Sunday 18th of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Mar-2021

«حلقة رواة طنجة»: كتابة الهامش وهامش الكتابة

 القدس العربي-محمد زعيزعة

كيف يمكن إيجاد مدخل يغطي تجربة كتابية تتمحور حول حياة مجموعة من الكتاب/الرواة، أو بالأحرى تتخذ الحياة السردية المرتبطة بهم أساسا لها؟
إن ميلاد التجربة السردية عند «حلقة رواة طنجة» – كما يقدمها الكاتب حسن بحراوي – تأسست بالدرجة الأولى على الصدفة، أوليس السرد في عمقه هو فن بناء الصدفة؟ أي أن الكاتب يحاول من خلال السارد بناء عوالم سردية، تنبني أساسا على تقريب الصدفة/الصدف التي قد تغطي حياة كاملة بالنسبة للشخص الواقعي. لقد حاول كتاب «حلقة رواة طنجة» أن يقدم التجربة السردية لمجموعة من الأصوات السردية بكيفية سردية تنأى عن الدراسة التقنية والنظرية التي توجه فهمنا عن السرد، وفي تقديرنا، أن هذا المنطلق في الدراسة، مرده إلى أن الباب الذي ولج من خلاله هؤلاء الكتاب مغامرة الكتابة هو الحياة ذاتها، بمختلف ما يعتمل فيها من صراعات وتناقضات وبحث عن الهوية، والأبرز من هذا، البحث عن الخبز. ولعل تكييف منطلق الدراسة مع أساس التجربة السردية عند «حلقة رواة طنجة» وهو الحياة ذاتها، يحيل إلى الجانب الحي المرتبط بالسرد، الذي يتوغل في التجربة الإنسانية ويتحكم في سيرها وكذا فهمها، ومن هنا، فإن فعالية السرد في هذا الكتاب، كانت أساسا منهجيا حاول من خلاله المؤلف بلورة تجربة الكتابة والسرد عند مجموعة من الأسماء أهمها: محمد المرابط، العربي العياشي، أحمد اليعقوبي، عبد السلام بوالعيش، محمد شكري… وبالتالي، فإن السرد في هذا الكتاب كان وسيلة وغاية في الآن ذاته.
إن العنصر المركزي الذي قامت عليه تجربة «رواة طنجة» ارتبط بالكاتب الأمريكي بول بولز، حيث كان بمثابة العنصر التحويلي الذي نقل أغلب الأصوات السردية الغضة والخام من بعدها الفطري/الخشن إلى السياق الأدبي ذي الطبيعة النخبوية، وقد تجلت هذه المركزية طوبولوجيا في خطاب العتبات وكذا في خطة تبويب الكتاب وتقسيم فصوله…
وحسب تقديرنا، فإن نجاح هذه الوساطة أو الترجمة الأدبية التي اضطلع بها بولز ما كان ليتم دون معرفة ورسوخ في أعراف المؤسسة الأدبية الأمريكية خصوصا، والعالمية عموما، كما أن السياق الكوسموبوليتي، الذي ارتبط بمدينة طنجة، كان له دور معتبر في تجسير العلاقة الإنسانية/السردية بين بولز ورواته، وهو المعطى الذي يجعلنا نرنو إلى طنجة بعين ترى فيها مدينة تنتمي إلى بعد آخر، وحسب تصور السيميائيات الثقافية، فإن مدينة طنجة مدينة حدودية تنطوي على نمطين من التنظيم، هما التنظيم المرتبط بالذات، والتنظيم المرتبط بالآخر، أي أنها ملتقى للثقافات، والذوات، والعلامات، وهذا ما يجعلها مدينة سردية تتأسس على معطى جوهري يطبع العوالم السردية، ألا وهو اللقاء، وهو ما يجعلنا نعتبر الكائنات التي تتحرك في مدينة طنجة، كائنات سردية على درجات مختلفة، وهي القناعة التي تقودنا إلى أن أي شخص عاش في مدينة طنجة، كان ليشبه اليعقوبي أو المرابط، لو أن الصدفة قادت بول بولز إليه؛ لأن الزخم السردي الذي اعتمل في تجربة «حلقة رواة طنجة» لا تحركه دوافع واختيارات ذاتية، بقدر ما تتحكم فيه روح سردية محايثة لفضاء مدينة طنجة، التي يعتبر رواة طنجة تجليا لها بالمفهوم الهيغيلي. ويعتبر بولز العنصر المحرك لهذه التجارب السردية، وهو العنصر «الغريب» الذي يعطي لفعل السرد مشروعيته ووجاهته… ومن هنا، يمكن أن نتساءل حول اللحظة التي يصبح فيها فعل السرد أو الكتابة السردية فعلا ملحا؟ إنها اللحظة التي ينطوي فيها الكاتب/الراوي على التفاصيل والأحداث الغريبة التي تنقل فعله من المستوى التقريري إلى المستوى الاستثنائي، وهذا العنصر الغريب هو ما يعطي للسرد مشروعيته… وإن كان هذا المعطى يتجسد على مستوى الكتابة السردية في أحداث وأماكن… فإنه في حالة «حلقة رواة طنجة» تجسد في بول بولز نفسه، أي إن هذا الأخير كان هو «العنصر الغريب» الذي حرك فعل السرد وأعطاه مشروعيته لدى الرواة والكتاب الذين صادفهم.
 
وإذا كانت خصوصية الكتابة خاضعة بالدرجة الأولى لخصوصية الكاتب وتوجهاته، فإن تجربة «حلقة رواة طنجة» قد جاءت مكرسة لهذه القناعة، من خلال صدورها عن التجارب الشخصية لكل كاتب.
 
أضاءت تجربة «حلقة رواة طنجة» مجموعة من المناطق المظلمة التي تخص فعل الكتابة وطقوسها، هذا الفعل الذي تتعدد ملامحه وصيغه حسب الكتاب/ الرواة، لكن هذه التعددية والتشظي لا ترتبط بذاتية معطاة، بل بتصورات مخصوصة لطقس الكتابة، التي تحرك كل كاتب لاستدرار خيط السرد واستجداء بعض العوالم الاستثنائية،وقد تجاوزت هذه الإضاءات المرتبطة بطقوس الكتابة «رواة طنجة» لتنفتح على كتاب عالميين أمثال ويليام بورووز، جاك كيرواك، آلان غينسبرغ، تينيسي ويليامز..
ساهمت تجربة «حلقة رواة طنجة» في بناء تصور جديد حول فعل الكتابة السردية، هذه الكتابة التي لا تمتح من قوالب جاهزة، بقدر ما تحتل فيها فطرية الكاتب واستعداده السردي مكانة مركزية، ولعل هذا ما يعضد كونية السرد الذي يحايث التجارب الإنسانية في كل تفاصيلها، ويؤكد مسألة الموهبة السردية التي لا تعترف بالمعرفة الأدبية أو التوصيفات الأجناسية التي تعزل خطابا أو نوعا أدبيا عن آخر، بقدر ما تكرس كتابة تلامس جوهر السرد، أي أنها كتابة لا تستمد مشروعيتها من قوالب الجنس وصيغه المتعارف عليها، بل تستمد هذه المشروعية من قوة السرد ذاته، والعوالم المختلفة التي يخطها.
وإذا كانت خصوصية الكتابة خاضعة بالدرجة الأولى لخصوصية الكاتب وتوجهاته، فإن تجربة «حلقة رواة طنجة» قد جاءت مكرسة لهذه القناعة، من خلال صدورها عن التجارب الشخصية لكل كاتب، حيث نجد العربي العياشي – مثلا- في سيرته الذاتية «حياة مليئة بالثقوب» قد سلط الضوء على تجربته في السجن و»تسجيل ذكريات طفولته لاستقطار ما فيها من مظاهر الطرافة والرعونة، وصبها في قالب حكائي» وعلى غراره نسج كل من محمد المرابط ومحمد شكري وأحمد اليعقوبي وعبد السلام بولعيش.
 
 
لكن ما يوحد هذه التجارب المختلفة هو طابعها الشفوي، ثم حضور البعد البيكارسكي الشطاري فيها بشكل مطرد وقوي، ولعل هذا ما جعلها كتابة تمثل الهامش الاجتماعي، وما يعتمل فيه من ضروب المعاناة والألم والضياع، وتعري مجموعة من الممارسات المرتبطة بعلاقة الذات بالسلطة السياسية، من ناحية، ومن ناحية أخرى، علاقة الذات المبدعة بالثقافة العالمة، ممثلة في المؤسسة الأدبية العربية، «وكان الناشر اللبناني سهيل إدريس صاحب دار الآداب الذائعة الصيت، قد استنكف عن نشره «الخبز الحافي» في وقت سابق من السبعينات عندما عرض عليه الكاتب محمد برادة مخطوطته العربية، ظاهريا خوفا من الخوض في مغامرة غير مأمونة تعرضه لغضب الرقابات العربية، التي لم تكن ترحب بتجاوز الحدود الأخلاقية، وفي العمق لأنه لم يكن مقتنعا بأن يصدر مثل هذا الكتاب عن مؤلف «صغير» من أقصى المغرب العربي يرغب في انتزاع السيادة الأدبية من أعلام المشرق».
يمكن القول، إن تجربة «حلقة رواة طنجة» خرجت إلى حد كبير من بعدها الفطري والعفوي، إلى أفق آخر يرتاد من خلاله الكاتب عوالم التخييل، وما تتيحه إمكانات الجنس السردي من انفتاح وتصادي، مع مختلف أشكال التعبير، حيث أصبحنا نجد أن نصوص كل من محمد المرابط ومحمد شكري تتراوح بين السيرة الذاتية والرواية والقصة القصيرة والسيرة الغيرية، كما أن محمد المرابط، استلهم الموروث الثقافي الشعبي بإصدار «صيغته المعدلة والشخصية للحكاية الشعبية الذائعة الصيت «احديدان الحرامي»… ولابد في هذا السياق من الإشارة إلى أن تعامل المرابط مع التراث المغربي لا يمثل استنساخا أو نقلا حرفيا من أي نوع، بل إنه لا يخرج عن كونه حافزا يقدح زناد المخيلة ويفسح لها مجال وآفاق الانطلاق…».
أما محمد شكري، فقد شكل صوتا سرديا رائدا على مستوى السيرة الغيرية في «حلقة رواة طنجة» خصوصا في أعمال من قبيل «بول بولز وعزلة طنجة»«جون جنيه في طنجة».. والجدير بالذكر في ما يتعلق بالسير الغيرية التي كتبها شكري، نزوعها نحو التخلص من هاجس الواقعي والتاريخي، لترتاد بذلك رحابة السرد، والاستعانة في رسم التفاصيل والشخوص الغائبة بالتخييل؛ حيث نذكر «بأن شكري كان يستعين في تلك «الغارات» على بولز بذكرى زوجته جين، التي وإن لم يتعرف عليها شخصيا (التشديد من عندنا) فقد رسم لنا صورة أخاذة عن وجودها السحري الهش والمعلق في نقطة قصية بين الممكن والمستحيل، المألوف والاستثنائي، المقيم والعابر».
وبتأملنا لكتاب «بول بولز وعزلة طنجة» نجد أن شكري جعل السيرة الغيرية خطابا لا يحتفي بالكمال والمثالية، وإنما خطاب يحتفي بالنقص والعيوب، وأداة تشريحية لا تميل إلى خلق نوع من الترضيات، بقدر ما تسعى إلى رسم صورة كاملة حول الكيفية التي مارس بها بول بولز وجوده في الواقع وفي الفن.
 
كاتب مغربي