Thursday 22nd of August 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Aug-2019

لماذا تراهن تركيا على روسيا؟

 الغد-غالب دالاي* – (معهد بروكينغز) 15/7/2019

في 6 حزيران (يونيو)، أرسل وزير الدفاع الأميركي بالوكالة آنذاك، باتريك شاناهان، رسالة شديدة اللهجة إلى نظيره التركي بخصوص نية تركيا شراء نظام أس-400 للدفاع الجوي من روسيا. وطرحت الرسالة جدولاً زمنياً لإخراج تركيا من برنامج المقاتلة أف-35، في حال أقدمت على عملية الشراء، وحجة واشنطن في ذلك أنه في حال تم تركيب نظام الصواريخ أس-400 في تركيا، فإن ذلك سيعرّض تكنولوجيا أف-35 للخطر.
وعبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن انزعاجه من التهويل بالعقوبات، وقال إن عملية شراء نظام أس-400 اتفاقية مبرمة. وبالفعل، بدأت روسيا هذا الشهر بتسليم تركيا هذا النظام.
مع توجّه العلاقات الأميركية-التركية إلى المزيد من التدهور، يبدو أن أردوغان علّق أمله على الرئيس ترامب بغية تفادي العقوبات الأميركية. وفي الواقع، خرج أردوغان راضياً من اجتماعه مع ترامب على هامش قمة دول مجموعة العشرين في اليابان في نهاية حزيران (يونيو)؛ إذ وضع ترامب اللوم عن أزمة نظام أس-400 على إدارة أوباما وأعطى الانطباع بأنه لا يحبذ وضع عقوبات قاسية على تركيا بسبب هذه المسألة، على عكس الرسائل الصادرة من مواقع أخرى من الحكومة الأميركية.
مع ذلك، من المربك مشاهدة الطريقة التي تُعيد فيها روسيا رسم معالم العلاقات الأميركية-التركية.
فصل جديد
كان التهديد السوفياتي هو الذي أدى إلى نشوء التحالف التركي-الأميركي. فمن خلال المساعدات الاقتصادية والعسكرية، حاول الرئيس الأميركي هاري ترومان الحؤول دون وقوع تركيا واليونان في فلك النفوذ السوفياتي في العام 1947. وفي لعبة قدر ساخرة، ربما تكون روسيا الآن هي الدولة التي قد تفضّ هذا التحالف.
فكما يبين شراء نظام أس-400 الصاروخي، برز تحول مهم في العلاقات الأميركية-التركية والعلاقات التركية-الروسية على حد سواء.
على عكس التوقعات، عمقت روسيا وتركيا علاقاتهما بسرعة على جبهات عدة في السنوات الأخيرة. وكانت سورية عاملَ جذب استعملته روسيا لاستمالة تركيا. وما بدأ كانخراط براغماتي بين الجهتَين ضمن سياق الأزمة السورية بات يتخطى المسألة السورية. ولم يتوقع الكثيرون أن الغزل التركي الروسي سيستمر إلى ما بعد الأزمة السورية الشديدة التعقيد. لكن العلاقة صمدت حتى الآن -لا بل تحسنت.
ولم تكن التوقعات السلبية التي أطلِقت حيال مستقبل العلاقات الروسية-التركية بلا أساس. فجيوسياسياً، تقع الدولتان على طرفَين متناقضين حيال كل المسائل تقريباً في جوارهما. كذلك، ما تزال بنية التحالفات المحلّية والإقليمية التي تعتمدها كل من الدولتين متناقضة الغايات؛ إذ كان الإقرار بطموحات روسيا الجيوسياسية، ولا سيما حيال شرقي المتوسط، من العوامل الأساسية التي دفعت تركيا إلى العمل على الانخراط في نوادٍ غربية مختلفة.
علاقات تزداد دفئاً بين موسكو وأنقرة
إذن، لماذا تسعى تركيا الآن إلى تأسيس شراكة مع روسيا؟
كان الانخراط العسكري الروسي في الأزمة السورية وإسقاط تركيا لمقاتلة روسية بعد ذلك في خريف العام 2015 نقطتَي التحوّل الحاسمتَين. فمع التدخل العسكري الروسي، تلاشت فكرة تغيير النظام في دمشق أكثر فأكثر، ومع إسقاط المقاتلة الروسية، أُخرِجت تركيا من المشهد السوري. وبحلول ذلك الوقت، كان الغرب قد تخلّى عن فكرة تغيير النظام في سورية، وكانت وحدات حماية الشعب الكردية السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني تسيطر بسرعة على الأراضي وتكسب النفوذ السياسي في سورية. وردّاً على ذلك، طرحت تركيا جانباً هدفها بتغيير النظام أيضاً وسَوّت علاقاتها مع روسيا وركّزت عوضاً عن ذلك على لجم المكاسب الكردية في سورية. وقد طرح هذا الرهان ثماره. فبموافقة روسية، أجرت تركيا عمليات عسكرية في شمال غرب سورية ودحرت وحدات حماية الشعب إلى شرق نهر الفرات.
لكنّ هذا النوع من البراغماتية لم يكن العامل الوحيد الذي رسم معالم الارتباط الروسي-التركي منذ تلك الفترة، بل شكلت الولايات المتحدة الفريق الثالث الخفي الذي وجّه مسار الارتباط.
فقد شكل الانفصال والافتراق القوتَين الطاغيتين في العلاقات الأميركية-التركية في السنوات الأخيرة. وطرح المسؤولون من كلتا الجهتين اللياقة الدبلوماسية جانباً وتراشقوا بالاتهامات والتهديدات. فتركيا توبخ الولايات المتحدة لدعهما قوات سورية الديمقراطية، بينما يعلو صوت الولايات المتحدة أكثر فأكثر في انتقادها علاقات تركيا مع روسيا وإيران، فضلاً عن سياسة أنقرة تجاه سورية. ويشكل اسم العقوبة الأميركية التي تواجهها تركيا نتيجة لشراء نظام أس-400؛ أي قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات، خير دليل على ذلك. وقد أصبح مستوى الثقة بين البلدَين في أدنى مستوياته على الإطلاق. وتشهد العلاقات المؤسساتية وَهْناً، ولا سيما بين الجيشين. ويرى الشعب والنُّخب السياسة وصانعو السياسات الأتراك بشكل متزايد القيادة المركزية العسكرية الأميركية (سنتكوم) على أنها قوة تهديدية.
وفي نيسان (أبريل)، طلب نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، من تركيا أن تختار بين حلف شمال الأطلسي وروسيا. ولم ترغب تركيا في اتخاذ خيار كهذا، مفضلة الاستقلالية الاستراتيجية في السياستَين الخارجية والأمنية على حد سواء. فحاولت البحث عن سبل للجمع بين عضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها التاريخية مع الغرب من جهة، وعلاقاتها المُتحسّنة مع دول مثل روسيا والصين وإيران من جهة أخرى.
ولا يقتصر الأمر على أن تركيا تعتقد أن الولايات المتحدة ليست منفتحة جيداً على مصالحها، بل تظن تركيا أيضاً أنّ سياسة الولايات المتحدة تجاه شرقي المتوسط تقوّض بشكل مباشر دورَ أنقرة الإقليمي. ويفاقم اعتماد مجلس الشيوخ الأميركي “قانون الأمن والشراكة في شرق المتوسط” المخاوف التركية بأنّ السياسة الأميركية في المنطقة، سواء بالصدفة أم عمداً، ستنتهي باحتواء قاسٍ لإيران واحتواء ناعم لتركيا. وكانت تركياً تقليدياً أحد أبرز محاور السياسة الأميركية تجاه شرقي المتوسط. لكنّ هذا القانون يدعو إلى رفع الحظر على بيع السلاح إلى قبرص (فُرض الحظر للمرة الأولى في العام 1987) ويعتبر اليونان وقبرص وإسرائيل المحاور الجديدة في السياسة الأميركية حيال المنطقة.
في هذا الخصوص، أسهم حضور وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو اللقاء الثلاثي الإسرائيلي القبرصي اليوناني حول الطاقة والأمن في شرقي المتوسط الذي أقيم في إسرائيل في آذار (مارس) في زيادة المخاوف التركية. وستقنع هذه المبادرة وغيرها من المبادرات صانعي القرارات الأتراك أكثر فأكثر بأنّ الولايات المتحدة تنتهج استراتيجية احتواء مزدوجة لإيران وتركيا. ولن يجعل هذا الأمر تركيا أقلّ تعاوناً مع أي سياسة أميركية حول إيران فحسب، بل أيضاً سيحثّ تركيا أكثر على العمل عن كثب مع روسيا وإيران.
هل يمكن إعادة إحياء الصداقة الأميركية التركية؟
ما تزال الشراكة المُنشأة حديثاً مع روسيا هشّة وفي طور التغيّر. ويبين الهجوم الأخير الذي شنّه النظام السوري المدعوم من روسيا على محافظة إدلب بوضوح جليّ حدودَ التعاون الروسي-التركي في الشرق الأوسط وما وراءه.
ولا ترقى علاقات البلدين إلى مستوى روابط تركيا التاريخية والمؤسساتية مع الغرب. بيد أن هذه الروابط تذوي. وقد يؤدي فرض مجموعة قاسية من العقوبات الأميركية على تركيا ردّاً على شراء أنقرة نظام صواريخ أس-400 بشكل غير مقصود إلى جعل تركيا تعتمد أكثر على روسيا. وفي هذا السيناريو، ستتحوّل هذه الصفقة بازدياد إلى خيار إعادة اصطفاف جيوسياسية لتركيا، وهو اصطفاف بعيد عن الغرب وأقرب إلى روسيا. وإبعاد تركيا أكثر عن الغرب وتقويض حلف شمال الأطلسي هما بالضبط ما تبتغيه روسيا. وستجعل إعادة الاصطفاف هذه تركيا أكثر انطوائية وأكثر تراجعاً من ناحية الديمقراطية، ولن تخدم المصالح التركية ولا الغربية. هذه هي الاحتمالية التي على المسؤولين الأتراك والأميركيين الحؤول دون حصولها مهما كان الثمن.
 
*زميل غير مقيم في مركز بروكينغز الدوحة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات