Friday 26th of April 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    09-Apr-2019

تراجع الإسلام السياسي في صراع الأيديولوجيات التركية

 الغد-غوكهان باجيك – (أحوال تركية) 2019/4/5

 
أظهرت الانتخابات المحلية الأخيرة مرة أخرى أن تركيا باتت الآن بلداً يضم ثلاث مجموعات اجتماعية مختلفة: الأكراد؛ ووسط وشرقي الأناضول؛ وغربي الأناضول، بما في ذلك المدن الساحلية الجنوبية.
وليست هذه المجموعات الاجتماعية الثلاث منفصلة انفصالاً كبيراً عن بعضها بعضا؛ فعلى سبيل المثال، نجد أن حزب العدالة والتنمية الحاكم حصل على 30 بالمائة من أصوات الناخبين في ديار بكر، أكبر مدينة في جنوب شرقي البلاد ذي الأغلبية الكردية وأحد معاقل حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد.
وبالمثل، حصد حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، نحو 30 بالمائة من أصوات الناخبين في قهرمان مرعش، وهي مدينة في الأناضول جرت العادة على أن يكون حزب العدالة والتنمية صاحب الهيمنة في جميع انتخاباتها.
ولكن، على الرغم من مثل هذه التداخلات، فإن هذه المجموعات الاجتماعية الثلاث تظل مختلفة بشكل واضح عن بعضها البعض من حيث نمط الحياة والأيديولوجيا والشكل العام. ويُثبت اتحاد كل مجموعة من هذه المجموعات الاجتماعية الثلاث المختلفة أن التحليل السياسي في تركيا بحاجة إلى نظرة للبُعد الإقليمي؛ فلدى تركيا الآن ثلاث مجموعات اجتماعية لكل منها توجهات ثقافية وسياسية وأيديولوجية مختلفة اختلافاً واضحاً.
الأمر الثاني هو أن الانتخابات المحلية أثبتت أيضاً أن ملايين الناس في تركيا هم ناخبون لهم توجهات أيديولوجية. ونادراً ما يُغيّر الناخب صاحب الأيديولوجية حزبَه السياسي. وعلى سبيل المثال، حصل حزب العدالة والتنمية بسهولة على نسبة مرتفعة من الأصوات في مدن مثل أرضروم وقونيه وغازي عنتاب، على الرغم من أن تلك المدن تشعر بالأثر السلبي الأكبر للركود في البلاد. لكن حزب الشعب الجمهوري له هو أيضاً الكثير من الناخبين الموالين من أصحاب الأيديولوجيا في مدن مثل إزمير وأدرنة. وبالمثل، فإن حزب الشعوب الديمقراطي يحظى دائماً بالتأييد في المدن ذات الأغلبية الكردية.
وكان من شأن اتحاد الناخبين أصحاب الأيديولوجيات أن جعل تركيا تشبه الولايات المتحدة، حيث تُحدد الولايات المتأرجحة دون غيرها مصير الانتخابات؛ فتركيا هي الأخرى بات لديها الآن أقاليم متأرجحة مثل بورصة وإسطنبول وأنقرة وأنطاليا.
وأظهرت الانتخابات المحلية أن الناخبين من أصحاب الأيديولوجيات، وعلى وجه الخصوص أصحاب التوجهات القومية والإسلامية، يتصدرون في جميع مناطق الأناضول. بيد أنه توجد منافسة بين الخطّين المحافظين في الأناضول؛ فمن ناحية، يمثل حزب الحركة القومية الخط المحافظ الذي يُعطي أولوية للقومية في الأناضول، ومن ناحية أخرى هناك حزب العدالة والتنمية الذي يُعلي التوجهات الإسلامية فوق أي شيء.
وقد حل حزب الحركة القومية محل حزب العدالة والتنمية في عدد من مدن الأناضول المحافظة ذات الأهمية، مثل بايبورت وأماصيا وأرزينجان وكارامان. ويجب النظر إلى هذا الأمر على أنه متغير جديد ومهم في السياسة الداخلية للأناضول.
ويُعطي التحالف الانتخابي بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية في عدد آخر من المدن انطباعاً خاطئاً بأن الحزبين لديهما مبادئ أيديولوجية واحدة؛ لكن الواقع يقول إنهما مختلفان أيديولوجياً. فالخط القومي لحزب الحركة القومية مبدؤه الأساسي هو العلمانية، وهو ما يميزه عن حزب العدالة والتنمية الإسلامي. ومن ثم، فإن العُمَد المنتمين لحزب الحركة القومية لن يكونوا متساهلين مع الخط الإسلامي الذي يتبناه حزب العدالة والتنمية في المدن التي يحكمونها؛ فالإسلام جزء من حزب الحركة القومية، ولكن ليس كأجندة سياسية، وإنما كبُعد ثقافي -أو ربما حتى تراثي- لأيديولوجيته القومية.
وتُظهر نتائج الانتخابات المحلية أيضاً أنه من غير المرجح الآن إلى حد بعيد توقع تغييرات جذرية على نطاق أوسع في سلوك الناخبين من دون إحداث تغيير في تحالفات الأحزاب أو ظهور حزب جديد. فقد يشكل خروج حزب جديد إلى النور على الأرجح تهديداً لحزب العدالة والتنمية والحزب الصالح المنتمي إلى يمين الوسط. فالأحزاب الأخرى جميعاً قد حشدت ناخبيها وراءها، وما من سبب للاعتقاد بأن مؤيديها سيتخلون عن حزب الشعب الجمهوري أو حزب الحركة القومية أو حزب الشعوب الديمقراطي.
لكن ظهور حزب جديد -كأن يكون مؤسسو ذلك الحزب المنشود على سبيل المثال ساسة سابقين من حزب العدالة والتنمية، مثل أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان- سيجذب بالتأكيد بعض مؤيدي حزب العدالة والتنمية والحزب الصالح. ولا يستطيع حزب العدالة والتنمية تحمل تكلفة خسارة أي نسبة من المؤيدين، حتى وإن كانت بسيطة. والحزب الصالح أيضاً على المحك، لأنه ما يزال في مهده؛ كما أن السبب في شعبيته بسيط، وهو أنه لا يوجد بديل آخر أمام الناخبين المحافظين والمنتمين ليمين الوسط.
وعلى الرغم من أن الحملة الانتخابية لم تكن عادلة، فإن الانتخابات المحلية أثبتت أن صندوق الانتخاب ما يزال ركيزة أساسية للسياسة التركية وجزءاً من العَقْد الاجتماعي بين المجتمع والدولة؛ فتركيا تُجري انتخابات منذ العام 1876، وقد بات إجراء هذه الانتخابات عُرفاً لا خلاف عليه.
يجب أيضاً تسليط الضوء على بيروقراطية الدولة؛ فبالنظر إلى سلوك الطبقات البيروقراطية العليا في يوم الانتخابات، قد يقول البعض إن الدولة تريد أن ترسم صورة تُوحي بأن هناك فارقاً بينها وبين حزب العدالة والتنمية. وقد انتقد رئيس اللجنة العليا للانتخابات وكالة الأناضول للأنباء التي تديرها الدولة علناً يوم الاثنين لتحزّبها، وأعلن وقتها تقدم مرشح حزب الشعب الجمهوري في فرز نتائج إسطنبول. وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي رأينا فيها تدخلاً من جانب أحد المنتمين للطبقة البيروقراطية العليا ليس في مصلحة حزب العدالة والتنمية.
 
*كاتب وأكاديمي وباحث تركي.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات