Wednesday 22nd of November 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Sep-2017

ذكريات اندلاع انتفاضة الأقصى - د. جودت أحمد المساعيد
 
 
 الغد- بعد عامٍ ونيفٍ من تعييني أستاذاً للمناهج وطرق التدريس بكلية التربية في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، وبالضبط في الثامن والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2000، وقع حادثٌ جلل، اهتزت له ليست أركان الديار الفلسطينية فقط، أو أطراف المنطقة العربية والإسلامية فحسب، بل وأيضاً جهات العالم الأربع بأسرها، وذلك عندما اقتحم زعيم الحرب الصهيوني آنذاك الجنرال أرئيل شارون باحات المسجد الأقصى، وهو صاحب السِجِل المعروف بإجرامهِ ومذابحهِ للشعب الفلسطيني ولشعوب المنطقة العربية المحيطة بأرض الرباط. 
قام شارون بالتدنيس المتعمد لأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، هو ومجموعةٍ ليست بالقليلة من جنود الاحتلال الغاشم المدججين بالسلاح والعتاد، كي يدوسوا بأحذيتهم منطقة من بين أطهر المواقع الدينية الإسلامية في العالم، ليفجر هذا العمل المشين انتفاضةً فلسطينيةً ثانية، استمرت عدة سنوات، قام جيش الاحتلال خلالها بجرح الآلاف من البشر، وتدمير الكثير من الشجر والحجر.  
اندلعت ثورة عارمة في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة وبلداتها وقراها، ضاعت خلالها ظروف الاستقرار والأمن والأمان، وغابت عمليات التنقل من مكانٍ لآخر بحريةٍ وسهولةٍ ويسر، كي يحل محلها القتل والتدمير والتشريد والحرمان، وإقامة الحواجز الكثيرة بقصد التفتيش، وصعوبة السفر والترحال لأي سببٍ كان، ولا سيما عندما قامت قوات الاحتلال بدفع مئات المدرعات والدبابات المجنزرة، وعشرات الآلاف من الجنود، ممن استخدموا أبشع أساليب القمع الوحشي ضد السكان الآمنين، والذين انتفضوا في الواقع دفاعاً عن وجودهم الذي تمّ تهديدهُ، وغيرةً على مقدساتهم التي انتهكت في وضح النهار، وحرياتهم التي سُلِبت منذ عقودٍ طويلة، في الوقت التي نالت فيه كل شعوب الأرض حريتها واستقلالها باستثنائهم هم وحدهم. 
أما ما حصل في الجامعات في ظل هذه الظروف الطارئة، وبالذات في جامعة النجاح الوطنية عند اندلاع الانتفاضة، فحدّث ولا حرج، حيث أتذكر جيداً تلك الأيام الأولى لقيامها. فما أن نقلت القنوات الفضائية ما دار حول المسجد الأقصى من اشتباكاتٍ بين قوات الاحتلال الغاشمة والمدنيين المقدسيين المدافعين عن الحرم القدسي الشريف، وسقوط الكثير من القتلى والجرحى داخله وفي محيطهِ، وتدخل قوات الشرطة الفلسطينية لصالح أبناء جلدتهم وتوجيه رصاص أسلحتهم صوب أفراد جيش عدوهم الغاصب، حتى تحولت ساحات الجامعة إلى مناطق تعجُ بآلاف الطلبة الذين خرجوا من قاعات الدراسة، كي يهتفوا بحناجر قوية وبهتافات عديدة ومتنوعة، ضد الاحتلال. 
كانت دوريات جيش الاحتلال تنتقل من مكانٍ إلى آخر خارج أسوار الجامعة مباشرةً، في تحدٍ سافرٍ للجامعة وإدارتها وطلبتها وأعضاء هيئة التدريس فيها. وكان بإمكان الجنود الصهاينة، سماع تلك الهتافات الحماسية بكل سهولةٍ ويُسر. كم توسعت مخيلتي كثيراً وقتها، حيث قلتُ لنفسي: ماذا لو أُتيحت الفرصة لهؤلاء الآلاف من الشباب كي يمتلكوا السلاح الكافي والنوعي، للتصدي لتلك الهجمات البربرية، مستخدمين أساليب حرب العصابات، لاستطاعوا بلا شك أن يُلقنوا جيش الاحتلال الكثير من الدروس، يتمثل أهمها في إيقاع أكبر عددٍ ممكنٍ من الخسائر في جنوده وعتاده.
حاولت إدارة جامعة النجاح الوطنية إغلاق الأبواب والعمل على إقناع الشباب بالبقاء داخل أسوارها، حتى لا يخرجوا إلى شوارع المدينة، خوفاً على حياتهم من المتربصين بهم من جيش العدو، الذي يقصد إيقاع الأذى المباشر بهم. ورغم ذلك، وبسبب وصول أخبار بأن شوارع مدينة نابلس اكتظت بعشرات الآلاف من المتظاهرين نُصرةً للأقصى المبارك، مع اغتنام هؤلاء الشباب فرصة انسحاب دوريات جيش الاحتلال مؤقتاً من أمام أبواب الجامعة واتجاههم نحو وسط المدينة، كي يقفزوا من فوق الأسوار، ما دفع الحُراس إلى فتح الأبواب بعد تجمهر المئات من الطلبة أمامها والمطالبة بفتحها. 
اندفعت حشود الطلبة من الجنسين، تزمجر كالسيل الهادر، وهي تردد الأناشيد الحماسية والهتافات الغاضبة، حتى وصلت إلى وسط المدينة، كي تلتحم بعد ذلك بالجماهير الأكثر عدداً، والأشد غضباً، حيث بدأ الجميع يشكلون اندفاعاً بشرياً هائلاً، يطالب بقية الشعب بالمشاركة في المظاهرات، وبالمزيد من دعم الانتفاضة، نُصرةً لأطهر المقدسات الإسلامية في العالم، بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة والحرم النبوي الشريف في المدينة المنورة. وعندها زاد عدد قوات الاحتلال وعديدها كثيراً، وبدأت بشكلٍ واضحٍ تعمل على مضايقة المتظاهرين، ومحاولة اقتحام خط سيرهم، ومنعهم من التعبير عما يجول في خاطرهم من مشاعر الحزن والغضب، ما اضطر الشباب وبقية الجمهور إلى الاشتباك مع العدو بصدورهم العارية، والذين لم يكن لديهم من الأسلحة سوى الإيمان والعزيمة في نفوسهم، والحجارة الصلبة في أيديهم. وهنا أطلق جنود الاحتلال المدججون بالسلاح النار بغزارة على الجموع، ما أدى إلى وقوع العديد من الشهداء والجرحى، كان من بينهم شاب أردني يلتحق دراسياً بجامعة النجاح، والذي أصبح أول طالبٍ من شهداء الانتفاضة في جامعة النجاح، كي يضرب أروع أمثلة التضامن والتلاحم بين الشعبين الشقيقين الأردني والفلسطيني.
بارتقاء الشهداء ووقوع الجرحى، ازداد لهيب الانتفاضة ليس في مدينة نابلس وحدها، بل وفي جميع مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا سيما بعد سقوط الكثير من الضحايا الجدد في المدن الفلسطينية الكبرى مثل القدس وبيت لحم والخليل ورام الله وغزة وخان يونس وطولكرم وغيرها. وبدأنا نلاحظ في جامعة النجاح اختفاء العديد من الطلبة نتيجة عاملين اثنين: الأول قيام جيش الاحتلال باعتقال عدد منهم عند الحواجز العسكرية وهم في طريقهم للذهاب إلى الجامعة أو الإياب منها، والثاني يتمثل في التحاق عدد من الطلبة بصفوف الثوار لمقاتلة جيش الاحتلال الصهيوني في مواقع كثيرة.
في تلك الفترة بالذات، ظهرت موجةً جديدة من النضال الفلسطيني، والذي انتشرت أنشطته بين طلبة الجامعات بعامة وطلبة جامعة النجاح الوطنية على وجه الخصوص،  كانتشار النار في الهشيم، وسميت وقتها بموجة (العمليات الاستشهادية)، والتي لاقت استحساناً كبيراً من فئة الشباب من الجنسين. وهنا رأينا بعد وقتٍ قصير صور بعض الشباب والشابات على الجدران في مختلف أرجاء الجامعة والمدينة كشهداء، بعد أن ضحوا بأرواحهم رخيصةً، كي يسطروا أعظم لوحة شرف في سبيل الوطن وحريته واستقلاله ومقدساته.
كما ظهرت في القنوات الفضائية لأول مرة وبشكلٍ ملفتٍ أيضاً،  ظاهرة أخرى جديدة سميت وقتها بظاهرة (الخبر العاجل). إذ كنا نسمع فجأة من وقتٍ لآخر داخل أسوار الجامعة، أصوات التصفيق والتهليل والتكبير والتصفير، في كل مرةٍ تعلن القنوات الفضائية بواسطة الخبر العاجل، عن حدوث انفجارات في تل أبيب أو القدس أو صفد أو حيفا أو يافا أو الناصرة أو العفولة أو طبريا أو بئر السبع أو إيلات أو غيرها من مدن أو مناطق فلسطين المحتلة منذ عام 1948م. وكم كان بعض طلبة الجامعة داخل قاعات الدراسة، لا يستطيعون كتم مشاعرهم بالفرحة العارمة إزاء ما يسمعونه من أخبارٍ سارة، تجعلهم يلجأون إلى استخدام مظاهر الفرحة البسيطة المتمثلة على الأقل بالتصفيق القوي، تضامناً مع زملائهم في الخارج، وتعبيراً عن تأييدهم لكل أنواع المقاومة الشريفة.
باختصار، فإن الجامعات تظل دوماً المكان العريق للتدريس الناجح، والبحث العلمي الدقيق والأصيل، وخدمة المجتمع المحلي المفيد، وذلك في أوقات الأمن والسلام والحرية والاستقرار. ولكن ما أن يتم فقدان أحد هذه الشروط أو كلها، كما حصل في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، حتى يتحول طلابها إلى جنود أشاوس لن يهدأ لهم بال مطلقاً، وهم يرون مقدساتهم تنتهك، وحريتهم تُسلب، وأراضيهم تُحتل صبح مساء، ورفاقهم يُعتقلون على الحواجز العسكرية، كي يُزَجَ بهم في غياهبِ السجون لعشرات السنين، مما يدفعهم إلى الدفاع البطولي عن كل هذا، لأن الشباب هم دوماً عنصر القوة الأعظم للأمم والشعوب في زمن السلم، وهم عمادُها الأول في زمن تهديد ذلك السلم بالغزو أو عند إعلان الحرب.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات