Sunday 22nd of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    01-Feb-2017

‘‘العمل غير المنظم‘‘: ملاذ غير آمن للمحرومين من الوظائف

 

رانيا الصرايرة
عمان- الغد- إثر محاولات باءت بالفشل، استمرت سبعة أعوام، بحثا عن وظيفة، قررت مها الديري، خريجة العلوم السياسية من الجامعة الأردنية، أن تبدأ مشروعها الخاص، المتمثل ببيع الألبسة والعطور وأدوات التجميل، ولعدم قدرتها المالية على استئجار محل، قررت أن تفعل ذلك من بيتها برأس مال لا يزيد على 300 دينار.
وتمثلت خطوتها الأولى بشراء بضاعة من محلات الجملة في وسط البلد، ثم عممت على الجارات والقريبات عن مشروعها، وبدأت باستقبالهن في بيتها.
تقول مها: "لم يكن الأمر سهلا أبدا، لم أكن أعرف كيف أتعامل مع النساء، كوني لا أملك أي خبرة في التسويق، لكن خلال ثلاثة أسابيع لم يتبق لدي إلا قطع قليلة من البضاعة، وحققت ربحا قليلا، لكن ما حدث أن العديد من النساء أخذن بضاعتي بالدين، على أن يسددن نهاية الشهر، ولم أمانع في ذلك، لكن المبلغ الذي جنيته لم يكن كافيا لشراء المزيد من البضائع".
لكن رغم ذلك، شعرت أنها شخص منتج، وأنها تمضي يومها بفعل شيء مفيد، ورغبت بإكمال طريقها، خاصة عندما شرعت النساء بإبداء رغبتهن بمتابعة التعامل معها، وأوصينها على منتجات أخرى، لذلك استدانت مبلغا ماليا بسيطا من والدتها، ورجعت إلى السوق مرة أخرى لشراء المزيد من البضائع.
واليوم، وبعد عامين من بدء مشروعها المتواضع، توسعت شبكة معارف مها وأصبحت تروج بضاعتها في محيط أكبر، شمل أكثر من حارتين، وبدأت بتحقيق ربح مالي جيد، يساعد في تغطية مصاريف عائلتها، وأصبحت تزور منطقة العقبة كل أسبوعين لشراء البضائع منها، كونها أرخص سعرا من المدينة.
ثم لجأت للاقتراض من صندوق المرأة بقيمة (1000) دينار، وتمكنت من سداده، لتعاود الكرة مرتين، ورغم أن ما تحققه من أرباح متواضع، إلا أنها تشعر بالسعادة، لأنها تمكنت من فعل شيء إيجابي، بدلا من انتظار دورها في ديوان الخدمة المدنية.
وأوردت مقترضة أخرى، حنان، نقطة مهمة تتمحور حول القروض التي تأخذها النساء من صندوق المرأة، لتؤكد أن نسبة كبيرة منهن لا يفتتحن بها أي مشاريع، بل إنه "لا تتوفر لديهن النية للقيام بذلك"، لكن الاقتراض يكون لغايات تغطية بعض المصاريف العائلية، كأقساط الأبناء في الجامعات، أو سداد دين عن الزوج تعثر في سداده.
وتعزو سبب اللجوء إلى صندوق المرأة "لتساهله في إعطاء القروض دون أن يطلب ضمانات معقدة مثل البنوك، وبنسب فائدة أقل منها".
وتقول "أنا وحدي أعرف سبع سيدات لجأن لأخذ قرض من صندوق المرأة لتغطية مصاريف عائلية وليس لفتح مشروع".
أما هيفاء فكانت لها تجربة مختلفة، نوعا ما، إذ على الرغم من أنها اختارت الطريق ذاته في العمل غير المنظم، بإدارتها مشروعا يقوم على تفصيل فساتين "الكروشيه" للطفلات، بعد أن أخذت دورة في هذا المجال، حيث تقول إنها "تحقق من هذا العمل مبلغا يصل الى (700) دينار شهريا"، إلا أنها تؤكد أنها في حال وجدت وظيفة في القطاع العام أو الخاص، وبراتب أقل فإنها ستقبل بها.
وترى أن عملها مرهق جدا، ويحتاج لساعات طويلة لإنتاج الفساتين، فضلا عن أن عائلتها تبدي انزعاجا أحيانا من استقبال الغرباء في البيت وفي أوقات مختلفة، لاستلام طلبياتهم.
ولأن هيفاء تروج عملها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ويصل عدد المتابعين لها على صفحة "فيسبوك" إلى 50 ألفا، وتبيع بضاعتها لبعض المدارس، لتلبسها الطالبات الصغيرات في احتفالات المدارس، فهذا يعني التعامل مع شريحة واسعة من الناس، وهو ما يسبب الضيق لعائلتها، التي تنصحها بفتح محل مخصص لعرض وبيع إنتاجها، لكنها لا تراها فكرة سديدة، نظرا لارتفاع تكلفة استئجار محل تجاري، فضلا عما سيترتب عن ذلك من تكاليف استصدار رخص رسمية.
وتمتعض هيفاء، خريجة المحاسبة من جامعة الإسراء، من فكرة عدم وجود "مستقبل مضمون" لمشروعها، فهي لا تنتمي لمظلة الضمان الاجتماعي، وليس لديها تأمين صحي، أما تخوفها الأكبر فيكمن بعدم قبول زوجها المستقبلي بهذا النوع من العمل المرهق جدا، في حال زواجها.
وترغب بعمل بدوام قصير، يمكنها من الاستقرار العائلي، ورغم أنها حظيت برواج ونجاح لعملها الحالي واستطاعت إشراك شقيقتها معها، إضافة إلى أنها تقدم خدمة التوصيل لكل أرجاء العاصمة والمحافظات، حيث يتولى شقيقها هذه المهمة مقابل أجر مالي، إلا أنها تقول "أفعل ذلك للتسلية، وبالطبع من الجيد أن أتمكن من تولي مصاريفي الشخصية والمساهمة في مصروف البيت، لكنني لم أدرس أربعة أعوام في الجامعة للقيام بهذا العمل".
ورغم أنها تشكو من عدم وجود ضمان اجتماعي لها، إلا أنها ترفض فكرة التسجيل في تأمين ربات البيوت الذي تتيحه مؤسسة الضمان الاجتماعي، لأنها تعتقد أنه "غير مجد أبدا، كونه لن يؤمن لها راتبا تقاعديا مناسبا، في حال أكملت سنوات الاشتراك"، حسب رأيها.
وفيما يبدو الانخراط في سوق العمل غير المنظم نوعا من الاختيار بالنسبة لمها وهيفاء، لكنه لم يكن الحال كذلك بالنسبة للاجئة السورية حنان، التي وجدت نفسها فجأة مسؤولة وحدها عن خمسة أطفال، بعد وفاة زوجها في الحرب.
وتقول حنان: "زوجي الصيدلاني ذهب إلى سورية ولم يعد، وبعد خمسة أشهر علمت أنه مات أثناء غارة على الحي الذي كنا نقطنه هناك، ليس لدي شهادة ولم أعمل أبدا طوال حياتي، تزوجت في سن الخامسة عشرة ووجدت نفسي وأطفالي فجأة دون معيل".
وبدأت الديون بالتراكم عليها، خصوصا وأن المبلغ الذي تتقاضاه من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لا يكفي، ولم يكن أمامها غير الخروج للعمل في المنزل، وهو ما وفر لها مبلغا ماليا يسد احتياجاتها المالية.
أما المشكلة التي تواجهها حنان، فهي أنها لا تجد مكانا لوضع طفلتها الصغيرة ذات الثلاثة أعوام، كما أن عليها العودة للبيت قبل الساعة الثانية لاستقبال أطفالها الذين يذهبون إلى المدرسة، وتحاول التغلب على هذه المشاكل من خلال العمل أيام العطل الأسبوعية، وفي حال اضطرت للعمل خلال الأيام الدراسية، فإنها تصطحب طفلتها معها.
وتقول: "لكن ليست كل العائلات التي أعمل معها توافق على ذلك، لأنهم يشعرون أن طفلتي تلهيني عن العمل، لكن الأغلبية تتعاطف مع وضعي".
في المقابل، تبرز مشكلة عدم توفر بيئة عمل صديقة للمرأة في سوق العمل، وأهمها عدم وجود حضانات في مكان العمل، والتمييز في الأجور على أساس الجنس، وهو ما يدفع بعض السيدات لترك العمل في السوق المنظم واللجوء إلى غير منظم، ومثال ذلك نور التي كانت تعمل محاسبة في شركة خاصة، لكنها اضطرت لترك العمل، بعد ولادة طفلها الأول لعدم توفر حضانة في مكان العمل، إضافة الى ارتفاع رسوم الحضانات القريبة من عملها، وعدم وجود شخص موثوق من عائلتها تستطيع أن تضع طفلها عنده.
وبعد ثلاثة أعوام من ترك العمل، قررت نور فتح مطبخ إنتاجي في بيتها، وتميزت بصنع قوالب الحلوى، بعد أن خضعت لعدة دورات، وهو ما يدر عليها حاليا، دخلا ممتازا، حسب قولها.
العمل في القطاع غير المنظم كان مدار نقاش ورشة عمل، عقدها امس مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، لمناقشة مسودة دراسة حول هذا الموضوع، وتناولت أسباب انتشاره في الأردن ودلالات هذا التوسع، وحجمه، وخصائصه وخصائص العاملين فيه، والقطاعات الاقتصادية التي يتركز فيها، وأثر السياسات الحكومية عليه.
وافتتحت الورشة عضو المكتب التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية آمنه الزعبي، التي تناولت فيها جهود الشبكة في فحص وتحليل النماذج التنموية والسياسات الاقتصادية التي يتم تطبيقها في المنطقة العربية، وأثر ذلك على حالة حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية لأبناء المنطقة.
وحول أسباب اتساع العمل غير المنظم في الأردن، أشارت الدراسة التي عرضها مدير المركز أحمد عوض، الى انها تتمثل في "فشل السياسات الاقتصادية في تعزيز الاقتصاد الوطني، وتوليد فرص عمل كافية للداخلين الجدد لسوق العمل، وتشوه سياسات التعليم وانعزالها عن سياسات العمل وحاجات سوق العمل والوظائف، وتغير مفهوم العمل ونزوع العديد من الناس للعمل بشكل حر، وصعوبة إجراءات تسجيل بعض أنواع المؤسسات، والالتزامات المالية التي تترتب على ذلك".
كما تمثلت في "رغبة العديد من العاملين بالعمل في وظائف أخرى غير وظائفهم بسبب انخفاض معدلات الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، والتهرب التأميني والضريبي للعديد من أصحاب العمل والعاملين".
وقال عوض إن "السياسات الحكومية الهادفة الى تنظيم العمل غير المنظم غير متسقة وغير منظمة، ويمكن القول إنه لا يوجد سياسات محددة وواضحة لتنظيم هذا القطاع والعاملين فيه". 
وطالبت الدراسة بضرورة "تسهيل انضمام كافة العاملين في منظومة الضمان الاجتماعي خارج نطاق ما يطلق عليه "الاشتراك الاختياري"، التي تحمل المشتركين أعباء مالية كبيرة، تحول دون تشجيعهم على الاتستفادة من الحماية التي توفرها المنظومة، وشمول التأمين الصحي فيها، بتكاليف معقولة، إلى جانب إنفاذ القانون على كافة عمليات التهرب التأميني التي تضفي طابع عدم النظامية عليهم".
من جهته قال خبير سياسات العمل حمادة أبو نجمة أن "أسباب التوجه إلى العمل غير المنظم هو رغبة البعض في أن يعملوا أحراراً دون الارتباط بأصحاب عمل، والبعض الآخر ليس له مناص من العمل إلا بهذا الأسلوب، لأنه لا توجد خيارات بسبب فرص التشغيل الضعيفة والقليلة جداً، حتى أصبح لدينا ما يسمى بالعمالة الفقيرة، وهذه سمة أساسية من سمات العمل غير المنظم".
من جهته، قال الخبير الاقتصادي زيان زوانه إنه "طالما أن السياسات الاقتصادية الحكومية فشلت في إيجاد فرص العمل، فعندها يظهر القطاع غير المنظم الذي يستوعب أعداداً كافية ويعطيهم فرص عمل والقليل من الدخل ليعتاشوا منه، بغض النظر عن السلبيات الموجودة فيه".
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات