Friday 13th of December 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    26-Jul-2019

الأيديولوجيا والثقافة والسياسة* جميل النمري

 الغد-إذا لم يكن السياسي مثقفا فهي مشكلة فالسياسة تتعرض لكل شيء وتتعامل مع كل شيء وبدون فكر وثقافة عامة جيدة يكون السياسي بهلوانا او مقاتلا اعمى. وسيتبع مشاعره أو مصالحه أو عقيدته ان كان ينتمي الى عقيدة ما وهذا ينتج العقلية الدكتاتورية العمياء أو الانتهازية والوصولية الفجّة.

وغالبا ما يواجه المثقفون في الاحزاب السياسية مشاكل تنتهي بتحييدهم وخروجهم. وفي الانظمة الدكتاتورية فالمصير اكثر دراماتيكية خصوصا اذا تأخر المثقف في فهم شروط لعبة السلطة أو لم ينج بجلده مبكرا منسحبا من كل السياسة أو لاجئا في مكان ما، وقد يلاحقه قدره المأساوي فيموت بضربه بلطة على رأسه مثل “تروتسكي” أو برصاصة كاتم صوت مثل العديد من قيادات البعث في سورية والعراق أو بحبة “دواء” مثل منيف الرزاز والد رئيس وزرائنا الحالي د. عمر الرزاز.
في الأردن كما هو الحال في اي مكان كان المثقفون دوما عصب الاحزاب السياسية، وايام القمع والمنع عندنا دفعوا اثمانا باهظة لكن في نهاية المطاف كان نفوذهم يتضاءل أمام الدوغمائية والتصلب العقائدي والانتهازية والمصلحية ورأينا ذلك حتى في التيار الاسلامي حيث عانى المثقفون المتنورون مع الخطاب الايديولوجي المتصلب والبيروقراطية التنظيمية والوصولية والانتهازية. وتتحول الاحزاب عموما الى بيئة طاردة للمثقفين وينأى المثقفون بأنفسهم عن العمل السياسي وتنشأ ظاهرة التمتع بالفردية والاستقلالية والتعالي على الالتزام الحزبي الذي ينطوي على انكار للذات وهو النموذج النقيض لدور “المثقف العضوي” كما تحدث عنه الفيلسوف الماركسي أنتونيو غرامشي.
في البلدان الديمقراطية المتقدمة خرج المثقفون المفكرون من هذه الثنائية. وليس ضروريا ان ينخرطوا في الماكينة التنظيمية للحزب لامتلاك النفوذ والتأثير السياسي انهم يحضرون بقوة في المشهد السياسي الفكري من خلال افكارهم وكتاباتهم وتنظيرهم الذي يلهم رؤية الاحزاب وبرامجها ويكون من بينهم اكاديميون كبار يجاهرون بوجهة نظر منحازة بقوة أو فنانون وروائيون وفلاسفة يوظفون حضورهم لخدمة وجهة نظر او تيار سياسي أو حملات انتخابية لحزب او مرشح رئاسي. ويندر ان تجد مثقفا شهيرا لا ينحاز لجهة او موقف. وهناك ثقافة سياسية عامة ومستوى من الوعي يجعل الحياد والنأي بالنفس يبدو سلوكا تافها وانتهازيا سخيفا.
من جهتي واجهت دائما مشكلة العلاقة بين الثقافة والسياسة والايديولوجيا. منذ ان كنت شابا ملتزما حزبيا وعقائديا كنت ابدو كطائر يغرد خارج السرب بسبب اجتهاداتي الخارجة عن النص. مثلا حين كنت اعبر علنا عن عدم قناعاتي وأنا “الماركسي اللينيني” بالانظمة الاشتراكية الشمولية بسب غياب الديمقراطية والتعددية الحزبية، أو ايام الحكم العرفي عندنا حين كنت ادعو لطرح رؤية للتحول الديمقراطي السلمي أو بعد التحول الديمقراطي حين كنت ادعو لمخاطبة السلطة ببرامج اصلاحية مقنعة وليس الاكتفاء بالنقد والهجوم الدعائي، وكنت اجد الاستغراب وتهم الاستيزار حين كنت اطرح البحث عن قواسم مشتركة مع اصحاب القرار للتنمية السياسية. أو حين كنت أطرح بدائل ذكية للنظام الانتخابي تراعي مختلف الاعتبارات بدل الهجوم المجرد على “الصوت الواحد”. وطبعا كنت اكتشف فيمن حولي جهلا فادحا بالانظمة الانتخابية وسيرتها وتجارب تطبيقها. أو حين كنت اقوم بعملي الاعلامي والكتابة الصحفية بتحرر يرى فيه رفاقي اختلافا او تعارضا مرفوضا مع “رؤية” الحزب.
والحال انني كنت اجد نفسي في كل بيئة مختلفا ومخالفا. عند العقائديين مثقفا ليبراليا وعند المثقفين الليبراليين سياسيا عقائديا وعند الاعلاميين سياسيا متحزبا. أما عند نفسي فكنت أتساءل هل يصمد الجمع بين الأخلاق والثقافة والسياسة؟
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات