Saturday 18th of August 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    31-May-2018

حرب الذاكرة - د. صلاح جرّار

 الراي - الذاكرة لأيّ أمّة من الأمم شرطٌ من شروط بقائها ومنعتها، ومكوّن أساسيٌّ من مكوّنات هويّتها، وعندما تتعرّض الأمّة لخطرٍ من عدوٍّ خارجيّ، فإنّ أوّل ما يستهدفه هذا العدو هو ذاكرة الأمّة.

ولمّا كان العرب يتعرّضون لخطر دائم وداهم من أعداءٍ خارجيين على رأسهم الصهيونية العالميّة وحلفاؤها في الغرب، فإنّ الذاكرة العربيّة أصبحت في مرمى هؤلاء الأعداء ومخططاتهم الخبيثة وبصورٍ وأشكال شتّى، لإدراكهم أنّ العرب لو رجعوا إلى ما تختزنه ذاكرتهم لاستطاعوا أن يتجنّبوا كثيراً من الشرور والأخطاء ويستفيدوا من كثير من النماذج والتجارب الإيجابية المشرقة.
إنّ تدمير المعالم الحضارية العريقة والموغلة في القدم في كلّ من العراق وسوريا وغيرهما ما هو إلاّ صورةٌ
من صور محاولة محو الذاكرة في هذه البلدان، كما أنّ ادّعاء نسبة المعالم التاريخية في أرض فلسطين لشعب آخر طارئ عليها هو شكل آخر من أشكال السعي إلى محو الذاكرة وخلط الأوراق بما يخدم الغزاة والطامعين.
وبما أنّ التاريخ العربي قديماً وحديثاً يمثّل أهمّ مستودع لذاكرة الأمّة، فإنّ هذا التاريخ يتعرّض لكثير من محاولات التزوير والتشويه والتشكيك. ولذلك فإننا في الآونة الأخير قد أخذنا نقرأ رواياتٍ تاريخية وأخباراً منسوبة إلى ابن خلدون تارة وإلى ابن كثير تارة أخرى وإلى الأصمعي تارة ثالثة، ممّا هو عارٍ عن الصحة ولم يرد في تلك الكتب أو غيرها، والهدف من ذلك هو أن يفقد الناس ثقتهم بتلك المصادر.
ومن صور التشكيك باللحظات المشرقة في تاريخنا ما يلجأ إليه بعض المحلّلين من اجتزاء الأخبار التاريخية
بحيث يشوّهون الخبر ويعطونه أبعاداً ودلالات مغايرة لتلك التي يتضمنها، على قاعدة (ولا تقربوا الصلاة).
ومن أخطر صور محاربة الذاكرة في الزمن الراهن محو الأحداث الخطيرة بأحداث أكثر خطورة، وإثقال كاهل الذاكرة بأحداث سريعة متلاحقة بحيث لا تتمكن الذاكرة من استيعاب كلّ ما يرد إليها أو يضخ فيها حتّى لو كان بالغ الخطورة. إنّ سياسة تشتيت الانتباه هي سياسة يتبعها أعداء الأمّة بالتنسيق في ما بينهم وعلى الأصعدة كافّة السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها.
إنّ التصدّي لحرب الذاكرة هو شرطٌ من شروط نهضة الأمّة بحيث تبقى على قدرٍ عالٍ من الوعي واليقظة
وحسن التدبير.
وفي إطار هذا التصدّي أرى أنّه لا بدّ من إيلاء عناية خاصّة للمؤرخين والجغرافيين العرب ولأقسام التاريخ والجغرافيا في الجامعات العربيّة، ولجعل موادّ التاريخ في مراحل التعليم المختلفة متطلّباً أساسيّاً لجميع التخصّصات على أن يربط التاريخ بواقعنا الراهن وبالأخطار التي تواجهها الأمّة، وعلى أن يخضع هذا التاريخ لكثير من التمحيص والتدقيق والتوثيق.
إنّ أقسام التاريخ في جامعات الدول المعادية هي أكبر الأقسام وأكثرها نشاطاً وتمويلاً كما أنّ المؤرّخين في
بلدان الغرب والدول المعادية هم أعظم شأناً ومكانة من كثير من العلماء، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وحتّى لا تتزاحم الأحداث الخطيرة في ذاكرة الأمّة ويُنسي بعضُها بعضاً، فلا بدّ من التوسّع في استحداث التخصّصات الدقيقة في كلّ مجال من مجالات التاريخ والجغرافيا، ولا بدّ كذلك من تطوير السياسات الإعلامية العربيّة بحيث لا تغفل حدثاً واحداً خطيراً، وتسهم في توعية الأمّة بالأخطار أيّاً كان مصدرها وحجمها.
إنّ إحياء ذاكرة الأمّة وإنعاشها هو شرطٌ أساسيّ من شروط إحياء الأمّة ونهضتها.
salahjarrar@hotmail.com
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات