Tuesday 17th of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    24-Sep-2017

المتقاعد.. - د. لانا مامكغ
 
الراي - اعتادَ الأبناء على سماع شكواها منه... انتقاداتِه طوال النّهار، تدخّلاتِه فيما يعنيه وفيما لا يعنيه! عصبيّته الدّائمة... اضطرارها للمرابطة في المطبخ يوميّاً ساعاتٍ طويلة لتلبية طلباته فيما يقرّر اشتهاءه من أصناف الطّعامِ والحلويّات كلّ لحظة... جلوسِه الطويل أمامَ التلفزيون لمشاهدة برامج الصّباح والشؤون النّسائيّة... أعراض الحمل وفوائد الباذنجان للبشرة، وكيفية الحصول على رموشٍ طويلة جذّابة!
 
كانت دائمة التّذمّر من الإرهاق والضّغط العصبي اللذين باتا يلازمانها بعد تقاعده، وكانت تُنهي الحديثَ عادةً بعباراتٍ تشي بمشروعٍ للهجرةِ إلى كوكبٍ آخر.
 
هكذا إلى أن قرَّر ابنه الكبير إهداءه هاتفاً حديثاً... وبدلَ أن يشكرَه، استشاطَ غضباً بداعي أنّه معتادٌ على القديم المريح، ولا حاجةَ له لآخر، ثمَّ لامَه على التبذير والتّسرّع كونه على خصومة مع التقنيات الذّكية التي لا يتقن التّعاملَ معها، ولا ينوي ذلك فيما تبقّى له من عمر...
 
واحتدَّ النّقاش إلى أن تدخّل أحدُ الأحفاد ليقترب منه بهدوء ويعرض المساعدة في تدريبه على استخدامِ الهاتف الجديد، فزمجرَ قليلاً ثمَّ انصاعَ لطلب الغالي... فهدأ وبدأ يُنصت له وهو يقول: « جدِّي، تستطيع الحصول على أيّ معلومة تريدها في لحظة، انظر ما أسهلَ الموضوع « فصاح هو من جديد: « رجلٌ تجاوز السّبعين... ما لي أنا والمعلومات ؟ يكفيني جدّاً ما أعرفه، بلا وجع راس. « فتابعَ الصبيّ بصوتٍ متوسّل: « لنجرّب ولنكتب على موقع البحث « الحياة بعد السّبعين « انظر واقرأ فقط... «
 
انهمك في القراءة، فسادَ في المكانِ هدوءٌ نسبي، إلى أن غادروا تباعاً دون أن يشعرَ بهم !
 
بعد أيّام؛ فوجئت به زوجته يخرج مبكّراً نحو قطعة الأرض الفارغة القريبة من بيتهم ليبدأ في تنظيفها من الحجارة والقاذورات... وهكذا، إلى أن حوّلها إلى مساحةٍ مناسبة للعب الكرة... فأصبحَ ذا شعبيّة عارمة بين أطفال الحيّ.
 
ثمَّ سمعته في يومٍ آخر يجري مكالمة للانضمامِ إلى دورةٍ يوغا وجلسات تأمّل.
 
وذات مساء، فوجئ به أهلُ الحي يمرّ من أمامهم مهرولاً بملابسَ رياضية زاهية... فهمست إحدى الجارات لرفيقتها: « الوضع غير مطمئن... أظن أنّه ينوي الزّواج مرّةً أخرى ! « فهمست لها الثّانية بعبارةٍ جعلتهما يضحكان بخبث.
 
على شرفةٍ أخرى، كان أحدُهم يراقبه وهو يضربُ كفّاً بكف وهو يتكتم: « المسكين، عليه العوض، ومنه العوض ! «
 
أمّا زوجتُه، فكانت تجلسُ قرب النّافذة ساهمة سارحة حزينة وهي تتحسّر وتطلقَ بين الحين والآخر تنهيداتٍ طويلة... فهو لم يعد بحاجةٍ لها كالسّابق، لم يعد يطلبُ منها شيئاً، ومضى إلى عالمٍ بعيدٍ عنها لا تفهمه.
 
كما عرف أبناؤه أنّه قد انتظمَ مؤخرّاً في دورةٍ لتعلّمِ لغةٍ أجنبيّة... وفيما كانوا حوله يحاولون سؤاله عمّا يحدث؛ أعلنَ لهم أنّه ينتظرُ تخرّجه من المعهد حتى يلبّي رغبةً قديمة لازمته منذ الشّباب... وهي تعلّم العزف على العود!
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات