(ما أجمل البحر، لما يبدأ بالعزف
ويضيع في آهاته الأوف
ويجيء محتفلا بزرقته
قلبان قد أضناهما النزف).
ومن قصيدته «باب يفضي إلى البحر»، نرى الشاعر أكثر وجعا وحزنا وفقدا، لما آلت إليه الحياة، من هزائم وانكسارات للذات وفساد وجراحات استوطنت القلوب، في هذه القصيدة يطلق الشاعر صرخته المدوّية في جهات القلوب وفي ميدان لم تعد تسمع صهيل خيولها، والسيوف لم تزل معلقة في الجدار، صرخة لكل العشاق، عشاق الحياة ومعنى الأمل.
يقول في القصيدة:
(أيها العشاق المسبيون في العناق الرتيب
لا تومئوا بأيديكم
الى طفولة هائمة
على سفوح الظلمة
في جزر الأميرات والعذارى
لا تقودوا المرايا
إلى شيخوخة الحكمة).
«على قلّة الياسمين»، عمل شعري يحتاج منا وقفات وقفات، لأنه يعتبر علامة بارزة في تجربة الشاعر محمد مقدادي الشعرية، وكما يعتبر إضافة نوعية للمكتبة العربية والمحلية، لفنيته وتقنيته ومضامينه التي الإنسانية العالية والتي تؤرخ لمعنى الحب والحياة والشأن الإنساني، محمد مقدادي شاعر يقرأ صفحات القلوب العطشى «لسيرة الماء»، منتظرا عودة الغائبين ومنتظرا صهيلا آخر يوقظ النائمين.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات