Thursday 21st of September 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    07-Sep-2017

هذا ليس مقالاً عن كلينك* رشا الأطرش
المدن -
رغم الجلبة التي أحدثها الكليب (المقزز إلى حدّ الإضحاك) لميريام كلينك وجاد خليفة، بدءاً من استدعاء كلينك للتحقيق بسبب ظهور طفلة في فيديو كليب إباحي، وإصدار القضاء اللبناني قراراً بمنع بث "الكليب البذيء" في الإعلام أو تداوله في الشبكات الاجتماعية و"يوتيوب" تحت طائلة غرامة مالية كبيرة، وصولاً إلى زوبعة الاستهجان والسخرية في مواقع التواصل.. فإن كلينك ليست فضيحة. بل هي التجلّي المنبثق من قلب الثقافة اللبنانية المهيمنة، وإن مثَّلَته في هيئته الأكثر سوقية.
 
ميريام كلينك خارجة من صلب المتوقع اللبناني، وليست خارجة عليه. كلينك تجسيد فظّ للمرفوض والمُعاقَب اجتماعياً وثقافياً، وفي الوقت نفسه، هي مساحة التندّر الدالّ التي لم تخلُ منها حتى جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، حينما اقترعت لها حفنة من النواب الممتعضين من التحالفات السياسية الجديدة التي أوصلت العماد ميشال عون إلى الرئاسة. كلينك حاضرة. هي الصورة، الكاريكاتورية ربما، للخيال الجنسي السائد، والذي نرى نسخاً منقّحة منه في إعلانات تجارية لبنانية وفيديوكليبات (هيفا وهبي ومقلّداتها) ومسلسلات وحفلات ساهرة يستلزم حضورها الحجز مسبقاً.
 
هي التكثيف الحيّ للثقافة التي تتضافر في تكريسها الطبقة اللبنانية "قائدة" البلد، ودوائرها: من السياسيين وأرباب الاقتصاد، إلى صانعي الرائج – لا سيما المقرّرين في الإعلام التقليدي. فالزعيم الذي قال يوماً لأحد نظرائه "ما بتوصل لتحت زناري"، وسمّى اللبنانيين "الشعب الطز"، وقال عن رئيس حكومة أنه "لا يعرف أن فتحة البنطلون من قدام مش من ورا"... صار رئيساً للجمهورية. البرامج التلفزيونية المسمّاة "سياسية اجتماعية ساخرة" تزخر، منذ سنوات، بالألفاظ النابية والإيحاءات الجنسية كوسيلة شبه وحيدة لـ"النقد" والكوميديا. بل إن كلينك نفسها شاركت في برنامج "الزعيم" على شاشة "تلفزيون الجديد". مجلات النميمة الاجتماعية ملأى بصور شبيهات كلينك، وهنّ نساء "الصفوة" اللبنانية. سياحة "التجميل" – شِفاهاً وخدوداً وأنوفاً وأردافاً وأثداء – وقروضه المصرفية وصناعته المتوسعة عربياً، إضافة إلى الحلم الاستهلاكي المتفاقم بالدَّين، أعمدة لا يستهان بسَنَدها للاقتصاد اللبناني. حتى السلطات الدينية، للطوائف كافة، بالصلاحيات الرقابية الممنوحة لها من الدولة والمجتمع على منتجات ثقافية لبنانية وغير لبنانية، وهي المنخورة بالفساد والانتهاكات القانونية والفضائح الجنسية التي تمرّ بلا نقاش جَدّي أو محاسبة، تساهم في توليف الثقافة السائدة التي أنتجت كلينك وغيرها.. ولو قضت أعماراً في التبرؤ منها.
 
بالطبع، ثمة مَن يشتغل للمُغاير، وبصِدق. لم يُفرغ لبنان تماماً مِن الثقافة البديلة، في الفنون كما في القيم الاجتماعية المناهضة للمَتن. لكنها البدائل التي ترزح في هامش لا يتمدد ولا يتمرّد، بل يهنأ بجمهوره المحدود، بحيّزه الموازي، المتعايش بسلام مع المهيمن.
 
ذات يوم، كان هناك، مثلاً، زياد الرحباني. لكن خطابه الناقد للطائفية اللبنانية وحربها، والمنحاز إلى البروليتاريا، كان، عملياً، خطاباً سيَّدَه اليسار، واليسار كان طرفاً في الحرب، أي أنه كان جزءاً من مشروع هيمنة. واليوم زياد الرحباني، إن لم ينكفئ، فهو يعيد إنتاج خطاب "المقاومة" – أي السلطة، وما عاد يختلف، في البداهة القشرية، عن غسان وأسامة الرحباني، إلا في بعض الموهبة.
 
السينما اللبنانية تنفتح على التجاري بعد نخبوية المهرجانات، وفي الحالتين لم تصبح البديل الشعبي.
 
في الغرب، صعدت موسيقى "الراب"، كنبرة احتجاج وتحدٍّ للسلطة. صحيح أن المؤسسة الفنية الراسخة عالمياً، سعت إلى ابتلاع هذا النوع من الفنون، وإعادة إنتاجه مدجناً على هواها، ونجحت في ذلك إلى حد كبير. لكن المحاولات على ضفافه ما زالت نابضة ومنتجة.
 
في لبنان، صعد الراب المحلي بخطاب الصراع الطبقي وحقوق الانسان، ونبذ الطائفية والذكورية، ومعاداة الدِّين الممأسس، لكنه النبي بين أهله من بقايا يسار وعلمانيين وأمميين. بل إن "النخبة" تسابقه في ملعبه، فتتغنّى بالديموقراطية ومحاربة الفساد، بل وتبشّر بسعيها الحثيث لإلغاء الطائفية السياسية.. يوماً ما. حتى "الطفار" و"المحرومين" الذين يتعاطف معهم بعض الراب اللبناني، صارت "قضيتهم" في حضن ما يسمى بالدولة. فمطلب "العفو العام" له صوت في الحكومة والبرلمان. والمطلوبون يقطعون به الطُّرُق، بكل حرية.
 
كلينك ليست فضيحة. الفضيحة أنها ما زالت تصدم اللبنانيين.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات